هل يمكن أن تساعدكِ فلسفة الحياة البطيئة على إيجاد التوازن؟ اعرفي الإجابة من د. صالحة افريدي
الدكتورة صالحة أفريدي، أخصائية علم النفس السريري والمديرة الإدارية لعيادة The Light House Arabia والكاتبة في مجلة هاربرز بازار، تحدثنا عن المبادئ الأساسية لفلسفة “الحياة البطيئة” حتى نتريث، ونكتشف أشكال مختلفة للسعادة والنجاح
ذات يوم كنت أقود سيارتي على الطريق السريع وأنا أشعر بشيء من الامتعاض لأن السيارات تسير أبطأ من العادة. كنت في عجلة من أمري للذهاب إلى المنزل، لم أدر لمَ كنت أشعر بذلك فلا أحد ينتظرني هناك، وليس لدي أية مواعيد. تساءلت في تعجب لماذا أشعر أنني بحاجة للحاق بشيء ما على الرغم من أنه ليس لدي ما أفعله في الوقت الحالي؟ في هذه اللحظة أدركت أنني اعتدت أن أهرول كل يوم لسيارتي، أقودها في عجلة لأصل لوجهتي وما أن أنتهي أسرع مرة أخرى لألحق بموعدي التالي، دائمًا ما أصل في الموعد أو قبله بقليل، ولكن أصل وأنا لا أتذكر شكل الطريق ولم أستمتع بالمناظر الطبيعية أو بصحبة من معي.
راجعت نفسي للحظة وأدركت أن وتيرة حياتي كلها تسودها السرعة وكأنني في سباق مع الزمن كل يوم، أجري بأقصى سرعة لأحقق إنجازًا تلو الآخر ولا أكاد التقط أنفاسي حتى أهرول مسرعة لتحقيق المزيد والوفاء بكل التزاماتي والمهام المطلوبة مني. ولكن هل أتذكر كل هذه الإنجازات؟ هل أستريح بعد كل منها وأحتفل بما حققته؟ هل أقدر اللحظات المميزة في رحلتي لإنجاز مشروع ما أو تحقيق هدفًا كنت أصبو إليه؟ في الحقيقة لا. لذلك، قررت أن يكون هدفي الأساسي في الربع الأخير من العام أن أتمتع بحياة ذات وتيرة أكثر بطئًا حتى أستطيع الاستمتاع بكل لحظة كما يجب.
سأبدأ بالقيادة في المسار البطيء بدلًا من السريع، ولكن الأمر أعمق من ذلك فهو يتعلق بتغيير منظورنا نحو الحياة. أن نبدأ بملاحظة التفاصيل البسيطة في كل لحظة نعيشها، تمامًا كما هو الحال عندما تقلل من سرعة سيارتك على الطريق، ليتحول تيار الهواء المزعج إلى نسيم لطيف يداعب وجهك ويصبح العالم من حولك أكثر وضوحًا وكأنه لوحة بديعة. فعندما لا تكون في عجلة من أمرك تصبح أصغر التفاصيل أكثر وضوحًا وحيوية وثراءً، وترى الأشياء بعين مختلفة مثل إدراكك لمدى روعة ضحكة من تحب، وتستكشف سحر رائحة المطر، ومتعة أن تلمس صفحات كتاب جديد، ودفء نظرة تبادلتها مع شخص تحبه، أو جمال زهرة تفتحت لتقبل على الحياة.
ولا يعني شعورك بالرضا تجاه ذاتك أنك تتمتع بحياة بطيئة، فهما أمران مختلفان. فمفهوم الحياة البطيئة يتعلق بجودة إنجازاتك وليس بعددها، وبعمق اللحظات التي تعيشها وليس بحجمها، أن تتخذ خيارات مدروسة وتستمتع بكل لحظة على طول الرحلة، أن تحظى بحياة متوازنة تنمو فيها على الصعيد المهني دون أن يؤثر ذلك على صحتك أو علاقاتك الاجتماعية، السر في التوازن.
إليكم بعض النصائح من د. صالحة افريدي التي ستساعدكم على التمتع بمفهوم الحياة البطيئة:
1- عش اللحظة:
لا أقصد بذلك أن تمارس تمارين التأمل لمدة 15 دقيقة يوميًا ومن ثم تخرج مسرعًا لدوامة الحياة لتلتهمك بلا رحمة، بل أن تنغمس في كل لحظة بجميع حواسك وتستمتع بأدق تفاصيلها. أن تكون حاضرًا عقلًا وجسدًا فتدرك المتعة الموجودة في كل لحظة سواء كنت تعمل أو تأكل أو تقضي الوقت مع من تحب، أن تُخلد حواسك الخمسة تلك اللحظات في ذاكرتك بكافة تفاصيلها بألوانها وأصواتها ومذاق ما تناولت والرائحة التي شممت وشعورك أثناء هذه اللحظات. ولا تنس التخلص من الأشياء التي قد تشتت انتباهك مثل الهاتف والأجهزة اللوحية وغيرها، فبدونها يصبح تركيزك على اللحظة الحالية أفضل وتنتبه لما حولك.
2- تأمل الطبيعة:
وتيرة حياة الطبيعة أبطأ منا نحن البشر، فالأشجار تستغرق عقودًا لتنمو، وتتفتح الأزهار خلال مدة معينة، وتتدفق الأنهار بوتيرة ثابتة. لذا، يمكن أن يساعد قضاء الوقت وسط الطبيعة أو التنزه سيرًا على الأقدام أو البستنة أو حتى مجرد الجلوس في الحديقة على التقليل من سرعة حياتنا. فسحر الطبيعة يجبرنا على أن نتمهل قليلًا لنتأمله وندرك أن وتيرة الحياة كلما تباطأت، أصبحنا أفضل وأكثر ازدهارًا.
3- كن انتقائيًا:
في سباق الحياة، دائمًا ما نربط النجاح بعدد ما حققناه أو اكتسبناه، وكلما حققنا أكثر، اعتبرنا أنفسنا أكثر نجاحاً. ولكن عندما نتبع فلسفة الحياة البطيئة يصبح عدد إنجازاتنا بلا معنى، فنحن نركز على الجودة لا الكم. جرب مثلًا أن تقلل عدد المهام الموجودة في جدولك اليومي، اختر التجارب المثيرة والعلاقات المثرية وكل ما يضيف قيمة حقيقية إلى حياتك فقط. حاول أن تكون أكثر انتقائية بشأن أين وكيف تنفق أموالك وتقضي وقتك وتبذل طاقتك.
4- تعلم أن تقول لا:
عندما يسير العالم بخطىً سريعة، من الطبيعي أن تتاح مئات الأشياء لأول مرة في وقت واحد. وهذا يعني أنك ستشعر بالهلع لعدم قدرتك على خوض كل هذه التجارب قبل أن تنتهي. وما أن يبدأ العالم في دفعك لتجربة كل ما هو جديد، ستجد نفسك تهرول من تجربة لأخرى مسرعًا كالعادة غير مبالٍ بالمتعة الحقيقة في كل تجربة، بل ربما تقدم على تجارب لا تشعر أنك ترغب في خوضها. لذا، جرب أن تتمهل لحظة عندما يقدّم لك عرض ما وفكر هل تريده حقًا أم هو مجرد مضيعة وقت؟ تذكر بأن وقتك وطاقتك وأموالك محدودة للغاية ولا يجب إنفاقها سوى على ما سيثري حياتك ويجعلها أفضل.
5- جرب القيادة في المسار البطيء:
هذا يعني أن يجب أن تغادر مبكرًا بما يكفي للاستمتاع بالطريق وألا الركض من مكان إلى آخر حتى تصل في الموعد. حاول أن تنظر للأشجار والغيوم والسيارات من حولك حتى تتذوق متعة الرحلة بدون التركيز على الوصول إلى الوجهة. سيساعدك ذلك أيضًا على التحلي بالصبر لأنك ستتقبل حقيقة أن الأشياء الجيدة غالبًا ما تستغرق وقتًا، فليست كل الأشياء بحاجة لأن تنجزها بعجل.
أن تبطئ من سرعة حياتك لا يعني أن تكون أقل طموحًا أو نجاحًا، بل أن تحقق المزيد وتنمو وتزدهر على كافة الأصعدة وأنت سعيد ومرتاح وتعلم جيدًا كيفية الاستمتاع بكل خطوة وكل لحظة في رحلتك. فالحياة ليست سباقًا، بل مغامرة شيقة يجب أن تستمتع بها عن طريق اتباع وتيرة معقولة تتيح لك تقدير جمالها والتعلم من تحدياتها.
اقرؤوا أيضاً:
