كيف يبلغ فرسان العلا لياقة السيف
تحوي “قرية المعتدل” في العلا جملة أحداث تحتضن تاريخ الفروسية وتروي بنيته المتجذّرة في حضارة الجزيرة العربية؛ حتى يرتوي جود مغزاها بما يحمل معرض “مجد مباري” من روح رياضية.
يؤرخ دليل دارة الملك عبدالعزيز المعرفي شعار يوم التأسيس متضمناً الخيل السعودية كأحد 5 رموز تنبع دلالاتها من تراث المملكة العربية السعودية، فيأتي المحتوى التاريخي ليوم التأسيس 1727 في ذكر الخيل كما يلي:
“يسيرون بخيل عنان إلى أطراف الروم بالتجارة؛ لأن خيولهم مرغوب فيها. إلى جانب إجادة البارود الذي لم يكن أهل نجد بحاجة إلى جلبه من خارج البلاد، ومهارة صناعة السيوف أغلبها في الدرعية وبريدة وبلاد سدير وأسنة الرماح والخناجر”.
كذلك يستمر ذات الدليل ببيان مجموعة صناعات شملت “سروج الخيل وصياغة الذهب والفضة”.
“إننا جميعاً نعي أن الآثار والتراث الحضاري هي جزء رئيس ومهم من هويتنا وتاريخنا، ومكوّن أساس لمستقبلنا، ونؤكد دائماً اعتزازنا بمسيرة الدولة في خدمة التراث والتاريخ”.
— خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، الحقيبة الإعلامية لـ مهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن 2025.
نسجت مقتنيات مجموعة الفروسية — منذ تأسيسها أثناء العام 1980 — أثر التوحيد والإيمان في تحقيق الأمن، حتى تعد المرة الأولى التي تعرض فيها المجموعة في إطار شامل ومتكامل من داخل صالة المقتني ضمن بينالي الفنون الإسلامية 2025 “وما بينهما”. إذ تقوم رحلة مرتادي الصالة ابتداءً بسيف من الإمام عبدالرحمن والد الملك عبدالعزيز -رحمهما الله- حاملاً معدن الكلمة وبقاء مجدها.
بجانبه الأيمن رسالة كتبت بخط يد الدكتور مدحت شيخ الأرض 1900-2001 تقدم وصفاً للهدية ونصها:
“في عام 1927 وبناءً على طلب الملك عبدالعزيز آل سعود، قمت بمعالجة والده الإمام عبدالرحمن، وقد أكرمني بإهدائي سيفه بعد أن شفاه الله. أعلمت الملك عبدالعزيز بهذه الهدية الكريمة، وطلب إليّ أن أحرص عليه؛ لأنه سيف من سيوف آل سعود”.
يأتي ذات البينالي “وما بينهما” بورشة عمل “الخط الإسلامي: القلم أقوى من السيف”. وكذلك ورشة “يد واحدة، طين واحد: تجليات الوحدة في عمارة الأرض” إذ تستلهم أعمالها من قيم الوحدة والانسجام والإتقان؛ حتى يتعلم المشاركون أبعاد فن عمارة الطين والعمارة الإسلامية وصولاً لصناعة تركيب معماري كبير يرسخ عبر مزج المواد وتكوينها وبنائها معاً.
إيماءات متحدة
يأتي مضمون الكلمة الافتتاحية عند بطولة العلا لبولو الصحراء 2026 بكون “رياضة البولو تجمع ممارسيها على الدقة والاحترام والشغف”، حيث يتتبع رئيس قطاع الرياضة في الهيئة الملكية لمحافظة العلا زياد السحيباني مبادئ الفروسية في الثقافة السعودية باعتبار “جبال وصخور العلا شاهدة عليها؛ نشوف الكثير من النقوش تدل على ارتباط الإنسان بالخيل منذ أقدم العصور وهذا عملنا في الهيئة الملكية لمحافظة العلا أن نجسد هذا التاريخ والإرث بطابع متجدد يعكس روح العلا وارتباطها بالرياضات التي تتناغم مع طبيعة العلا وأرضها”.
ومن داخل الجناح الوطني لسلطنة عمان في بينالي البندقية 2026، يروي القيّم الفني والفنان هيثم بن محمد البوصافي منظور العمل الفني “زينة”، واصفاً عمق الميثاق بين الفارس وخيله:
“تعد الزانة فلسفة علاقية تجسد الرابطة الوجدانية بين الفارس وخيله؛ فهي ليست مجرد حليّ فضية، بل إعلان صريح عن الحب والاعتزاز. يرى الفارس في خيله مكملاً لكيانه وزينته، فتتحول الزانة من زخرفة مادية إلى تجسيد ملموس للفخر والكرامة. إنها لغة بصرية تدمج الوظيفة بالجمال، وتحول العلاقة إلى سيمفونية من الاحترام المتبادل والوفاء المتجذر في الهوية”.
مثلما تقوم المرونة كمبدأ أساسي في ثبات الجماعة عند العمل الفني “نَفَس” للفنان سعيد جبعان داخل صالة “الصلاة والجماعة” ضمن بينالي الفنون الإسلامية 2025 “وما بينهما”، إذ يوظف بيان العمل الفني مجموعة خيوط ذهبية تتماوج صعوداً وهبوطاً في تناغم أشبه بتنفس جمعي ينبض بكون “العبادة الإسلامية تتجاوز حدود اللغات واللهجات”.
ما يتفق مع لياقة الكلمة عند دايم السيف صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل وارتوائها عبر مسمع الشعر وحتى تدرجات اللوحة والألوان، والمزيد من سمات يرويها المعرض “موطن أفكاري” 2023 بتنسيق هيئة الفنون البصرية؛ فقد “عبّر عن اعتزازه بالوطن بفروسية الأب القائد، وبعفوية الأسرة البسيطة – بنسائها وتفاصيل ملامحهن وعنفوان فتيانها وفتياتها وجمال هندامهم. قاده إحساس الفنان والشاعر إلى التأمل في كل التفاصيل وأصبح للون حوار خاص به، يوحي تارة بالحركة والحيوية وتارة أخرى بالسكينة والهدوء”.
فروسية الاعتدال
أُقيم المعرض “مجد مباري” أثناء العام 2024 رمزاً للرخاء والوفرة عند الدرعية واحتفاءً بالذكرى المئوية الثانية لتأسيس الدولة السعودية الثانية وإرث مؤسسها الإمام تركي بن عبدالله “وقد تعلم الحكمة وأسس القيادة في حي الطريف وقصوره ودرس في كتاتيب مساجد الدرعية، وتميزت شخصيته بالفهم والحكمة والعدل”.
من هنا يتجه موسم الدرعية نحو تقديم المكان بوصفه مساحة نابضة “تروى فيها القصة عبر التجربة، ويعاد فيها إحياء تفاصيل الحياة الأولى بلغة قريبة من الزوار تعبّر عن هوية الدرعية” ووفاء طابعها.
يمكن استشعار ذلك الرخاء أثناء موسم الدرعية “أرض ترويك” والارتواء من تلك الوفرة عند الموسم الذي يليه “عزك وملفاك”، حيث يعبر العز عن الفخر والملفى عن المكان الذي يجمع ويحتضن ويرحب بالجميع.
هنا تؤرخ فعالية “القصور من أهلها” قيم الفروسية وتعمد نحو بيانها فيما يلي:
- الصمود عند الإمام عبدالله بن سعود.
- الشجاعة والصبر عند الأمير تركي بن سعود.
- مكانة العلم عند الأمير ثنيان بن سعود.
- العزوة عند الأمير مشاري بن سعود.
- العمارة والابتكار عند الأمير سعد بن سعود.
- الأمن وتأمين القوافل عند الأمير ناصر بن سعود.
تواصل الهيئة الملكية لمحافظة العلا بالشراكة مع الاتحاد السعودي للبولو الاحتفاء بإرث المملكة العربية السعودية في رياضة الفروسية إلى جانب إبراز طبيعة العلا وخصوصيتها المتفردة.
ومن هنا يؤكد صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن منصور آل سعود ضمن بطولة العلا لبولو الصحراء 2026 أنه:
“عند لعب البولو لابد أن تكون متمكن بحيث كلما دخلت الملعب مع خيل للمرة الأولى صرت خيال أحسن، جزء من التجربة عدم معرفتها بالتالي لابد من التعامل معها والصبر على بعض”.
وعند التساؤل حول كيفية التعامل مع تبدل الخيل أثناء رياضة البولو وفي ذات الوقت بقاء التوافق فيما بينهما؛ يجيب الفارس ميثم الكاتب:
“في كثير من الرياضات يطور الفارس مع الخيل علاقة وطيدة خصوصاً في القدرة والتحمل وكذلك القفز، فيتميز من يتناغم مع الخيل بشكل كبير؛ لكن الفرسان بكل الأحوال ما يصلون للمستويات هذه من المنافسة إلا بإمكانهم التعامل مع خيول مختلفة وإن كان لأول مرة يلتقي مع الخيل في نفس اليوم، ورياضة البولو فيها تحديات كثيرة وتتميز بأن من يلعب فيها متمكن جداً بالتحكم بالخيول بيد واحدة ويمسك معه العصا المصنوعة من البامبو وينافس”.
الزمن جوهر الخيل وخيالها
توثق بطولة كأس الفرسان للقدرة والتحمل كيف تنافح الخيل العربية اللحظات رغم صرامة بيئتها، إذ يجتاز المشاركون أثناءها وفرة تضاريس تتطلب غاية اللياقة في الوقت والطاقة وكذلك حسن التقدير؛ عابرين سباقاً طويلاً يمتد لمسافات “تختبر قدرة الجواد والفارس على التحمل والتركيز والثقة المتبادلة”.
فتدوم مبادئ الفروسية منبعاً يروي هوية الجزيرة العربية وصولاً نحو تجسيدها رياضة للسلم، ومن ثم تثمين مروياتها عبر رزانة سيف مهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن 2025.
“إذا وصلت لهذه الصفحة فلا تفكر فيما كتبت أنا، فكر فيما قرأت أنت”.
— خالد الفيصل حفظه الله، ضمن معرض “موطن أفكاري” 2023.
تستضيف أرض العلا بطولة العالم للقدرة والتحمل بتنظيم من الاتحاد السعودي للفروسية وبدعم من الهيئة الملكية لمحافظة العلا، إذ “تعد هذه البطولة سنام سباقات الفروسية لمسافات طويلة حيث يتوجب قطع مسافة تصل إلى 160 كيلومتراً عبر تضاريس متنوعة تتطلب قدراً عالياً من الصبر والمهارة”، انطلاقاً من “إرث مسابقات التحمل عند البدو التي تحتفي بالقوة البدنية والانضباط والوفاء”.
يقوم التفوق هنا على عامل السرعة إلى جانب التكامل والالتزام بسلامة الفرس وصحتها، حتى يرتوي مطلع العام 2026 من تراث الفروسية وطيب ملفاها.
“يعتبر قطاع الفروسية بشكل عام من القطاعات المركزة عليها الهيئة الملكية بحكم ارتباطها بتاريخ العلا، والأثر الاقتصادي الكبير لها، والفرصة أن تكون العلا مقر لقطاع الفروسية على مستوى المنطقة وندعو الجميع للزيارة والاستمتاع بلحظات العلا”.
— رئيس قطاع الرياضة في الهيئة الملكية لمحافظة العلا زياد السحيباني.
مرونة المواسم
ينوي موسم الدرعية استضافة محبي التاريخ باعتباره مقصداً يتيح “السفر عبر الأزمنة” نحو وجهات تعد منبعاً للثقل الإداري والثقافي في المنطقة.
يرتسم بداخلها الحدث الأهم عند الموسم “منزال”، من منطلق الإرث الطبيعي للدرعية وبإطلالة على أكبر روافد وادي حنيفة؛ إذ “يتمتع بأرض زراعية خصبة تعتبر مصدر خير، وتشكيلات صخرية لها دور في دعم الزراعة والمساكن على امتداد الوادي”، حيث لا يزال حاضرًا في وجدان المجتمع كمنطقة دفاع رئيسية في عهد الدولة السعودية الأولى.
يحتضن مسار “منزال” 2025 تجربة “فارس البادية” متيحاً ركوب الخيل والرماية، إضافة إلى فنون الصيد بالصقر العربي وأساليب تدريبه ودوره في حياة الإنسان قديماً عبر منزلة “الصقارة” لمعرفة مراحل العناية بالصقور وقيم الصبر والانضباط لديها، ما يعكس حضورها كتراث يسهم في “تشكيل جانب مهم من الهوية الثقافية للمنطقة”.
وصولاً إلى “المشرف” حيث تأمل النجوم في صفائها بتوازن بين سرد القصص التراثية والشعر، عندها تضوي علوم الفروسية والفلك في ثنايا البيئة المحيطة ورحابة أجوائها.
ما يذكر بتصنيف الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله- للفروسية كونها:
“فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعن”.
وكذلك وصف الجواد العربي لدى كتاب “الخيل معقود في نواصيها الخير” على لسان سند بن مطلق السبيعي بأنه:
“له صفات عديدة تميزه عن بقية السلالات الأخرى من الجياد ومنها: النسب الصافي، والجمال، والصبر، والقدرة على تحمل المشقات، والفوز في السباقات الطويلة، والحماس والذكاء، والوفاء، والرشاقة، فهو رمز الفروسية العربية منذ فجر التاريخ”.
ليحمل السيف في جوهره حسن روية الخيل السعودية كما ثبات الكلمة رمزاً للوحدة والسعد. يأتي ذلك المبدأ في تتبع محبب بين تكامل موسمين: الأول عند موسم الدرعية وتحليله سلوم المجتمع ورسـوخ علومها، والثاني خلال موسم العلا وسلوكه نحو ثقلها المعرفي، حتى يجتمع الأمر بوسع التفكر في حكمة الكون ونباهة تفاعله نحو سكونها والاعتدال.
الصورة الرئيسية / سيف الملك عبدالعزيز، بينالي الفنون اإلسالمية 2025 ”وما بينهما“ — تصوير نوره الداعج
اقرؤوا أيضًا:
