Posted inهاربرز بازار أخبار

مواسم العلا يرقبها شوّاف القمر

يُرى حلول شتاء طنطورة عبر خطوط جبال تحفّ الرمال سكونها مقابل مدار وعاء يملؤ الماء عتمته.. حتى تُرَوَّى معًا بدفء المشاعل!

فمن داخل وَرَقة بُنيّة مموجة الأطراف يحفها خيط من وبر محكم الرباط؛ يستبشر أهالي العلا بعودة شتاء طنطورة – فيكتب عليها مساء جبل عِكمة مخطوطته باللغة العربية “ ندعوكم للانطلاق في رحلة تكتشفون خلالها أسرار كُتّاب جبل عِكمة القدماء والاستلهام من إرث حكمتهم”. ليجد البحث عبر أسرار النقوش القديمة إجابة للتساؤل: ماذا يخبئ لكم وادي العلا خلال ليالي عِكمة؟.

“يرجع تاريخ أقدم هذه النقوش إلى القرنين التاسع والعاشر قبل الميلاد.. تشمل اللغات الآرامية والثمودية والدادانية والمعينية والنبطية واليونانية واللاتينية والعربية. توفر هذه الثروة مشاهد حول أصول اللغة العربية ومراحل تطورها”.

أصول اللغة العربية، جبل عِكمة، العلا

في مُعجم المعاني الجامع؛ تُفسَّر مفردة الظِّل كونها “عتَمَة تَغْشَى مكانًا حَجَبَ عنه أشعَّةً ضوئيّة حاجزٌ غير شفَّاف”.. والعِكمة في حديث أُمّ زرع عُكومُها رَداح وبَيتُها فيَّاح يرى أبو عبيد العُكوم بمعنى “الأَحْمال والأَعْدال التي فيها الأَوْعية من صُنوف الأَطْعمة والمتاع”. هنا تلتقي ثنايا المفردتين في مروية شتاء العلا؛ ابتداءً من مسكن دار طنطورة بقلب البلدة القديمة ودفء مسائه العامر بضوء 1800 من المشاعل كل يوم – ووصولًا لسكينة منارات كرنفال المنشيّة وتجاوبها مع حسن محيطها والوقار.

“جئت 4 مرات وسنة بعد سنة أجد حاجات مبهرة.. تحس بالراحة؛ يمكن لأن المدينة المنورة بعد 350كم – إحساس عظيم وجميل!”. انطباع الموسيقار عمر خيرت بشأن طبيعة العلا – ختام تقديم مقطوعاته داخل قاعة مرايا تحت نجوم السماء.

كذلك تتاح معارف العلا عبر شمولية 4 مبادرات تضم: مدرسة الديرة “من التراث إلى البحث الإبداعي” ونسخة التصميم ضمن إقامة العلا الفنية “من الانغماس إلى التجريب” والعلا ديزايناثون “من الإلهام إلى الفكرة” وجائزة العلا للتصميم “من الفكرة إلى التنفيذ”. لتجتمع تكويناتها عبر المعرض “تشهد المادة: الاحتفاء بالتصميم من الداخل”. متّفقة على التزام طويل المدى تجاه التصميم بوصفه “ممارسة حيّة وأصيلة في المكان ومنبثقة من المجتمع ومتطلّعة نحو المستقبل”.

فعلى سبيل المثال؛ عند مصممة الأزياء الإندونيسية شوفيا الزهراء هيلمان يتشكّل معنى بيئة العلا عبر وعي مجموعة حقائب مستوحاة من أرض العلا وسمائها والتاريخ الإنساني المشترك فيها، وبعنوان “تحت القمر نفسه” تلائم القطع مكنونات الطبيعة حتى تجمع بين المعنى وتوظيفه وتعكس المواثيق الممتدة بين التكوينات البيئية في براعة قابلة للارتداء.

ظِلّها وسناه

يلتقي ظِلُّ الطنطورة المتدرجة للأعلى بحَجرة راسخة أمامه مرة واحدة في العام معلنين بذلك حلول ميعاد المربعانية. وبمقربة من مقام هذه الساعة الشمسية يرى شوّاف القمر من سطح منزله قدوم شهر رمضان المبارك ويتنبأ بحلول مواسم الزرع والحصاد عبر وعاءٍ دائري مِلؤه الماء؛ عندها ينطلق شوّاف القمر مستبشرًا بكامل صوته عبر نسيج البلدة القديمة وعمرانها مترابط الأطراف.

فيما يتوسط بنيانهما المتقاربين “بيت الأسرار” كمحطة تفاعلية لحل أحجية الزمن بين ظِلّها وسناه – لينسج موسم شتاء طنطورة مساراته عند العلا ويتقلب عبر ديمومة طابع حلها والترحال. كذلك يقام “مكان لذاكرتنا” بتجربة تم تنفيذها من قبل مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث في مملكة البحرين بالتعاون مع الهيئة الملكية للعلا، بحيث تنسج الفنانة إيثار بالخير حكايا بلدة العلا عبر “صندوق الوفاء” – بعضٌ من كلماته هنا:

“في العلا حيث تتعانق الجبال مع السماء؛ كان لكل زواج حكاية ترويها جداريات البلدة، ومن فصولها ليلة الوفاء …منذ تلك الليلة صار الصندوق شاهدًا.. على وعد متجدّد بين الأجيال أن الحب في العلا يقاس بالوفاء والصبر وبما يقدم من القلب قبل اليد”.

في أسرار الفجر والظواهر

تأتي جولة جبل عِكمة ودادان ابتداءً بـ المعرض “اكتشافات مُضيئة: المراحل التاريخية في دادان” ليمتد المسار صعودًا نحو جبل عِكمة في تجربة تمتاز بتناغم المواضيع وحتى الاتزان بين مواعيد الراحة والاستكشاف، مما يمكن الزوار من تكوين صورة واضحة أثناء تتبع اللغة وآثارها بانسجام ييسّر التفاعل مع البيئة المحيطة.

وانطلاقًا من اعتبار الغيب حجر الأساس في علم الكونيات العربي القديم والفكر الإسلامي؛ يتجاوز هذا المفهوم أي منطقة أو ثقافة بعينها – مشيرًا نحو القدر والمعرفة الإلهية فوق حدود الإدراك البشري. تقدم مساحة “ذا نست” ذلك البيان عبر المعرض “تحفة الساهر في أسرار الفجر والظواهر” حيث يجمع مؤسس المساحة عبدالمحسن آل بن علي كل من الكتّاب والفنانِين لتقديم مدارات من المعرفة الخفية بوصفهم الرائي.

كما يدعونا الفنان محمد الفرج نحو الدخول في متاهة من الحكايا حيث نصادف نباتات يروي كل منها قصة، وتقودنا دروبها إلى نخلة مكونة من عدة أشجار.. “أصبح هذا التلاحم البستاني مثالًا حيًّا على كيف يُعدّ الاعتماد المتبادل فعلًا أساسيًّا للبقاء”. ذلك من منظور العمل الفني “مافهمت! شنو كان السؤال؟” ضمن صحراء X العلا 2026 “سديمٌ لا يُعدّ”.

سكونُ رمالها

يمكن تلمّس ذلك النظم المحبب عند أهالي العلا أثناء الاستماع لسرد الخرانيف بمعنى القصص – برفقة رواة العلا وحتى عبر تذوق لقيمات نكهات البلدة القديمة معًا.. خبز المسلوب وحلا الماسية أيضًا؛ بحيث يمسي الطعام راويًا يكشف عادات مجتمع لازال يُشكّل أرضه من وافر عبقها. ومن بعد دفء التجوال بين الرموز والرسوم الجدارية التي توحي بلمحات من ذاكرة البلدة القديمة؛ يعاد تخيل إحدى عادات الزواج في العلا ضمن تعابير “مكان لذاكرتنا” بمقربة من طريق البخور وطيب ملفاها.

“ابتسمت العروس.. لأنها رأت في كل قطعة حكاية!..”. الفنانة إيثار بالخير، صندوق الوفاء، حكاية من بلدة العلا – مكان لذاكرتنا.

من هنا يحين موعد “الطنطورة – عندما يرشدنا الظل” في نقطة هادئة عند قلب البلدة القديمة؛ تطلعًا نحو بداية مواسم الزراعة في الواحة، باعتبارها ساعة تؤرّخ وافر النغم بين الإنسان ومحيطه وترمز.

لحياة تتعاقب بانسجام المعارف العلمية مع التقاليد الشعبية. لتوفيك دلالات شتاء طنطورة بإمكانات قراءة أيامها العابرة في لمح البصر بينما تدوم العلا كما نجوم “المصليات” الـ 3 ووفاق مسراها.

الصورة الرئيسية / عمل نتالي حرب ويُمنى سابا، “الصَدَفة” ضمن واحة العلا 2022 – بإذن من لحظات العلا

اقرؤوا أيضًا:

No more pages to load