الدكتورة سمية السليمان تروي جذور الذاكرة الإنسانية
الدكتورة سمية السليمان لهاربرز السعودية: هناك ذاكرة إنسانية متجذرة بداخلنا تُبنى بِعمارها ذائقة متفردة، مكونةً طبقات وأجزاء مصغرة من الأحاسيس الأكثر عمقًا…
تشاركك هاربرز بازار السعودية رواية استثنائية على لسان الدكتورة سمية السليمان -الرئيسة التنفيذية لهيئة فنون العمارة والتصميم- مؤكدة بأن الذائقة تُبنى من خلال تقاطعات الأشياء بشكل أو بآخر؛ قصص أيام الطفولة، دفئ نور الشمس على الجفن، شكل الطبق، ملمسه وتفاصيل تصميمه، الحواس، الأحداث والأشخاص!.
يمتد دور التصميم بمنظور الدكتورة سمية السليمان بشمول يحقق أثرًا على التحديات بمختلف اختصاصاتها: المجتمعية، الصحية والمستدامة، إذ يصعب تحديد متى يبدأ عمل أحدهم وينتهي. وصولًا إلى مفهوم هذا العام من المهرجان السعودي للتصميم 2023 “التصميم في كل مكان”.
بينما تنسِج “الذاكرة” خصال المعاني والتذوق باعتبارها الصفة الإنسانية الأكثر عمقًا؛ في نوع من البناء والإلغاء محققة مرحلة من نضج الذائقة. حيث تشكّل الذاكرة بمنظور الدكتورة سمية السليمان – كتلة قوية من هويتنا كأشخاص، بصور تنسجم فيها مع مفهوم معرفة الذات.
هنا تتناول الدكتورة سمية السليمان مفهوم عمار الذائقة على مائدة هاربرز بازار السعودية:
1. تتقاطع مجالات الحياة بمختلف أبعادها، ويجتمع الكل على محور الغذاء، إذا أخذنا هذه الفكرة من منطلق مفهوم المهرجان السعودي للتصميم “التصميم في كل مكان” كيف يمكننا أن نتبنى مبدأ “تذوق العمارة”؟
أعتقد أن السؤال صعب؛ ولكن سأحاول تناوله. مثلما ذكرتي يتقاطع هذا المفهوم في كل شيء، ويمكن أن تكون أسهل طريقة لرؤية التقاطع بين العمارة والتذوق أننا نتكلم في جميعها عن الحواس. هناك تجربة حسية مرتبطة بالإثنين وهذه التجربة يمكن أن تكون إيجابية ممتعة فيها نوع من الإثراء… إحساس يشبه تذوق شيء وقول: “نكهة لم أتخيلها” أو ملمس لغذاء مقرمش مثلًا! ومعنى ذلك أن التذوق في هذه الحالة له عدد من الطبقات التي تقدم تجربة قد تكون معقدة أو بسيطة.
كما أعتقد أن مجال التصميم مشابه إلى حد كبير، لو دخلنا إلى مكان؛ بعض الأماكن تعطينا إحساس فوري ولا زلنا نتكلم عن الأحاسيس؛ نسمع، نرى، ونلمس. قبل قليل لمست الطاولة وقلت: “حلو إحساسها” هناك أشياء تدعونا إلى نوع من التفاعل بيننا وبين الشيء، بمعنى لو يتخيل أحد الجلوس في حديقة وهو مغمض العينين؛ وأتت الشمس… هذا الإحساس بالدفئ والنور على العيون، التذوق جزء مصغر للإحساس وكأنه كبسولة من الأحاسيس التي يمكن أخذها.
ولو تناولناه على مستوى بصري نتكلم الآن عن ذائقة أعلى من ناحية أنه لابد لكي نتقبل الأكل أن يكون منظره مقبول، قد يكون الطبق عادي أو يكون مصمم من ناحية التشكيل، الألوان، المكونات الموجودة… كيفية طريقة تركيبها في الصحن مثلًا وقد يُكون ملمسها إحساسًا باقيًا. هذا بالنسبة للربط بينهم من ناحية، لست خبيرة في مجال فنون الطهي ولكن تصميم الصحن جزء أساسي من الطبق؛ لأنه لابد من رؤيته أولًا ثم شمه ثم تذوقه مرورًا بمراحل معينة.
2. على وزن مسابقة “المقالة الإبداعية” في مجالات العمارة والتصميم، ومبادرة “رواية الأطباق الوطنية” من هيئة فنون الطهي. كيف يمكن دمج “التغذية البصرية وتغذية الطعام”؟
لحظة لابد أن أفكر قليلًا. أعتقد أنه كصفة إنسانية عميقة جدًا؛ جزء أساسي فينا هو رواية تجاربنا من خلال قصص سواء كانت على مستوى شخصي يجذب تعاطف الآخرين أو قصة فيها نوع من الإلهام بحيث تحركنا. جميع هذه القصص فيها جانب متعلق بالذاكرة.
فلو أخذنا مثلًا فنون الطهي أو رواية الأطباق أغلب الأشياء نتذكرها لقصة مرتبطة بها، والذكرى مرتبطة بالمعاني. هناك أشياء كثيرة تختفي، وأخرى تبقى دائمًا بمجرد أن صارت علاقة بيني وبينها تزامنًا مع حدث خلال وجودها. لذلك أعتقد أن أغلب الناس يتذكرون البيت الذي نشؤوا فيه أوائل سنواتهم كأطفال ما الأماكن التي جلسوا فيها، غرفهم وهم صغار، وعلاقتهم بإرتفاع السقف تلك الأيام.
حتى بالنسبة للأكل؛ جزء كبير من ذكرياتنا الباقية له علاقة بأشخاص مميزين، نحتفل بلحظة سعيدة مع أشخاص نحبهم ونتذكر وجود طبق معين تلك الفترة. لذلك من أقوى الحواس التي تُرجع الذاكرة هي حاسة الشم، أول ما نشم شيء نتذكر حاجة معينة؛ موقف، سَنة أو شخص… بصورة مرتبطة.
3. كيف يمكننا التوفيق بين فلسفة التذوق والعمارة؟ وماذا يعني لك مفهوم “عَمَار الذائقة”؟
أعتقد أنه ليس لي في فلسفة التذوق لأتحدث عنها كأحد متخصص، والذي أتخيله أن التذوق فيه نوع من الاختيار ونوع من إلغاء الأشياء. يعني هناك 10 إحتمالات مثلًا ولكن ذاكرتي تفضل أحدها بدلًا من قبول الـ 10 أفضل أخذ واحد بطريقة أتخلى عن كل الـ 9. هذا النوع من الذائقة بأن تعرف ما الذي تريده وكيف تغذي الحواس بالشكل المرضي، بما يخلد إحساس جميل في الأخير.
هذا ينطبق على المطاعم الفاخرة؛ الكميات قليلة ولها تركيبة معينة ونكهات وتجربة وطقوس مرتبطة بكيفية تقديم الطبق. كما في حياتنا على مستوى العمارة في البدايات كثير من المعماريين يزخرفون بكثرة، وفي نهاية الأمر جزء من الموضوع يكون بسيط جدًا! كتلة قوية لها معاني معينة؛ ضلال تسقط بشكل يعطينا إحساس في المنطقة بأن الزمن يتغير. كلما قمنا باستبعاد الأشياء التي ليس لها قيمة تمكنا من رؤية “ارتفاع للذائقة”.
إعمار الذائقة يكون نتيجة تجارب وجزء من معرفة الذات؛ لأننا في سنوات مبكرة جدًا نتعرض وقد لا نرفض أشياء كثيرة لكن كلما تقدم العمر كلما اتسعت الرؤية والتعرض لتجارب أكثر وبالتالي زادت فرصة تعرف الشخص على نفسه عن قرب من ناحية اهتماماته وذوقه. لتصبح “الذائقة” جزء من تشكيل هويتنا كأشخاص.
4. (المهرجان السعودي للتصميم، ديزايناثون، مسابقة تصميم مقعد) حدثينا عن الهدف الأساسي لهذه المبادرات؟
الدور الأساسي لهيئة فنون العمارة والتصميم هو النهوض بالقطاع بكامله وفي ذات الوقت تنميته ودعم الممارسين فيه. لدينا 33 مبادرة، وهناك مسابقات: المقالة الإبداعية، تصميم المقعد، وحروف الوطن. متحمسين لرؤية نتائجها الموزعة على مختلف القطاعات الفرعية.
عدد منها له علاقة مباشرة بالجمهور بأن نجد المواهب الشابة من خلال المسابقات محددة المعايير التي تحفزهم؛ من ناحية نكافئ من خلال الجوائز ودائمًا نحاول أن نعطي فرصة للنمو الإضافي. في مسابقة تصميم المكتبات العامة بمشاركة طلبة الجامعات، رتبنا فرصة تدريب لمدة شهرين في مشروع نيوم لأفضل 3 مشاركين، تجربة نعتقد أنها قد تغير مسار حياة وتفتح الآفاق… فكل مسابقة لا تنتهي بالاحتفال بالفائزين وحسب ولكن السؤال عن أفضل طريقة لإيصال المواهب إلى مرحلة أخرى، هذا جزء من أهمية دورنا في دعم الممارسين في القطاع.
ديزايناثون فعالية بفكرة مختلفة، تحدي سنوي في 3 مسارات تلامس الناس بشكل كبير. يشمل هذا العام مسار التصميم للأثر الاجتماعي، وللصحة والرفاهية، وللاستدامة. المجال مفتوح تحت هذه المسارات بأن يأتي المشاركين الـ 500 بتحديات لديهم الشغف بحلها، سواء شيء متعلق بتغيير سلوكيات معينة، بحل قضايا لها علاقة بإنبعاثات الكربون، الزحمة، العناية بكبار السن، تعليم الصغار أو التثقيف.
سيكون الديزايناثون في نهاية الأسبوع لتمكين حضور أكبر عدد من الناس من مختلف التخصصات دون التعارض مع وظائفهم أو دراستهم؛ قد يكون غالبية الموجودين في مجال العمارة والتصميم لكن لنفرض وجود إشكالية في القطاع الصحي سنتمكن من خلال مشاركة الطبيب من معرفة التحديات والعمل عليها من خلال الحلول التصميمية.
يتضمن ذلك ما يقارب 110 فرق بتحديات في شتى المجالات، الجوائز مجزية (500 ألف ريال) في الـ 3 مسارات، الفائز الأول في كل مسار يحصل على 100 ألف، والتي قد تكون نواة لفتح مشروع بناء على هذه الفكرة. من ناحية نريد إظهار أهمية التصميم في جميع مجالات الحياة، حتى يتعرف المشاركين “اللي لهم هاجس مشترك” على بعض، لنبني مجتمعات من خلال هذه الفعاليات كفرصة فعلية للتعلم. مع برنامج مصاحب وورش عمل في مجالات التفكير التصميمي والتصميم التشاركي لمساعدتهم كأداة إلى جانب كونها تجربة ممتعة. وهذا يؤكد بأن التصميم في كل شيء فعلًا.
5. نلاحظ لغة التعبير الإبداعي على صفحات هيئة فنون العمارة والتصميم، هل هذا توجه جديد؛ وماهي اللغة الأساسية التي يتم التفكير بها خلال تصميم هذه البرامج (العربية أو الإنجليزية)؟
التفكير والتواصل يكونان بِعدة طرق؛ قد تكون بلغة وقد تكون بشيء آخر. بمعنى لو أردت توضيح فكرة قد أرسمها فالرسم يعتبر لغة، كيف أرتب أفكاري وتسلسل هذه الأفكار بشكل مرسوم. اللغة هي أداة، وعلى وجود دراسات تقول بأن هناك لغات ترتب الدماغ بطريقة مختلفة عن لغات أخرى؛ إلا أن تنوع الفريق من ناحية اللغات التي يعرفونها يعطينا أكثر من مدخل. في الأخير المهم مهما كانت اللغة أن يكون تواصلنا هو الواضح. بأن نعرف ليس فقط ايصال أفكارنا وإنما مناقشتها بطريقة يكون بها احترام لهذه الأفكار وتوسع ونمو بحيث نأخذها للمرحلة القادمة.
6. احكي لنا عن مفهوم التصميم متعدد التخصصات؟ وهل يمكن لغير المختص أكاديميًا ممارسة هذا المجال برأيك؟
التصميم متعدد التخصصات يتبين مع الممارسة، على سبيل المثال: يصعب الفصل بين متى يبدأ وينتهي عمل المعماري والمصمم الداخلي في أي مشروع؛ إذا عمل المعماري على الحوائط التي تشكل الفراغ يحتاج أن يتعامل معه المصمم الداخلي، هل المصمم الداخلي له تأثير على هذه الحوائط داخليًا مع المعماري؟ هذا النوع من ناحية التشارك. كذلك لو أخذنا مصمم الإضاءة ومصمم التجربة، كيف يمكن أن أصمم تجربة تمكن الناس من التوجه إلى مسار معين؟ كل ما تكاملت مجموعة تخصصات تتماشى مع أهداف المشروع كان أكثر سلاسة.
أساس التصميم متعدد التخصصات أن لكلٍ اختصاصه؛ ولكن لابد من المعرفة الكافية لكل التخصصات المجاورة لتمكين الحوار بشأنها (المعماري لابد أن يتحدث مع المهندس المدني والمصمم الداخلي، التصميم الحضري مع المعماري) وهكذا… لو تحدث كل أحد لغة مختلفة لن نصل وقتها إلى اتفاق. وغالبًا أقوى المشاريع هي عندما تكون الفرق متنوعة التخصصات.
هل يمكن للكل الدخول في الموضوع؟ أعتقد أنه يفترض أن يكون لكل المعماريين والمصممين مهارات من هذا النوع، بحيث كلما زادت القابلية لذلك كان أفضل.
7. هل هناك مجال أن يكون قائد هذه التجربة كاملة شخص غير مختص؟
غالبًا لا، هناك تخصص يسمى “ديزاين مانجمنت” أو “ديزاين ستراتجي” هذه تخصصات تجمع بين التصميم والإدارة؛ لابد من وضع تجربة كاملة بكيفية انعكاس استراتيجية التصميم على تخصصات متعددة بشكل مختلف. بحيث توصل إلى منتج غير متضارب من ناحية أهدافه وفي ذات الوقت تنفيذه، هذه التخصصات الجديدة التي تحاول الجمع فيما بينهم، وغالبًا ليسوا مصممين بالفعل ولكن سيساعد في حال كونهم كذلك بكل تأكيد.
ختامًا… أدعوكم لمتابعة الكثير من الأحداث خلال العام 2023؛ سيتم عقد مؤتمرين وإطلاق مبادرة صُمم في السعودية، وعدد من المسابقات المختلفة. كذلك تشارك المملكة دوليًا في بينالي البندقية حيث يفتتح في مايو، إلى جانب لندن ديزاين بينالي وسيتم الإعلان عن ذلك بين فترة وأخرى.
اقرؤوا أيضًا: قائدة فنون العمارة والتصميم تدعوك للمشاركة بفكرك ضمن بينالي البندقية للعمارة 2023
