تارا عبود تتحدث عن فخر الدلتا وأصحاب الأرض وهل فعلًا مثلت بالفرنسية والهندية؟
من عمان، بدأت تارا عبود علاقتها بالكاميرا في عمر مبكر جدًا، كأن التمثيل لم يكن قرارًا متأخرًا بقدر ما كان قدرًا يتشكل معها منذ الطفولة. وقفت أمام العدسة وهي لا تزال في العاشرة من عمرها، متنقلة بين الأفلام القصيرة والتجارب الأولى، قبل أن تنمو خطواتها بهدوء محسوب نحو أدوار أكثر نضجًا، وأكثر قسوة أحيانًا، وأكثر قدرة على كشف تلك المساحات المركبة داخلها كممثلة تعرف كيف تلامس الهشاشة والقوة في آن.
لم يكن مسار تارا عابرًا أو تقليديًا. فمنذ بداياتها، بدت ميالة إلى الأعمال التي تملك ما تقوله، وإلى الشخصيات التي لا تُستهلك بسهولة. من أميرة الجبال إلى عبور، ومن أميرة، ذلك العمل الذي وضع اسمها في قلب نقاشات فنية وإنسانية حادة، إلى تمرد، ثم مشاركاتها في أعمال عالمية وعلى منصات دولية كبرى، لم تتعامل تارا مع التمثيل بوصفه مساحة للظهور فحسب، بل بوصفه اختبارًا مستمرًا للصدق، وللقدرة على التشكل، ولإمكانات الممثلة حين تُلقى في عوالم متنافرة وتُطلب منها النجاة فيها جميعًا.

وفي رمضان 2026، تأتي إطلالتها مختلفة بقدر ما هي كاشفة. فهي حاضرة هذا الموسم في عملين متباعدين تمامًا في النبرة والروح: فخر الدلتا وأصحاب الأرض. عمل أول ينتمي إلى الخفة المحسوبة والنبض الكوميدي، وآخر يتكئ على الألم، والذاكرة، وثقل الحكايات التي لا تحتمل الأداء البارد أو المسافة الآمنة. بين هذين العالمين، تكشف تارا عن ممثلة تعرف جيدًا أن النضج الحقيقي لا يظهر فقط في البكاء والإجهاد العاطفي، بل أيضًا في الرشاقة، وفي التحكم، وفي امتلاك القدرة على الانتقال من منطقة شعورية إلى أخرى من دون أن تفقد صدقها لحظة واحدة.
وحين تتحدث عن هذا التزامن بين شخصيتين مختلفتين، لا تبدو كمن يصف مهمة شاقة فقط، بل كمن يستعيد لذة التحدي نفسه. تقول لبازار العربية في حوار خاص إنها تعاملت مع كل شخصية كما لو أنها عالم منفصل تمامًا، له مفتاحه النفسي الخاص، وإيقاعه الداخلي، وطريقته المختلفة في التنفس والوجود. ما إن ترتدي أزياء الشخصية، ويُصفف شعرها، وتدخل إلى موقع التصوير، حتى يبدأ ذلك التحول الصامت من الداخل. كأنها لا تغير ملامحها فقط، بل تبدل جلدها العاطفي بالكامل. الفصل بين الشخصيتين لم يكن سهلًا، نعم، لكنه كان ممتعًا إلى أقصى حد.
في فخر الدلتا، كان الانجذاب الأول نحو شيء اشتاقت إليه طويلًا وهو الكوميديا. فبعد سلسلة من الأعمال المحملة بالثقل النفسي والمعنى الإنساني، بدا هذا المشروع أقرب إلى استراحة ذكية، لا بمعنى الخفة السطحية، بل بمعنى الحيوية، والدم الخفيف، ومتعة اللعب التمثيلي. غير أن ما جذبها لم يكن فقط طابع العمل الكوميدي، بل أيضًا النص نفسه، والشخصية التي وجدتها محببة ومغرية، إلى جانب مناخ العمل الذي تشكل مبكرًا مع المخرج هادي بسيوني. في حديثها عنه، يبرز التقدير بوضوح؛ تقدير لمخرج يستمع، ويحترم رأي الممثل، ويمنح فريقه مساحة آمنة للإبداع. وفي بيئة كهذه، يصبح العمل أكثر من مجرد دور، بل تجربة حية قابلة للنمو والتوهج.

ورغم هذا الدفء، لم تغب الرهبة. فاللهجة المصرية، برغم شعبيتها وسهولة تلقيها ظاهريًا، كانت بالنسبة إلى تارا أحد أكثر التحديات حساسية. هي لهجة لا تُحتمل فيها المواربة، ولا تمر الأخطاء فيها مرورًا عابرًا، خصوصًا حين تكون الشخصية مندمجة تمامًا في بيئتها المحلية. لذلك دخلت هذا الامتحان بجدية كاملة، مدفوعة برغبة واضحة في أن يصدقها الناس من دون تردد. وربما لهذا السبب تحديدًا بدا رضاها عميقًا حين أخبرها كثيرون أنهم اعتقدوا بالفعل أنها مصرية. بالنسبة إلى ممثلة، لا توجد مجاملة أجمل من أن يختفي الجهد تمامًا، وأن يبدو الأداء كأنه وُلد طبيعيًا، لا مصنعًا.
لكن التحدي لم يكن في مخارج الحروف وحدها، بل في التفاصيل الأكثر خفاءً: النبرة، الإيقاع، الدعابة المحلية، والإفيهات التي لا تُترجم حرفيًا لأنها جزء من مزاج جماعي كامل. تضحك وهي تستعيد اللحظات التي كان الجميع يضحكون فيها على نكتة عابرة أو إشارة داخلية لا تزال تحاول فهمها، ثم تضحك معهم، لا مجاملة، بل رغبة في أن تلتقط روح المكان كما هي.
ومن اللافت أن تارا لا تتحدث عن بنائها للشخصية في فخر الدلتا بوصفه مسارًا تقنيًا باردًا، بل كحالة التقاط حدسي بدأت منذ قراءة النص. تقول إنها شعرت بالشخصية على الفور، وعرفتها تقريبًا من اللحظة الأولى، لكن يقينها الحقيقي جاء حين وصلت إلى مصر، وجلست مع المخرج وزملائها في العمل، وبدأوا في تجريب المشاهد معًا. هناك، في تلك اللحظة التي تولد فيها الكيمياء أو لا تولد، تأكد لها أنها أمسكت بالشخصية حقًا. لم تعد مجرد اسم في النص، بل أصبحت امرأة حقيقية، لها طاقة وصوت وحضور.
أما ما فاجأها في تجربة التصوير داخل مصر، فكان ذلك القدر الكبير من الحب الذي يسكبه كل فرد من فريق العمل في ما يفعله. تتحدث عن اجتهاد واضح، وعن استعداد للعمل لساعات طويلة من دون أن يفتر الشغف، وكأنها اكتشفت داخل الكواليس شكلًا آخر من أشكال الوفاء للمهنة. وربما لهذا السبب أيضًا بدا ارتباطها بالمكان وبالناس شخصيًا وعاطفيًا، لا مهنيًا فقط.
هذا الارتباط لم يأت من فراغ. تارا، كما تقول، تحمل حبًا قديمًا لمصر وللمصريين منذ الطفولة، منذ الرحلات الأولى إلى شرم الشيخ مع عائلتها، منذ ذلك الانطباع الأول الذي لا يزول بسهولة. اليوم، وقد عاشت تجربة التصوير بينهم، صار هذا الإعجاب أكثر رسوخًا. تتحدث عن المصريين بوصفهم بشوشين، خفيفي الظل، حلوَي المعشر، وعن فريق العمل كما لو أنه تحول بالفعل إلى عائلة مؤقتة يصعب فراقها. في كلامها شيء من الامتنان، وشيء من الحنين المسبق أيضًا.
وحين ننتقل معها إلى الحديث عن اللغات واللهجات، يصبح المشهد أوسع. تارا ليست ممثلة تتحرك داخل منطقة مألوفة واحدة، بل داخل خرائط صوتية وثقافية متغيرة. وقدمت بالفعل أدوارًا بالعربية والإنجليزية، وتنقلت بين لهجات متعددة، وتوضح أن كل لغة تأتي معها بشخصية مختلفة، تمامًا كما يفعل الشعر أو الأزياء حين يعيدان تشكيل الإحساس بالدور. اللغة، بالنسبة إليها، ليست وسيلة تعبير فقط، بل باب داخلي إلى الشخصية. ومع كل انتقال لغوي، يتبدل شيء في إيقاعها كممثلة، وفي علاقتها بالمشهد، وفي طريقتها في استقبال العالم من حولها.
وعندما تتوقف عند أكثر لهجة تطلبت منها جهدًا حقيقيًا، تعود مرة أخرى إلى المصرية، لا لأنها الأبعد عنها، بل ربما لأنها الأقرب إلى أذن الجمهور العربي، والأشد اختبارًا في الوقت نفسه. كانت تريد أن تبلغ فيها درجة من الإقناع لا تترك مكانًا للشك، وأن تحافظ على صدق الشخصية كاملًا، ولذلك منحتها من نفسها أكثر.

وربما الأجمل أنها لا تنظر إلى اللغات الجديدة بخوف. بل على العكس، تستقبلها بحماسة واضحة، وتتعامل معها كما لو أنها باب إضافي لاكتشاف ذاتها الفنية. تخبرنا بأنها سبق أن خاضت تجارب أداء بلغات مختلفة، من بينها الفرنسية والهندية، وأنها لا ترى في هذا النوع من التحدي سوى فرصة جديدة لتقديم أفضل ما لديها، ولإثبات أن الممثلة الحقيقية لا تحدها اللغة بقدر ما تغريها.
لكن، ما إن يصل الحديث إلى أصحاب الأرض، حتى يتبدل كل شيء. هنا تغادر اللغة منطقة المتعة الخالصة إلى منطقة أثقل، أكثر مسؤولية، وأكثر التصاقًا بالألم الإنساني الحقيقي. في هذا العمل، لا يكفي أن تؤدي جيدًا، بل عليك أن تكوني أمينة، وأن تعرفي كيف تقتربين من الألم من دون أن تستغليه، وكيف تمنحين الشخصية حقها من الصدق من دون مبالغة. وترى تارا أن العمل ينجح لأنه لا يكتفي بالتوثيق، ولا يراهن فقط على التعاطف، ولا يرفع شعار مقاومة النسيان كشعار أجوف، بل يجمع بين هذه العناصر الثلاثة في نسيج واحد. إنه يروي القصة بطريقة تشد المشاهد إليها، وتجعله متعلقًا بالشخصيات ومتأثرًا بها، كأنها صارت جزءًا من ذاكرته الشخصية.
وفي قلب هذا كله، يكمن طموحها الفني، واضحًا ونقيًا، ومكثفًا في جملة واحدة ربما تختصر شخصيتها كلها:”أريد أن أقدم أدوارًا تعيش أطول مني“. ليست هذه أمنية ممثلة تبحث عن نجاح موسمي أو عن تصفيق سريع، بل رغبة فنانة تريد أن تترك وراءها أثرًا فعليًا، وأن تصنع شخصيات لا تنطفئ بانتهاء العرض. ثم تضيف، في امتداد طبيعي لهذه الرؤية، أنها تطمح أيضًا إلى استخراج كل الشخصيات والقدرات المتنوعة التي تسكنها. كأن التمثيل عندها ليس مجرد مهنة، بل رحلة لاكتشاف الذات، طبقة بعد أخرى.
وحين توجه رسالة إلى كل شابة مرت بتجربة صعبة، أو شعرت يومًا أن صوتها غير مسموع، لا تلجأ إلى خطاب منمق أو عبارات محفوظة، بل تقول ببساطة مؤثرة:”صوتك مهم، حتى لو لم يسمعه أحد اليوم. لا تيأسي أبدًا، وواصلي القتال“. وهي جملة تبدو، على بساطتها، وكأنها تصلح لأن تكون خلاصة أدوارها، أو ربما خلاصة إيمانها كله.
ولأن الجمهور يرغب في معرفة تارا عن قرب، ختمنا معاها الحوار بأسئلة سريعة:
ما اللهجة التي تحبين سماعها جدًا؟
اللهجة الغزاوية.
ما الوقت المفضل لديك خلال اليوم؟ ولماذا؟
وقت غروب الشمس، لأنه يمنحني راحة نفسية، وألوان السماء فيه تنسيني كل شيء وتعيدني إلى جمال الدنيا.
أكلة لا تقاومينها في رمضان؟
القطايف.
مدينة تتمنين التصوير فيها؟
أحب السفر ورؤية مدن مختلفة، لذلك لا توجد مدينة واحدة بعينها.
ما الدور الذي تتمنين تقديمه أكثر: تاريخي أم نفسي أم أكشن أم كوميدي؟
حققت حلمي بالكوميديا، لكنني ما زلت أريد تقديم المزيد منها، وأشعر أنها تليق بي جدًا.
ممثل أو ممثلة تتمنين التعاون معه أو معها في مصر؟
لا يوجد اسم محدد، أحب العمل والتعرف إلى الجميع.
ما أكثر صفة تصفك داخل موقع التصوير؟
هادئة.
ما أول شيء تفعلينه بعد انتهاء التصوير؟
أتصل بأهلي، ثم آكل وأنام.
إذا لم تكوني ممثلة، فماذا كنت ستصبحين؟
ربما صانعة محتوى، أو طبيبة، أو مصممة داخلية.
كلمة تصف رمضان 2026 بالنسبة إليك؟
انطلاقة.
الصورة الرئيسية من حساب تارا عبود ومن تصوير أسماء عبدالرحمن
اقرؤوا أيضًا:
- 25 سؤال مع جميلة عوض عن حياتها بعيدًا عن الأضواء
- أسماء جلال في حوار خاص مع بازار العربية: عن أشغال شقة وأعمالها السينمائية المنتظرة
- تعرفوا على أحفاد إيلي صعب الروح المرحة داخل العائلة
