Posted inهاربرز بازار أخبار

يسرى مارديني… تهرب من الحرب في سوريا لتصبح سباحة أولمبية وكاتبة وسفيرة لدى الأمم المتحدة

تُعدّ يسرى مارديني مثالاً يُحتذى به في الإرادة والطموح والنجاح بينما ندخل عاماً جديداً ومليئاً بالأحلام والأهداف والتحديات…

أثبتت الشابة التي لم تتجاوز 23 ربيعاً مكانتها كواحدة من أكثر السيدات إلهاماً، حيث هربت من الحرب الدائرة ببلدها سوريا في رحلة شاقة لتبدأ حياةً جديدة في ألمانيا وهي بعمر 17 عاماً. ورغم صغر سنّها، تمكّنت يسرى مارديني من المشاركة في الألعاب الأولمبية بعمر 18، ثم تم تعيينها بعد عام واحد فقط كأصغر سفيرة للنوايا الحسنة من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

غادرت مارديني سوريا عام 2015 برفقة شقيقتها الكبرى سارة بعمر 20 عاماً متجهةً إلى برلين في رحلة استغرقت 25 يوماً، عبرت خلالها بيروت وتركيا قبل أن تتجه إلى اليونان على متن قارب مطاطي تعطّل محرّكه، ليهدّد حياة مارديني و20 مسافراً آخر معها، ما دفع الشقيقتين مع اثنين من اللاجئين إلى النزول في مياه بحر إيجه وسحب القارب لمدة ثلاث ساعات ونصف نحو جزيرة ليسبوس اليونانية. وهكذا وصلت الشابة إلى اليونان، ولم يكن بحوزتها سوى هاتف محمول ومبلغ 500 يورو والملابس التي ترتديها.

وتستحضر مارديني تلك اللحظات بالقول: ”انتابني خوفٌ شديد وقتها بالرغم من إتقاني السباحة، حيث بدا البحر هائلاً مقارنةً مع أحواض السباحة. ولعلّ تجربتي في العمل كمنقذة مع أختي والسباحة في المياه المفتوحة لعدة مرات جعلت كلاً منّا أكثر إدراكاً للمخاطر التي نواجهها، فقد نتعرّض للغرق في أي لحظة لسبب أو لآخر، لكن لم يكن لدينا خيار آخر سوى إكمال الرحلة. كنت صغيرةً وقتها، وأردت أن أحصل على فرصة أفضل للحياة والتمرين وإكمال دراستي في بيئة آمنة بعيداً عن الحرب والخوف من الموت في كل لحظة أغادر فيها المنزل“.

ونجحت الشقيقتان في تخطي هذه اللحظات الشاقة وإكمال طريقهما إلى برلين، حيث تمكّنتا بمجرّد وصولهما من الحصول على حقّ اللجوء، لكن فشلت محاولاتهما لاستقطاب أختهما الصغرى ووالديهما عبر القنوات القانونية، ما قاد أفراد الأسرة لاتباع ذات المسار. وسرعان ما غادرت يسرى منزل العائلة في برلين للانتقال إلى هامبورغ من أجل إكمال تدريبها كسبّاحة محترفة، ليلمع نجمها بعد أن تم اختيارها للمشاركة في ألعاب ريو 2016 كجزء من الفريق الأولمبي للاجئين التابع للجنة الأولمبية الدولية، وشاركت العام الماضي لصالح ذات الفريق في ألعاب طوكيو 2020.

ولم تشكّل تلك التجربة بالنسبة للسباحة الشابة أمراً عادياً، حيث لم تكن فكرة اللجوء تمنحها شعوراً بالفخر، موضحةً: ”كان الأمر غريباً عليّ في البداية، لكني تقبّلته في النهاية وانضممت إلى الفريق. وقابلت الرياضيين اللاجئين وتعرّفت إلى قصصهم، وأدركت مدى الشغف والتصميم الذي يملكونه لتحقيق أحلامهم، ما حرّك في داخلي مشاعر التقدير والاحترام. وعندما دخلت الصالة الرياضية، أيقنت بأن هذه التجربة لا تتعلق بي وحدي، بل بملايين النازحين من حول العالم. والآن، أصبحت وظيفتي تمثيل هؤلاء اللاجئين من كل مكان، وهي مهمة يفخر أي إنسان بحمل مسؤوليتها“.

وعادت السباحة السورية إلى الشرق الأوسط منذ عدة أسابيع لتمثّل فريق اللاجئين التابع للاتحاد الدولي للسباحة (فينا) في بطولة العالم للسباحة بأبوظبي، حيث تتنافس في سباق 50 متر فراشة في أول مشاركة احترافية لها على مستوى المنطقة.

الصورة بعدسة ماكسيمليان باير

تصوير ماكسيمليان باير 

وتعبّر مارديني عن سعادتها بالتواجد في العاصمة الإماراتية: ”أحب العالم العربي الذي أشعر كأنه بلدٌ كبير يتشارك ذات الثقافة والتقاليد واللغة، لكن يحزنني أن أكون قريبة من بلدي ولا يمكنني زيارته وأحاول التفكير في الجانب الإيجابي من الأمر“.

نُشرت حكاية يسرى مارديني في سلسلة من القصص القصيرة عبر برنامج بودكاست، ترويها سباحة المسافات الطويلة الشهيرة ديانا نياد، من خلال كتاب السيرة الذاتية لمارديني، والذي أصدرته عام 2018 بعنوان “الفراشة: من لاجئة إلى أولمبية – حكايتي مع الإنقاذ والأمل والانتصار، ومن المقرر إطلاق فيلم خاص بها لاحقاً هذا العام. كما منحتها تجربتها فرصةً للتعبير عن صوت اللاجئين من خلال العمل مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما يتيح لها إظهار قدرات النازحين قسراً من بلدانهم على تكوين حياة جديدة والمساهمة في بناء المجتمعات المضيفة لهم.

وتقول مارديني: ”أريد للجميع أن يدركوا بأن هذه القصص لم تنتهي بعد. لذلك أسعى إلى زيادة الوعي من خلال مشاركة أفكاري في الفعاليات العالمية وزيارة مخيمات اللاجئين. كما أريد تغيير نظرة بعض المجتمعات تجاه اللاجئين، فنحن أشخاص عاديون يبحثون عن فرصة للعيش ولسنا هنا لسرقة وظائفهم“. وحظيت مارديني من خلال منصبها كسفيرة للنوايا الحسنة بمنصة عالمية، وتمّ تكريمها بعدد من الجوائز، وأتيحت لها فرصة الحديث أمام قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما تمكنت من لقاء أبرز الشخصيات العالمية من بينهم بابا الفاتيكان والرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

وتتذكر مارديني تلك اللحظات الهامة: ”منحني اللقاء مع البابا شعوراً هائلاً بالسعادة والسلام الداخلي. كما جمعني لقاء رائع مع إيما واتسون عندما سافرت إلى لندن، حيث أظهرت الكثير من التواضع حين أمضينا بعض الوقت سيراً على الأقدام، وأسعدني هذا الاهتمام الذي أبدته نجمةٌ شهيرةٌ مثلها تجاه شخص مثلي يسعى لدعم اللاجئين“.

ومن جهة أخرى، تحظى مارديني، التي لديها حوالي 400 ألف متابع على موقع إنستاجرام، باهتمام عالم الموضة، حيث زيّنت إطلالاتها بعض المجلات العالمية الشهيرة. وتؤكّد الشابة بأن شغفها بعالم الموضة لم يكن وليد اللحظة، لأن لديها خزانة مليئة بالأزياء، لكنها اعتادت ارتداء ملابس من متاجر أكثر تواضعاً، وتشعر مارديني بالسرور لتعاونها مع كبرى العلامات الفاخرة، أمثال Versace وLouis Vuitton وBalenciaga للقيام بجلسات التصوير. وبالحديث عن الوقت الذي تمضيه بعيداً عن السباحة ومهام المفوضية وجلسات التصوير، تفضّل مارديني قضاء لحظات عفوية وهادئة مع أصدقائها، وتقول: ”أريد الحفاظ على نمط حياة بسيط، لذلك أستمتع بطلب البرجر ومشاهدة الأفلام على منصة Netflix، وغالباً ما أشاهد حلقات من Bridgerton. كما أعيد متابعة مسلسل The Crown لمعرفة كل التفاصيل التي فاتتني في المرة الأولى من مشاهدته“. وهكذا، تشكل الأمور البسيطة جزءاً ممتعاً من حياة مارديني، لكن شخصيتها الاستثنائية صنعت منها سيدةً بارزةً تسعى إلى نشر رسالة مفادها التعايش والأمل.

اقرؤوا أيضاً: السباحة الأولمبية السورية يسرى مارديني تعود إلى نهايتها في أولمبياد طوكيو 2020

No more pages to load