رقمية الطين بنْية درعٍ وسلوى
كيف تبشّر أناة التكوين بـ حرفيّة الأرض ونواة نمائها؟!
في خاتمةٍ تنعم بطيب العام 2023 تنطلق بَشاير الدرعية عند وادي صفار؛ بدعوة تأخذ ملبّيها حول أحدث ما توصلت له بِنْية الزمن من معالم. حيث تعمّر الدرعية برقمية توحّد طبقاتها التحتية مقابل لبنات يحفها الطين من أعلاها. في حلولٍ تتكامل بين مغزى “أرض الإنسان” ومقصد “مدينة الأرض” – بالتالي توحي مجمل بيانات بَشاير الدرعية نحو رقمية الطين بنْية درعٍ وسلوى وتتَبَّع مبدأ الرعاية في خُطى عمارها.
ينعكس ذلك على أبعاد مخطط المواصلات تحت مستوى الأرض بكل ما يحويه من تِقنية التنقلات أسفلها؛ ومن ثم مظهر محطتي الكهرباء والمزيد من تكوينات تتنفّس التاريخ أعلاها، بحيث تَعبر مشاريع الدرعية مقياسًا يولي الأولوية لشأن البيئة بوعي يتجذر نحو التاريخ ويمتد من ذكاءات تصميمه.
مثلما يُتم الصندوق الثقافي أولى مسارات “مسرعات نماء” أثناء العام 2025 بتناول أبعاد الحرفة وإمكانات تكوينها، تتفاعل المسرعة مع 113 منشأة في مرحلتها الأولى متبوعة بالربط مع أسواق محلية وعالمية وحتى حوافز مالية – لتتجه العلامات المشاركة نحو النمو ضمن القطاع الثقافي متضمنة الحِرف النسيجيّة والفُخّارية. حيث ينسج الصندوق الثقافي الإرث الحِرفي للمملكة يدًا بيد وزارة الثقافة وبرنامج جودة الحياة وبالتكامل مع هيئة التراث وورث وشركة حِرف السعودية – من أجل تفعيل ابتكارات دائمة النماء.
يقدم المعهد الملكي للفنون التقليدية “ورث” أبحاثًا تتزامن مع عام الحرف اليدوية 2025 تضم ماجستير التراث الرقمي؛ لتمكين طلاب العلم من توثيق وأرشفة التراث المادي والغير مادي في بيئة تدمج بين كفاءة المعرفة الثقافية والتطبيقات التِقنية كـ النمذجة ثلاثية الأبعاد ونظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي.
ما يذكِّر بمسعى مؤتمر “سينك” للاتزان الرقمي، إذ يعود أثناء العام 2025 باستفتاح الرئيسة التنفيذية لـ مؤسسة الملك خالد – صاحبة السمو الأميرة نوف بنت محمد خطابها؛ من منطلق يقتبس لـ ابن قيم الجوزية بشأن الأجيال وحتى تأملات الفارابي حول تقدّم علم الكتابة والكلام. محذرة من رهاب الشباب والرهاب التكنولوجي “هنالك تاريخ طويل من القلق حيال التقدم التكنولوجي”. وصولًا بحديثها إلى استنتاج يرى الصواب في مواجهة المخاطر ومعالجتها بحلول جذرية تخلق بيئة صحية “يكون الفرد فيها هو المتحكم بخياراته في استخدام كل ما أنتجته التكنولوجيا المعاصرة” – مختتمة الخطاب بـ “قيمة كل امرئ ما يحسنه”.
من هنا تتكامل حرفيّة المبدأ لتبشر بوفرة تكوين يمكن تتبعها فيما يلي من لمحات: أرض ترويك، عزّك وملفاك.
أرض ترويك
يتجذّر إرث البناء بالطين ومكانته في المنطقة عبر سياق الابتكار، بعد انطلاق ملتقى العمارة التقليدية “شواهد الطين بين الماضي والمستقبل” من مهرجان طين وضمن موسم الدرعية 25’ 24’ “أرض ترويك”. حيث يحوي الحدث تركيبًا تفاعليًّا لـ “الحياة والطين” ببيان يصف إنسان نجد كونه “تحدى بيئته الصارمة بإبداع فريد من مواردها وبراعة جعلت من الطين رمزًا دائمًا للقوة والمرونة”. بالتالي تبرز عناصر العمارة الطينية هنا ذكاء التناغم بين الطبيعة والمجتمع؛ وتشيد نحو حيوية التكيف مع موارد حاضرنا كما السابق.
تعزيزًا لمرأى المشروع التاريخي القائم على مساحة 14 كيلو متر مربع وفي دلالة نحو الالتزام بـ الطين باعتباره كساءً معماريًّا لتراث نابض بالحياة؛ يحظى مرتادي موسم الدرعية 25’ 24’ “أرض ترويك” بتأمّل عمق تدرجات لون الدرعية عند زيارة قصور حي الطريف التاريخي – عبر رحلة تفاعلية منظورها “العمارة الطينية: البناء والابتكار”. إلى أن تقود أروقة بنيتها نحو معرض “الدرعية بعدسة المعماري حسن فتحي 1384هـ” حيث تُرى فيه فنون التكوين على مر الزمان بمقربة من عرض حي لطابعة ثلاثية الأبعاد تتعامل بـ الطين كمادة أساسية لتكويناتها.
وضمن موسم الدرعية 25’ 24’ “أرض ترويك” تُثمر حديقة الطريف الجنوبية من منطق “لوحة الأرض: التعبير من خلال الطين” مطلع العام 2025 – إذ تنوي فاعلية “شوفتك سلوى” نحو غرس أرض الإنسان بإحسان. كما يحوي هذا الإصدار من موسم الدرعية تجاربًا تمزج “خيال السوق” بنغم فن الأداء – من داخل مساحات تستعرض تراث الاقتناء عبر تفسير مقصده وأبعاد تعاملاته الرقمية.
إذ تلتزم دروب الدرعية بمقصد الابتكار في التصميم بغاية الوصال، بالتالي ترعى الدرع ية مواردها الطبيعية محتضنة محطة متكاملة ووحدتين متنقلتين لمعالجة المياه وأصولًا تهدف لتوفير نسبة 30% في الطاقة و50% في المياه، مزهرة أكثر من 8 حدائق و6.5 ملايين شجرة ونبتة محليّة في أنحاء المشروع وعلى مدى 20 كيلومترًا من مسارات الخيول والمشي والدراجات الهوائية – من أجل صون التراث عبر محاكاة جوهر محيطها والمكان.
عزّك وملفاك
كذلك تعبر روابط الإنسان والطين من داخل المتحف السعودي للفن المعاصر في حي جاكس بالدرعية، حينها يستلهم بيان المعرض “تأقلُم” فكرته من القصة الأزلية للطين وتشكّله بأيدي البشر الأوائل مكونين منه أداة للبقاء. إذ تتنوع فنونه بين التكوين اليدوي المعتاد والتصنيع الرقمي إضافة إلى التشكيل بمساعدة الروبوتات؛ وتشير نحو فاعلية الطين بتجسيدها “صلابة الإنسان وقدرته على التكيّف عبر الزمن مع متغيرات محيطه”.
لا تزال حرفيّة التكوين في ارتحال دائم مرورًا بدِفء بينالي بخارى الافتتاحي، والذي يبشر عمق بيانه بنواة نمائنا معًا. فمن داخل بنية “عن النسيج” وفي محطتها الثالثة؛ يشيد مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة أكوا باور – محمد أبو نيان بالمصلى العابر المتجذر وإتقانه لصنعة الاستمرار:
“عمل الفريق الرائع لـ بينالي الدرعية على نقل مصلى كلنا فخورين فيه.. تمد السعودية يدها وتعاونها وشراكتها وثقافتها مع 15 دولة حول العالم وتركز دائمًا على الاستدامة في المستقبل والحاضر كجزء أصيل من استراتيجيتها” مختتمًا حديثه بـ “الحمد لله اليوم أكوا باور هي الشركة الأولى في أوزبكستان لتعليم الطاقة النظيفة”.
تأتي خواتيم العام 2025 بـ مؤتمر الاستثمار الثقافي في الرياض ويتلوه على الفور أسبوع الترميم الدولي “من الطين إلى التكوين” في الدرعية، ومن ثم مؤتمر مكافحة الاتجار بالممتلكات الثقافية وكذلك مؤتمر التراث الرقمي. وختامًا بـ علم يمتد عند ملتقى الدرعية الدولي “الواحات ركيزة للحضارات: استمرارية التراث والهوية” ضمن موسم الدرعية 26’ 25’ “عزّك وملفاك”.. لتفعيل أعوام من الحوار بشأن المبادئ الجامعة بين الثقافات؛ من خلال توحيد الجهود في تعاونات فعلية ترعى معالم البيئة وتذكِّر بكفاءة فعل الصون ومغزاه المثمر نحو حِرفيّة كوننا معًا.
الصورة الرئيسية / المعرض “تأقلُم” 2025، المتحف السعودي للفن المعاصر، الدرعية
اقرؤوا أيضًا:
