حوار هاربرز بازار العربية مع المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة: بين وجع الفقد وسريالية الروح في فيلم “باب”
في أمسية سينمائية مهيبة في قلب القاهرة، شهد مهرجان القاهرة السينمائي الدولي العرض العالمي الأول لفيلم “باب”، أحدث أعمال المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة، وأول فيلم إماراتي من إخراج امرأة يعرض في تاريخ هذا المهرجان العريق.
يحمل الفيلم دراما نفسية كثيفة، تقودها شخصية نسائية تتصارع مع أشباح الفقد، ويغوص في عمق النفس البشرية بلغة فنية تعتمد على الصوت والصمت، أكثر مما تعتمد على الصورة. وهو عمل يمثّل نقلة لافتة في مسار السينما الإماراتية المستقلة، ويحظى بدعم البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع من وزارة الثقافة الإماراتية، وبإشراف المنتج البارز سلطان سعيد الدرمكي.
بعد العرض الأول الذي حبس الأنفاس، جلست هاربرز بازار العربية مع نايلة الخاجة في حوار خاص كشفت فيه عن كواليس الفيلم، تحدياته، رمزيته، ورؤيتها لمستقبل السينما الإماراتية…

شهدنا العرض العالمي الأول للفيلم ليلة أمس. حدثينا عن شعورك وأنت تشاهدين عملك يعرض أمام الجمهور للمرة الأولى؟
كان شعورًا استثنائيًا وعظيمًا، ولا سيما مع الجمهور المصري الذي يُعدّ بالفعل منبعًا للسينما. نرى دائمًا مدى شغف المصريين بهذا الفن وارتباطهم العميق به. كانوا حاضرين بقوة، وكان بينهم الناقد الكبير طارق الشناوي في الصف الأول، وكذلك حضرت الفنانة إلهام شاهين… فبدت لي اللحظة أقرب إلى حلم يتحقق.
ولم يغادر أحد القاعة طوال العرض، وهذه علامة إيجابية جدًا.
كيف رأيتِ ردود الأفعال من الحاضرين أثناء العرض وبعده؟
كانت ردود الأفعال قوية للغاية. في أكثر من مشهد سمعت شهقات واضحة خرجت من الجمهور، وهذا دليل على تفاعلهم العميق مع العمل.
وبعد انتهاء الفيلم شعرت بأن محبي الأفلام الفنية، وخصوصًا الشباب المصريين من سن الخامسة والعشرين وما فوق، كانوا الأكثر ارتباطًا بالفيلم وتقديرًا له.
فيلم “باب” يحمل الكثير من الرمزية. ما الرسالة أو الفكرة الأساسية التي أردتِ إيصالها من خلاله؟ وما الرمزية وراء اسم الفيلم؟
إن مساحة الخصوصية لدى كل إنسان تكون غالبًا في غرفته، والعنصر الجوهري لهذه الخصوصية هو الباب؛ فبمجرد إغلاقه تُغلق معه الأسرار.
وفي الفيلم، الباب هو “باب ممنوع الدخول”، وهو باب الغرفة التي تخص فتاة توفيت منذ عام. أختها التوأم لم تستطع تقبّل موتها، ولذلك مُنعت من دخول الغرفة — الغرفة الخضراء ذات الباب الأخضر.
لكنها لم تتحمّل ذلك، فدخلت وفتحت الباب… ورأت كل شيء ثابتًا في مكانه تمامًا كما كان حين كانت أختها على قيد الحياة. لا شيء تغيّر. ومع مرور الوقت، تبدأ حالتها العقلية بالتدهور لأنها أصلًا غير قادرة على استيعاب الفقد.
أخبرينا عن اللحظة الأولى التي بدأتِ فيها العمل على هذا المشروع… كيف جاءت الفكرة؟ وكيف تطور العمل إلى فيلم جاهز للعرض؟
بدأت العمل على الفيلم من تجربتي الشخصية مع طنين الأذن أثناء الحمل. جربت أكثر من طبيب، لكن الطنين لم يختفِ… وحين بدأت كتابة السيناريو، اختفى الطنين لاحقًا بطريقة غريبة.
فقررت أن أجعل هذه الحالة جزءًا من شخصية البطلة.
كان الطنين مؤلمًا جسديًا، ومع حالتها النفسية ومعاناتها، كان الصوت المتواصل يزيد ألمها ويثقل عليها. ولهذا حمل رمزية ترتبط بالفقد والحزن… كأن الحزن مع الطنين أصبح عبئًا مضاعفًا.
كيف تعاملتِ مع اختيار الأدوار وطاقم التمثيل؟ وما المعايير التي اعتمدتِها؟
تشارك في الفيلم الفنانة القديرة هدى الغانم، وهي من أعلام الفن في الإمارات. تمنح أداءً متميزًا وتملك قدرة عالية على تنويع الانفعالات.
ولأنها تقدم أداءً قويًا للغاية، اخترتها لأداء دور الأم — المرأة الصلبة المتمسكة ببيتها وتقاليدها وتفخر بذلك. وكانت النقيض المثالي لشخصية شيماء.
أما شيماء الفضل فقد أدّت دور التوأم. الأم متدينة، بينما الابنة أكثر انفتاحًا، ولهذا ينشأ بينهما خلاف دائم. وكانت الأم دائمًا تقول إنها كانت تحب التوأم الراحلة أكثر لأنها كانت مطيعة. الفيلم مؤلم فعلاً.
الفيلم شارك فيه فريق عربي وعالمي. ما أبرز التحديات التي واجهتك خلال الإنتاج؟
أصعب التحديات كانت خلال فترة التصوير. فقد صُوّر الفيلم خلال 18 يومًا ونصف، في حين كان من المفترض تصويره في 27 يومًا. أي أن نحو تسعة أيام تصوير ضاعت بسبب محدودية الميزانية. اضطررتُ لتصوير ما يُفترض إنجازه في ثلاثة أيام… في يوم واحد فقط. وكان ذلك ضغطًا كبيرًا على الممثلين والطاقم، وعليّ كمخرجة. لقد كان تحديًا مرهقًا.
الفيلم يناقش الحزن بأسلوب سريالي. هل حرصتِ على وجود عناصر واقعية؟ وكيف حافظتِ على هذا التوازن؟
الفيلم في جوهره واقعي. العنصر السريالي الوحيد يأتي من رؤيتها هي، من حالتها النفسية، لا من واقع الأحداث. أما البناء العام للفيلم فهو واقعي بالكامل.
أي مشهد في الفيلم كان الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
أقرب مشهد إلى قلبي هو مشهد الأم وابنتها. ذلك المشهد الحميمي للغاية. طوال الفيلم نرى الأم وابنتها في حالة صراع، لكن في هذا المشهد يبدو على الأم حزن عميق واشتياق بالغ لابنتها خصوصًا أن ملامحها هي نفسها ملامح التوأم الراحلة. تناديها قائلة: تعالي يا وحيد… تعالي كوني معي.
وتبدأ بتدليكها، ثم تستلقي الابنة على صدر أمها، ويمسك كل منهما بيد الآخر. الكاميرا ثابتة، والإضاءة تتدرج من ضوء النهار إلى الليل على مدى ثلاث دقائق كاملة. صوت النفس… الصمت… الظلام. يا له من مشهد مفعم بالإحساس. إنه المشهد الأقرب إلى قلبي.
ما أبرز التقنيات السينمائية التي اعتمدتِها وكيف خدمت رؤيتك الإخراجية؟
حرصت على عدم جعل الكاميرا تستعرض قدراتها. جعلتها هادئة وثابتة ولا تتحرك كثيرًا؛ لأنني أقدر أداء الممثلين وأريد أن أمنحهم المساحة كاملة داخل الإطار. ليس من الضروري تحريك الكاميرا يمينًا ويسارًا أو صعودًا وهبوطًا. أفضّل أن أتركها “تتنفس” بينما يقدم الممثلون أداءً استثنائيًا. هناك تتحقق السينما الراقية.
بعد العرض الأول، هل ترغبين بتوجيه كلمة إلى أبطال الفيلم وفريق العمل؟
أنا ممتنّة جدًا جدًا لفريق العمل. أولًا لداعمي الأكبر سلطان الدرمكي؛ فلولا دعمه لما خرج الفيلم إلى النور. إنه يؤمن بي حقًا ويثق في قدرتي. ثم يأتي الطاقم الدولي: من رومانيا وتايلند ومصر ولبنان والولايات المتحدة… مزيج يشبه دبي نفسها بما تضمّه من أكثر من 150 جنسية.
هذا يعكس روح الإمارات، لكن الهدف كان واحدًا: تقديم فيلم إماراتي خالص بصورة عالمية. خبرتهم جلبت الطابع العالمي، وأنا حرصت على أن تبقى القصة إماراتية خالصة. ولا أنسى مسعود أمر الله، الروح السينمائية للخليج، الذي قال لي كلمة لن أنساها:
“لا تتعجّلي في الفيلم الثالث. خذي وقتك، واستمتعي بهذا النجاح، ثم انظري استراتيجيًا إلى العمل المقبل”.
بصفتك أول مخرجة إماراتية تعرض فيلمًا في مهرجان القاهرة… كيف كانت التجربة؟ هل كانت البيئة داعمة أم واجهتِ عقبات؟
المسألة ليست دعمًا أو عدمه؛ المشكلة أننا لم نكن نملك بنية تحتية حقيقية للسينما. وحين بدأتُ الإخراج لم يكن الناس يعرفون كيف يتعاملون معي… فلا صناعة موجودة ولا قدوة سابقة. كنتُ أشق طريقي وحدي. أحيانًا كنت أحصل على ما أريد بدافع الشفقة — “دعوها تعمل” — وأحيانًا بدافع دعم المرأة. وفي كلتا الحالتين كنت أستفيد. حتى الرجال يواجهون المعاناة نفسها، لكن ربما تواجه المرأة تحديات إضافية بسبب الأمومة والظروف العائلية. التحدي الأكبر كان كيف أبدأ في أرض لا تملك صناعة أصلًا؟ وكيف أصنع شيئًا من العدم؟
كيف ترين واقع السينما الإماراتية اليوم؟ وما الذي ينقصها لتقف على قدميها وتصل إلى العالمية؟
السينما الإماراتية تحتاج قبل كل شيء إلى بنية تحتية حقيقية. وتحتاج إلى دعم حكومي من خلال منح تُموِّل أربعة أو خمسة أفلام إماراتية سنويًا. مع الاستمرارية نصنع صناعة حقيقية… نرى المزيد من المنتجين والمخرجين وصناع السينما.
نحتاج إلى دفعة مالية كبيرة لتحريك المشهد السينمائي. المهرجانات في الإمارات توقفت للأسف، لكن هناك الآن خطة جديدة ولجنة للسينما. أتمنى أن تعود المهرجانات بعد توقف يقارب خمس سنوات.
سمعنا أن مشروعك القادم سيكون كوميديًا. هل تشاركيننا بعض التفاصيل؟
نعم، الفيلم القادم سيكون — بإذن الله — فيلمًا كوميديًا خفيفًا. الفيلمان السابقان كانا ثقيلين وأخذا الكثير من جهدي… وأرغب في عملٍ لطيف يغيّر الأجواء قليلًا، على أن أعود لاحقًا إلى الأعمال الثقيلة.
كلمة أخيرة عن مشاركتك في مهرجان القاهرة… وكيف رأيتِ مصر؟
مصر أم الدنيا، وكبير الشرف أن يكون أول فيلم إماراتي من إخراج امرأة يُعرض في مهرجان القاهرة. إنه محفل عالمي وتاريخ للسينما الإماراتية. وآمل أن يكون “باب” بابًا حقيقيًا لمخرجين ومخرجات إماراتيين آخرين.
وخلال وجودي هنا، أتمنى أن أعمل على تحقيق شراكات بين مخرجين ومنتجين إماراتيين ومصريين… إنتاجًا مشتركًا قريبًا بإذن الله.
اقرؤوا أيضًا:
