النخلة نواة العلمْـ
أثناء تحليل مشروع “الجزيرة العربية الخضراء” في آثار أقدم وجود للإنسان؛ وتعمّق مؤتمر الفن الإسلامي “في مديح الفنان الحِرفي” وبحث أسبوع مسك للفنون في “حضارة رقمية”… يمضي القطاع الثقافي نحو إتِّزان المعارف – حيثما تتفاوت الأزمان!
خلال عزّ ذروة حوكمة قطاع الثقافة بكامل مساراته في المملكة وبعد تأسيس الدرعية منذ العام الميلادي 1446؛ تسمّي الثقافة العام 2025 بـ عام الحرف اليدوية، ويقيم إثراء مؤتمر الفن الإسلامي 2024 “في مديح الفنان الحِرفي” – كما تعد هيئة التراث الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية “بنان” في نسخته الثانية، وتجسد العلا وفرتها عبر “مهرجان الممالك القديمة”، فيما يحلل معهد مسك للفنون أبعاد المعرض “عصر الأثر الخافت” ويستفتح “مركز الدرعية لفنون المستقبل”، وتنير العاصمة “بين الثرى والثريا” ويعتدّ منتدى فناء الأول بمبدأ “أنوار من الداخل”… في مخرجات تثمر بتمام البحث المطوّل – وصولًا إلى مسارات تمتد من وعي جمعي محوره التعددية التوثيقية.
“لو لم يعاد بناء القيصرية لما كان سُجلت الأحساء؛ سبحان الله – الإحسان للمباني فيه بركة وخير”
- رائد التراث، الأمير سلطان بن سلمان، أثناء افتتاح مؤتمر الفن الإسلامي “في مديح الفنان الحرفي”.
يؤكّد التقرير الثقافي 2023 على شأن “الاستدامة” في القطاع الثقافي بكافة مجالاته. من خلال استراتيجية تعتمد شمولية البحث والتوصل إلى ملخص تنفيذي مستدام، إذ يرصد فصل “الإدارة والصون” حال الثقافة في المملكة العربية السعودية ضمن مؤشرات تتعلق بمتانة الأرضية التي تنطلق منها الثقافة “ابتداءً بخدمة اللغة العربية، باعتبارها وعاء الثقافة وقوامها، ومرورًا بصون التراث وحمايته وإدارته على نحو مستدام” كذلك يعمل ذات الفصل على تقييم مدى قدرة الأشكال التراثية القائمة في المملكة على المساهمة في التنمية عبر “اكتشاف آثار ذلك التراث، وتفسير معانيه، وتوثيقه والتوعية بأهميته، وتعزيز وظائفه في الحياة العامة”.
يمكن استشعار تلك التكاملية في الأزمان عبر نبرة الخطاب الملكي لسمو ولي العهد أثناء افتتاح أعمال السنة الأولى من الدورة التاسعة لمجلس الشورى: “ونؤكد أنه بينما نمضي في مسارات التحديث والتنوع فإننا حريصون أشد الحرص على حماية هويتنا وقيمنا التي هي امتداد لمسيرة أجدادنا وآبائنا وهي صورتنا الثاقبة في العالم أجمع”.
حكمة النخلة
ذلك بالتزامن مع مداومة أبحاث هيئة التراث في أطراف صحراء النفود بمنطقة حائل؛ حيث تشكّلت منشآت حجرية على يد مجتمعات العصر الهولوسيني بصورة تتكامل مع بيئتها المحيطة “ستظل المنشآت الحجريّة مصدرًا مهمًّا لكشف المزيد من المعلومات عن ثقافات ومعتقدات وأفكار وعادات وتقاليد ذلك الإنسان الذي عاش في نهاية العصر الحجري الحديث على أرض المملكة”. تؤكد مجمل البعثات البحثية على رسوخ الجانب الروحاني في المنطقة في وفرة جوهرها استحسان الفأل والتعبد والتطلع للأزكى. إذ تشير مجموعة من اكتشافات هيئة التراث نحو تديُّن مجتمع المستطيلات الحجريّة الذي يعود إلى ما بين 5400 و 4200 سنة قبل الميلاد.
وصولًا إلى تعددية مصادر الإعلام، كما في أسلوب التقييم الجمعي المعتمد لدى أبحاث بينالي الفنون الإسلامية “أوّل بيت” “وما بينهما”. كذلك تنوّه الأبحاث القائمة تجاه روحانية حضارة “الفاو” نحو ما تزخر به المملكة من إرث حضاري منذ آلاف السنين، ابتداءً بريادة الدكتور عبدالرحمن الأنصاري – رحمه الله.
ومن منطلق رسوخ الحس المجتمعي منذ أبعد ذاكرة لتاريخ المنطقة وحتى رحابة استضافة الحجيج وقوافل التجّار وصولًا إلى القرن الحادي والعشرين؛ تتجلى قوة الترابط المجتمعي بصورة لازالت تشكل لبّ تعاملات الحياة اليومية. لتتناغم أحداث الثقافة في مجملها بإتزان مبتكر يمكن إبصاره عبر غاية الاختصاص مقابل شمولية الاتساع.
وبينما تتناول أحاديث “أنوار من الداخل” أساليب التعامل مع الذكاءات المعاصرة؛ يحقق مدير برنامج التعليم في معهد مسك للفنون (أوليفر فاريل) بشأن سلامة فكرة المتاحف ابتداءً، بالتساؤل: هل علينا ابتكار أساليب ومنشآت تخالف السياقات المتحفية المقامة في الماضي، ومشاركة الموروثات الثقافية ورعايتها بطريقة تشبه عصرًا مختلفًا؟. وتتفق مديرة قسم التقييم الفني في معهد مسك للفنون (بسمة الشثري) بشأن جوهرية التجربة والتلاقيات الفطرية في تكوين “صداقات ومجتمعات تتشارك الرحلة بعفوية”. كون نجاح ممارسة معيّنة في زمن ما لا يعني إيجاب استنساخها في آخر.
كسوة النخلة
يقدم إثراء “مؤتمر الفن الإسلامي 2” بأجندة متكاملة تضمنت: المعرض “امتداد: الأزياء التقليدية في المملكة”. بأبحاث دامت على مدى 3 أعوام “تعكس المهمة الرئيسية لهذا المعرض منظور شمولي لحِرفية الأزياء التراثية والحلي بنماذج تمتد عبر جغرافيا المملكة” شاركت في تحقيقها الدكتورة ليلى البسام، وعمل على تقييمها رئيس إدارة المقتنيات وتسجيل وحفظ الأعمال الفنية في متحف إثراء (كوستانتينوس شاتزيانتونيو) مشيرًا إلى أن:
“النخلة عنصر حي في حياة السعوديين مثل الماء وبعض من العناصر الفعلية للبقاء، أعتقد بأن النخلة حتمًا جزء من الروح السعودية، لذا أدرجنا زي من علامة “أباديا” يتكون من نواة التمر؛ قطعة فنيّة تمثل احتواء المنطقة الشرقية للتمور، وفي ذات الوقت تتواجد النخلة ضمن أعمال المنطقة الغربية في قبعات الرأس وكذلك الحقائب والأحذية، فيما الآن تعتبر بمثابة الذاكرة الحيّة ولاتزال جزء من الهوية التي كونت المجتمع إلى ما هو عليه اليوم”. يظهر المعرض 3 جوانب: أزياء تقليدية، ونماذج من الأزياء التقليدية بأنسجة معاصرة، ومصممي أزياء استلهموا من التراث بأسلوب غير مباشر “ألوان تمثل التراث السعودي كالأصفر الذي يعكس الشمس في الربع الخالي!”.
مثلما تتوصل مساعي هيئة الأزياء لذلك التلاقي الزماني من خلال تنوع مجموعاتها المقدّمة أثناء أسبوع الأزياء في الرياض 2024 متضمنة قطع قابلة للارتداء بأسلوب يومي مقابل أخرى معدة للحفظ والاقتناء، يعتمد قطاع الأزياء البحث وفقًا لثمار كل جيل على حدَة – ما يربط بشكل أو بآخر محور الوقت بـ زاد الجسد. وتلخّص جلسة “ثقافة الشباب السعودي: موسيقى، فنون وموضة الشارع” منظورها بأن تلك الفنون هي مرآة الزمن الحالي مع التخفف في ذات الوقت عن التصنيفات المفرطة، إذ يعتمد مركز “فناء الأول” سياقًا نقديًّا محكمًا أثناء أعماله البحثية.
كما يتعمق حوار “من المهد إلى المهد” ضمن (سلسلة محاضرات العمارة والتصميم) والمقام أثناء منتدى “الاستدامة في التصميم” – عبر إدراك بيئي غير مسبوق في الطرح والتحليل، ما يدل نحو تكاملية الاختصاصات في توحيد موارد الحياة.
حِرفية النخلة
أثناء افتتاح مؤتمر الفن الإسلامي “في مديح الفنان الحِرفي” يتوصّل حديث رائد التراث – صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان إلى أن “النخلة أساس الحِرف في بلادنا”. يمكن لذلك المنطلق الاتساق مع بيان “جائزة المصلى” المقدمة ضمن بينالي الفنون الإسلامية “وما بينهما”. إذ يعمل البيان على تشكيل مجموعات تضم فنانًا ومهندسًا لتصميم مصلى تعاوني؛ عبر تكوين مساحة متعددة الاستخدامات يستوفي هيكلها جميع متطلبات الصلاة ويتيح الترحيب بالزوار المسلمين وغير المسلمين. كما أكّدت معايير الهيكل أن يكون بحجم 150 مترًا مربعًا على الأقل مع يسر التفكيك وإعادة التجميع، تركيزًا على دوام حياة وإرث المشروع بعد تمام النسخة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية.
ينقل الجزء الداخلي من “المصلى” حساسية جمال النسيج ورقّة المنسوج بكيان متعدد الطبقات – يتجذر في الأرض ويتعالى برفق نحو مظلة صالة الحجاج الغربية. تلتفّ المساحة المركزية وأرضيتها بمنسوجات غُمرت بأصباغ طبيعية، كما يقام إنشاءها بوحي من مزارع النخيل في المملكة العربية السعودية وسمات الهندسة المعمارية في المجتمعات الإسلامية بمقياس 6 × 6 أمتار. بحيث طوّر الفريق الفائز مفهومًا تصميميًّا يستشعر التآلف والجوار أثناء الصلاة؛ ويعيد الجدوى لـ النخلة المحلية باعتبارها مورد للبناء المستدام.
مداد النخلة
يتسم “المصلى” بالوقار والدفئ ويعكس حقيقة اعتبار أماكن العبادة في الإسلام مساحات مجتمعية من خلال انفتاح تصاميمه الداخلية. ليقدم للزوار رحلة جمعية في تكاملها وذاتية في غايتها “يعمل سياق الهندسة المعمارية لصالة الحجاج الغربية كبوابة رمزية في الرحلة المقدسة نحو مكة المكرمة والمدينة النبوية”.
يتزامن تدشين “المصلى” مع افتتاح البينالي يوم 25 يناير 2025، وتضم لجنة المسابقة: الأمير نواف بن عياف (رئيس لجنة التحكيم)، وفاروق درخشاني، ولينا غطمة، وأزرا أكشاميا، وعلي ملكاوي. تحقيقًا لـ “نموذج أولي استثنائي يعتمد مواد وأساليب بناء فريدة من نوعها، والتي نأمل أن تكون بمثابة مخطط لمستقبل مستدام للهندسة المعمارية الإقليمية المتجذّرة بعمق في التقاليد المحلية”.
تأتي أجندة أعمال ملتقى الدرعية الدولي 24’ ومنطلقها “عـلـمـ يــمــتــدّ”، وأيضًا مشروع وزارة الثقافة لـ الأجيال الحالية والمستقبلية “تصميم الخطة الوطنية لجمع وتوثيق وأرشفة وإدارة أصول وعناصر التراث الثقافي في المملكة”، وكذلك تفوّق هيئة الأدب والنشر والترجمة في نسبة مرتادي معرض الكتاب 2024 “الرياض تقرأ” كما تجربة معرض الكتب الفنيّة المقام في حي جاكس بتنسيق من استديو “باي تو” – من أجل التأكيد على مكانة “العلم” في ثقافة المملكة والمنطقة، عبر استثمار الموارد بحكمة إعادة التفكير وعمق البناء من الداخل وكذلك حسن الصون والترميم معًا – باعتبار “العلم نواة” تثمر فِكرًا.
الصورة الرئيسية / نموذج لـ التصميم الفائز بجائزة المصلى، بإذن من مؤسسة بينالي الدرعية
اقرؤوا أيضًا:
