كيف لنهج السعودية واليابان الانسجام معًا بـ اللون الأبيض؟!
ترتوي روابط السعودية واليابان من عين تاريخها؛
وتتناغم بصواب عَلَميها نحو دروبٍ تمهّد لاقتصاد ثقافي دائم الوئام.
يوثّق عمق ذلك الوئام؛ سرد مجلة الرياض طوكيو في عددها الخاص باللغة العربية، فمن منظور مفارقات ثقافية بين السعودية واليابان؛ يتحدث مقال كيو. إس نوهارا وقد كانت زيارته الأولى للمملكة أثناء العام 1976 ليقول “كلما درست الإسلام، وجدت تعاليم مماثلة في التقاليد اليابانية، مثل النظافة والانضباط واحترام المسنين وحسن الجوار والصدقة وأكثر من ذلك بكثير. لم أجد أنها ديانة غريبة أو بعيدة كثيرًا عن حياة الشعب الياباني أو مما يصعب عليهم فهمه. إنه دين يعلم كيف يستطيع الإنسان أن يعيش حياته في سلام وصلح مع الطبيعة”.
يُذكر أن الحاج الأول ذا الرحلة الموثقة تاريخيًّا هو عمر ياما أوكا “أدى فريضة الحج عام 1909 ثم عاد إلى اليابان وبقي حتى وفاته يكتب ويلقي المحاضرات في المدن اليابانية”. ويروى استقبال المملكة لأول بعثة رسمية يابانية تزورها خلال عهد الملك عبدالعزيز، حيث نتج عنها كتاب إيجرو ناكانو بعنوان “الرحلة اليابانية إلى الجزيرة العربية”. ليُعتبر الكتاب أحد المراجع الفاعلة في أدب الرحلات إلى المنطقة؛ نظرًا إلى “الأثر الكبير الذي تركه في نفوس اليابانيين”.
دوَّن إيجرو ناكانو اكتشافات رحلته على البحر الأحمر متجهًا من جدة نحو الرياض في قلب الجزيرة ومن ثم العودة غربًا مرورًا بسوق عكاظ “بقيت ذكرياته ممتزجة برائحة الصحراء والقهوة، والهيل والخزامى، والنخيل وسطوع الشمس والليالي المقمرة” – ووفرة من صور رافقت ذاكرة الرحالة الياباني؛ الذي يشعره صوت المصلين “بالطمأنينة والسكون والتأمل”.
إتّزان القلوب
يغمر نفس العدد منظور “المملكة في عيون يابانية” فأن يتبادل آلاف السعوديين واليابانيين الزيارات سنويًّا في إطار العلاقات المتينة والمتشعبة التي تجمع بين البلدين بكل ما تحويه من انسجام علمي وثقافي واقتصادي؛ فإن البداية كانت “قبل أكثر من 100 سنة، واستمرت على يد رواد تحدوا المسافات والعوائق الجغرافية في زمن كانت فيه الطرق بانتظار من يشقها”.
ليمتد نسيج الروابط التي تجمع الشعبين؛ حتى تشير إحصاءات مركز الأبحاث والمعلومات السياحية التابع للهيئة العامة للسياحة والآثار حينها – إلى أنه “أثناء العام 2006 وصل عدد السياح اليابانيين في المملكة إلى 9622 سائحًا”. إذ يرى سفير اليابان لدى السعودية سابقًا السيد شيغرو ناكامورا؛ أن “اليابانيين معروفون باهتمامهم بالسياحة الثقافية في الدرجة الأولى”.
“عسير تشبه بلادي”.
السفير سابقًا، شيغرو ناكامورا.
من داخل معرض الرياض الدولي للكتاب 2008 يدلنا مزيج الصور التي مرّت بمخيلة الفنان فؤاد هوندا من منطق “تجانس حضارتين بين ثقافتين مختلفتين” أنه استطاع من خلالهما أن يوحد أسلوبًا انفرد به عن غيره، إذ “يعتمد اللون في أعماله وينطلق منه إلى أبعاد أخرى”. بدأت رحلة هوندا مع الخط العربي بعد أن قدم إلى السعودية في منتصف السبعينات – عندما “رأى الخطاطين السعوديين يخطّون أسماء الأماكن على خرائط المملكة. أحبّ كثيرًا ما يقومون به وظهر لديه شغف بالخط العربي وعوالمه، ما دفعه إلى طلب أحد أصدقائه الخطاطين تعليمه هذا الفن وكان له ما تمنى”.
كما يتفوق المعرض الفني “التنويع والاستقلالية: مطبوعات الرسامين اليابانيين المعاصرين” في تقديمه 10 فنانين يستكشفون احتمالات وتعابير الفن؛ من خلال تمكين وسيلة الطباعة في السبعينات “يتعامل المعرض مع مطبوعات تحاول إعادة تقييم التاريخ الحالي للمطبوعات اليابانية المعاصرة” – ذلك ضمن أجندة العام 2022 لـ صالة الفن النقي بالعاصمة الرياض. بمقربة من استضافة أعمال الفنان الياباني الشهير شو كوبو (مواليد اليابان 1951) بحيث “التقى فن الكيريئي أثناء دراسة الهندسة المعمارية ليبدأ مسيرته المهنية في أوساكا عام 1977 إذ يعمل أسلوبه بمزيج بين الطلاء والنسيج والرمال، وعبر تكوين أبعاد من ورق رقيق الملمس؛ ما يعكس نهج ألوانه النابضة بالحياة”.
وتحتضن جدة أوائل العام 2023 المهرجان المجتمعي الثقافي “ماتسوري حي” حيث يحتفي الحدث بالتقاليد واللغة والفنون اليابانية بمجمل مساراتها – عبر الشراكة بين فن جميل والقنصلية اليابانية. فعلى سبيل المثال، تضمنت أيام “ماتسوري حي” ورشة بناء التربة بتقنية مياواكي مع نوتشي موتوهارو. إضافة إلى جلسة حوارية حول فيلم “الرحلة” مع شركة مانجا للإنتاج، وقد صدر عن أرامكو وورلد 2023 بأن الفيلم “نتيجة إنتاج مشترك فريد من نوعه بين المملكة واليابان. كانت بداية كتابة السيناريو في الرياض قبل أن ينتقل إلى طوكيو، إذ أعاد فنانوا الرسوم المتحركة المشاهد معًا إلى الحياة”.
وصولًا للعام 2025، حيث يفتتح المتحف السعودي للفن المعاصر المعرض “مانجا هوكوساي مانجا” في جاكس؛ بالتعاون مع السفارة اليابانية ومؤسسة اليابان وبحضور سعادة السفير لدى المملكة ياسوناري مورينو. يبرز المعرض الإرث الفني لـ كاتسوشيكا هوكوساي من خلال مجموعة أعماله التي صدرت أثناء العام 1814 متضمّنةً أكثر من 4000 رسم تخطيطي وموزعة على 15 مجلد، تقديمًا لإبداعات “أحد أبرز رموز الفن الياباني التقليدي” وإشارة إلى “بداية عصر جديد في فن الرسوم اليابانية”.
إثراء النسيج
تروي أيام إثراء الثقافية مشهدًا حيًّا للانسجام والاحترام المتبادل بين البلدين من داخل مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) مطلع العام 2025 – مرحّبة بأكثر من 340 ألفًا من الزوار؛ لتلاقي الأفكار وتبادل الرؤى في تناسق يروي العينين، اختيرت اليابان لتكون محور الأيام الثقافية احتفاءً بمرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين السعودية واليابان “وهو إنجاز مهم في تعاوننا وصداقتنا”.
وحيثما ينال تاريخ فنون الأزياء نصيب الأسد في إثراء؛ يتضمّن “معرض الكيمونو” مقتنيات من متحف الكيمونو الياباني بكل ما يحويه نسيجه من وافر الدلالات (تعني كلمة “كي” ارتداء و“مونو” الشيء). تمزج تصاميم المعروضات قرونًا من الإبداع الفني؛ لتصوّر جذور التقاليد عبر نقاء موادها والتصميم “مما يفصح عن استمرارها في إلهام العالم حتى يومنا هذا”.
فعلى سبيل المثال، في تصاميم كيمونو منشأه مدينة إيسيساكي 1950-1912؛ ترمز رسومات زهور الكرز (ساكورا) إلى “البدايات المبشرة” حيث تتفتح الأزهار في تناغم يمثل الازدهار والوفرة. مثلما تحمل رسومات جبل فوجي “تمنيات بسعادة الأمة ونموها”. وتعبّر رسومات الأمواج في كيمونو أبيض منشأه كيوتو 1980-1970 نحو “الصفاء والتجدد المرتبطين بتدفق المياه” إلى جانب مزيج من نقوش تجسد قيم الخير ومداه في الثقافة اليابانية.
ومن منطلق دوام الوئام بين السعودية واليابان، تُقطف ثمار رحلة سمو الأميرة نورة بنت فيصل؛ عندما نالت درجة الماجستير في الأعمال الدولية من جامعة ريكيو – أثناء العام 2015. متّجهة بدفّة الحديث نحو وفرة التلاقيات “بدأت مع شركائي من أجل تبادل المعرفة وهدفي الحوار وبالتالي الفهم الأعمق للعملاء والثقافة؛ من هنا انطلقت رحلتي، حتى انتقلنا بمكتبنا من اليابان نحو الرياض خلال 2014 – 2015.” هذا وفقًا لجلسة “الموضة، الثقافة والابتكار” وضمن قمة “عالم هادف – المملكة العربية السعودية 2025” – بداخل فندق باب سمحان في الدرعية.
تسهم ريادة الأميرة نورة في دعم تأسيس هيئة الأزياء ومشروع 100 براند سعودي، إضافة إلى مبادرة ابتكار الأزياء التراثية ضمن كأس السعودية الأثمن في العالم، والمزيد من مساعي حوكمة قطاع الأزياء يدًا بيد المنظومة الثقافية؛ بحيث تؤكد سموها “هناك الصندوق الثقافي؛ هكذا هي أهمية هذه القطاعات للبلاد – لتُعتمد المشاريع بمنظور شامل تجاه سلسلة القيمة”. إذ يُتوقع وصول مبيعات التجزئة في مجال الأزياء السعودية إلى 32 مليار دولار خلال العام 2025.
وعند البحث في مدى رعاية خصوصية الحرفة السعودية والحرفة اليابانية مقابل حساسية دمجها معًا؛ يجيب بوراك شاكماك “نبحث عن شركاء لازدهار المألوف نحو الابتكار المستدام – تحديدًا فيما يتعلق بالنسيج، واليابان أثبتت ذاتها كقائدة لأصناف مبتكرة من النسيج”. ذلك أثناء افتتاح هيئة الأزياء ومنظمة التجارة الخارجية اليابانية لـ “رحلة إلى إتقان المنسوجات اليابانية 2025” بالرياض. إذ يتيح المعرض استكشاف العديد من الأنسجة المعدة من مصادر طبيعية “بجودة عالية يقدرها المستهلك السعودي، نريد بناء هذه العلاقة بجمع أنسجة يابانية مبتكرة مع حرفة التصاميم السعودية – وبالتالي دمج الخبرات وتقديمها للمستهلك في المملكة”.
“يهمنا التأكيد على التزام كل من السعودية واليابان لموروثها الثقافي، وكيف يمكن لهذه الثقافتين مشاركة الكثير من المعرفة حول أفضل الوسائل لحفظها وتَقدّمها والدمج بين جعلها تقليدية ومعاصرة – حتى يقع جميع العالم في حبها من أجل الأجيال القادمة”.الرئيس التنفيذي لـ هيئة الأزياء، بوراك شاكماك، 2025.
ذلك بالتزامن مع حَبك وزارة الثقافة لسياق الجناح السعودي ضمن إكسبو 2025 أوساكا “يمكن توقع العديد من التفعيلات الثقافية المقامة في اليابان، متضمنة جميع القطاعات الثقافية ومن ضمنها الأزياء، لذا ننظر لجدول متكامل من الحوارات والأحاديث، المعارض والعروض، وقد بدأنا في الحوار بشأن كيف يمكننا إضفاء لمحة من الثقافة اليابانية في كل ما نعمل عليه هذا العام من أجل التبادل الثقافي”.
مروي العين
تتوافق تلك المرويات بتمام ترابطها؛ عندما يتحدث الصندوق الثقافي عن نفسه بصيغة الجمع – كـ منظومة واحدة ومتكاملة تتكاتف جهودها لتنمية القطاع الثقافي، في إطار دوره ممكّنًا ماليًا رئيسًا ومنفتحًا عبر دوام التواجد في أهم الملتقيات داخل المملكة وخارجها. بحيث تتطور الثقافة لتصبح قوةً نابضةً بتبنيها لاستراتيجيات ثاقبة؛ تُغذي نسيجًا يعمل على بناء المجتمعات وبالتالي دعم رحلة النمو الشامل.
إذ يعمد شعار إكسبو 2025 أوساكا “ابتكار المستقبل لتحسين حياة المجتمعات” نحو تلاقي المنظومات من مختلف أنحاء العالم؛ بهدف ابتداء حوار عالمي حول مجموعة مفاهيم من أهمها القدرة على التكيف، مع التشجيع على تبادل الأفكار والمبادرات التي تسهم في معالجة التحديات المشتركة ورسم مستقبل أفضل للبشرية. ليعكس التمويل الثقافي اليوم ركيزة للتمكين الأعمق، مترجمًا مبادئ استراتيجية “الاستثمار القائم على الأثر” إلى ممارسات تحقق مشاريع “تندمج ضمن الاقتصاد الأوسع” بعوائد قابلة للقياس.
يتألق رواد الأعمال والمبدعون السعوديون ضمن إكسبو 2025 أوساكا – من خلال وافر تفعيلات جناح المملكة للعالم. فعلى سبيل المثال؛ يضم أسبوع الحرف اليدوية “تجارب الحرف اليدوية؛ فنٌ وابتكار” جانبًا من أعمال الفنانة همس مريّح – بتقديمها لوحات مستوحاة من القط العسيري، بحيث يُغمر منسوج سعف النخيل بـ “ألوان طبيعية مستخلصة من أرض المملكة وأحجارها ومختلف نباتاتها”.
كما ترحب أولى لقاءات الجناح السعودي في إكسبو 2025 أوساكا بالزوار؛ عبر جلسة حوارية لـ الصندوق الثقافي عنوانها “الاستدامة الإبداعية: الاستثمار في الثقافة بأثر يدوم” – بمغزى تشكيل مشهد شامل يكرم التقاليد ويصنع آفاقًا مثمرة للأجيال القادمة، إذ تترجم هذه الرؤية عبر مواءمة التمويل مع أهداف واضحة تخلق قيمة دائمة، وصولًا لـ “صناعة الفرصة وتمهيد الطريق”.
لتمضي عروب العنقري خبيرة فن الإيكيبانا الياباني ومؤسسة استوديو تصميم ورود طبيعية وباقية؛ بتدفق دوام العمل على ما تحب “نروي في واشي بلوم قصتنا وإرثنا الغني من خلال تصاميم تعكس جمال طبيعتنا”. تقدم العلامة هدية مبتكرة لزوار الجناح السعودي من أجل تحفيز نمط عيش مستدام في مجال الهدايا “صُنعت يدويًا من الطين وجمعت عنصري النخلة والخزامى”.
تستمر تفعيلات الصندوق الثقافي بداخل الجناح السعودي في إكسبو 2025 أوساكا تأكيدًا على تلك الأدوار الرائدة – إذ ترتوي مجملها من اللون الأبيض في قلب العلم السعودي وتجذّر دلالاته نحو السلام والنقاء. ليتكامل التناغم بين السعودية واليابان مثلما لياقة الـ “箸 هاشي” بمعنى (عيدان تناول الطعام) التي تدمج بين هندسة النخلة ودقة تصميمها اليدوي “لتُصبح كل وجبة رابطًا قيّمًا بين التقاليد”. مشيرة نحو براعة الجمع بين التراث السعودي والحرفية اليابانية ومُحتفيةً بجوهر قيمنا المشتركة.
الصورة الرئيسية / عمل الفنان سلطان بن فهد ضمن إكسبو 2025 أوساكا – بإذن من الفنان
اقرؤوا أيضًا:
