أحجية “السقوط للأعلى” يرويها بحر العلا
كيف لـ سلوى “ما بينهما” أن ترتوي عبر وحشة التناقضات؟!
أرض السماء
تقود دلالة “نجم الشمال” منطلق هيئة فنون العمارة والتصميم نحو تعزيز الامتياز في القطاع “ليعكس ثقافتنا وتطلعاتنا ويمكّن المواهب الوطنية نحو طليعة المشهد الإبداعي العالمي”. فمن منطق انعكاس السماء على سطح الأرض؛ نستذكر مدى نبوغ الأنباط في الهندسة المعمارية نحو “الاتصال بين الطبيعة والتراث البشري!” – المقصد الذي رواه المهندس المعماري فلوريان بوجي حينما عمّر “مرايا العلا” مع استوديو جيو فورما “يقع المبنى المذهل وسط رمال الصحراء في وادي عِشار، بتصميم يتناغم مع المنحدرات الصخرية المحيطة به” يُغطّي الهيكل المكعّب ما يزيد عن 3000 لوح (9740 متر مربع) من الزجاج المقوّى – مكونًا أكبر مبنى تكسوه الحوائط العاكسة في العالم.
يحتضن ذلك التقابل في التكوين؛ عرضًا خاصًّا لـ “روائع متحف نابولي الوطني للآثار” بتنسيق يتواضع أمام التاريخ المذهل للبيئة المحيطة. ليمنح الزوار نظرة نحو العالم القديم ودلالات ارتباطه الوثيق بإرث العلا “نبض طريق البخور”. تتوسط معروضات المتحف لوحة من الفسيفساء لنهر النيل (بومْبَي، مدخل الغرفة ٣٧، بيت الفونْ، القرن الثاني ق.م.) كُتب بيانها “يمكنكم قراءة قصة الفتوحات والاندماج الثقافي، التي تثير في الأذهان تاريخ أرض خصبة بعيدة؛ كانت بالنسبة إلى الرومان رمزًا للثروة والرفاهية والبذخ. تحمل الصور المرسومة معانٍ رمزية وثقافية تعكس طبيعة البيئة والتصورات التي كانت لدى الرومان عن المنطقة”. إضافة إلى قراءة ترى أن “فرس النهر والتمساح يجسدان الصراع بين الخير والشر، ما يعكس على الأرجح التوتر المتصاعد بين الثقافتين المقدونية والفارسية”.
كما تُستشعر أحوال الماء عبر اعتدال المشهد من داخل منطاد لحظات العلا 2024؛ بحيث ينبع التساؤل: امتدادً لإحدى أبحاث صحراء العلا X “سراب” أثناء العام 2022 – ما دقة القول بأن هذه المنطقة غمرتها الحياة البحرية قديمًا؟.. ليجيب الراوي محمد البلوي “قبل 500 مليون عام بدأ تكونها تحت المياه الجارية والبحار الضحلة، بدأت تقل عندما ارتفعت الجزيرة وتحركت القشرة الأرضية، واحدة من حركاتها الانفصال من أفريقيا قبل 30 مليون سنة؛ حدثت فيضانات وكوارث وانفجرت عدة براكين هنا في الجزيرة العربية (الجزيرة السعيدة) مما أدى لارتفاعها”. وصولًا إلى اليوم بحيث صُممت “تجربة طريق البخور” امتدادً لتلك الوفرة وعبر الارتحال من داخل متاهات بيوت الطين في البلدة القديمة، بحساسيةٍ منبعها الماء وجوهرها “اللبان” من وفرة ما يرمز إليه قديمًا من دلالات البذخ والرفاه.
“كانت فكرة الزعزعة بدايةً نداء لتحريك الأشياء من مكانها؛ اليوم في السقوط للأعلى أبعاد مثيرة للانتباه يستطيع أي شخص أن يؤولها بطريقته” إثراء، مؤتمر تنوين للإبداع 2024، المعماري سلطان البدران.
الـ تنوين
خلال العام 2024 تنسجم الاخفاقات مع ما يقابلها من نجاحات عبر فكرة “السقوط للأعلى” بتمام يجمع بين ما خلف الكواليس وظاهر الحدث من منظور المعرض المصاحب لـ تنوين 2024 “خلف الستار: لمحات من حِرَف”. يؤكد المعماري سلطان البدران بأن “استخدام المسرح اليوم بطريقة غير اعتيادية من الأشياء التي يستمتع فيها المصمم باعتباره الفئة المستهدفة الأولى، فكرة استخدام وظائف مختلفة للمكان نفسه دائمًا تحفز المصمم أن يبحث عن ممكنات الأشياء التقليدية”. على سبيل المثال: يجسد المشروع التفاعلي “السراب” لـ الفنانة نعيمة كريم، تجربة قصصية تجمع المجاز بالرحلة الشخصية لمكابدة ابنتها شتى مراحل الاكتئاب والقلق. إشارة نحو الحقائق المغيبة والمفاهيم المغلوطة تجاه تلك المعاناة وتعزيزًا للفهم وبالتالي التعاطف والمساندة في مواجهة هذه التحديات عبر انعكاس تغمره تقنية الواقع الافتراضي.
تروي قائدة مؤتمر تنوين شهد الوزني مقصد العام 2024 “لربما فكرة الفشل غير محبذة والناس لا تحب الكلام فيها كثيرًا؛ لكن بالنسبة للمصمم هو جزء من العملية الإبداعية، حتى لو تعثر لفترة يتعلّم ويستقبل شيء معين في هذه الرحلة الإبداعية للمضي قدمًا”. إذ تؤكد بأن أهمية المصمم تكمن في إيجاد حلول تسهل حياتنا “اليوم نجمعهم لتبادل هذه الخبرات والقصص ولتعزيز مفهوم الاقتصاد الإبداعي في التصميم داخل المملكة وخارجها”. يؤكد سلطان البدران “هنالك هدف للاحتفاء بالإبداع بشكل عام، كان لـ إثراء المهمة الكبرى بأن تكون فعلًا منارة للإبداع… ومن توجهات قديمة جدًّا لمسألة (السوبر سايزينچ) وأن كل شيء ناجح يجب أن يكون بحجم عملاق، الأكبر، الأضخم؛ بينما لو فكرنا بزاوية مختلفة قد تكون مسألة التقليص أيضًا معادلة ناجحة في بعض المشاريع – بالتالي كانت إشارة لإعادة النظر لمسألة الأحجام بشكل عام”.
يواصل مطور البرامج الابتكارية سلطان البدران “كانت على طاولة التقييم الفني مسألة ابتكارات يُطلق عليها الـ (مون شوت) جرت العادة أن المشاريع التي تخدم ملايين من البشر ومداها عالي جدًّا ومؤثرة على العالم، جزء أساسي من أي (مون شوت) في العالم في التصميم في الابتكار حتمًا محاولات وفشل، فقلنا عندنا اليوم مشكلة في تقبله والنهوض عبره إلى محطة أفضل”. يمكن لمجمل هذه التجارب النظر لجانب واحد من رؤيتين عكسية “كل شيء ينظر من عدة زوايا، لما نتكلم عن المدى لا نتحدث عن الإذن بتكبير الأشياء؛ ممكن نراها بتقليص الأشياء – هنا يجيء التأويل وكيف يريد المتلقي أن يطبقه على وضعه الحالي ومنتجه، مشروعه، فكرته، دراسته… نحو رمزية أن السقوط لن يأخذك حتمًا إلى الأسفل طالما اعترفت بهذه المحطة ثم انتقلت من خلالها إلى نجاحات متقدمة”.
تدفّقـ الطِيب
يمتد مهرجان الممالك القديمة 2024 نحو رحلة استكشافية على مدى طريق البخور؛ لخوض تجربة تراثية في مواقع العلا التاريخية من البلدة القديمة إلى دادان وحتى جبل عِكمة يليه وادي النعام ومن ثم قاعة مرايا. وقد رُسم وادي القرى على لسان ابن بطوطة، وحنّ إليه وتمناه جميل بثينة “ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً * بـ وادي القرى إني إذًا لسعيدُ”. إذ ارتوت المنطقة في عمومها بمياه أنهارها المتشعبة في صورة “تشبه ظفائر الشَّعر”. اليوم تحتفي العلا بتمام مروياتها من خلال “قصص من السماء” أبطالها الملك حارث والملكة شقيلة بحيث حكموا البلاد معًا في عدل حتى ساد الرخاء، يقام العرض على سماء الحجر ليلًا بسياق يتلمس كامل الحواس ليصبح التاريخ حاضرًا من عمق واقعية استشعارهـ.
كما تُستعاد مجريات التاريخ من داخل منطاد عائم ما بين سماء وأرض العلا بصوت الراوي محمد البلوي “كان انفجار البركان هنا تحديدًا في العلا جهة الحرة؛ ما أدى لتكوين طبقة سوداء حمت الجبال، هل معنى ذلك أن تلك الجبال أقوى من هذه؛ هي نفس الجبال كلها من حجر رملي إنما تلك مغطاة (بفعل البركان) بطبقة حماية عملت على حفظها وهذه لا، فصارت أي أنهار أو أمطار أو تيارات هواء تحفر فيها” إلى أن تشكلت بشكلها هذا “إضافة إلى تكوين حركة الصفائح لخطوط طولية كأنها شرخ؛ عوامل كثيرة وصلت بها إلى هذا الشكل، تكوّن الصخور هنا في العلا عمره 500 مليون سنة” تتمتع العلا اليوم بـ 3 أصناف من الصخور (بركاني، متحول، ورسوبي) على سبيل المثال: “صخر المتفوركس جنوب العلا بحيث يعود إلى مليار سنة وعمر الأرض 3 مليار”.
يستمر البحث برسوخ ورويّة في التاريخ ليعود موسم الدرعية 25’ 24’ تحت شعار “أرض ترويك” بحيث تتدفق جسارة أحداث الثقافة وتطلعاتها من مرادفات الماء. مثلما يتّسع سنا الدرعية والعاصمة لما بين السماء والأرض ضمن احتفال الرياض للفنون الضوئية “بين الثرى والثريا” عبر فنون مجمعها المياه والنور، بتقييم فنّي من الدكتورة عفت فدعق والدكتور ألفريدو كراميروتي. إذ تشيد المهندسة نوف المنيف مديرة احتفال نور الرياض بعرض عنوانه الأثير “ضم 1,500 طائرة دون طيار، حولت سماء الرياض إلى لوحة مضيئة مستوحاة من القوى الخفية التي تشكل عالمنا”. وقد امتاز الاحتفال بتآلف فطري بين الأعمال التالية: (ضجيج أبيض، 2016) بواسطة أيمن ديدبان، (الهالة، 2017) بواسطة نيك فيرستاند، (بئر الحياة، 2022) بواسطة يان نغويما، (بلاجيو.2، 2023) بواسطة ماتياس غراموسو.
“على الغدير كانت سما
ويرمي الظما وجهي عليه
على الغدير وجهي وسما
لين ارتمى وجهك عليه
على الغدير
وجهي ووجهك والسما” شهد الحروف، على الغدير، لـ مهندس الكلمة: بدر بن عبدالمحسن.
الصورة الرئيسية بإذن من الهيئة الملكية لمحافظة العلا
اقرؤوا أيضًا:
