متلازمة المحتال: شعور حقيقي يجب أن نتفهمه
تستعرض الدكتورة صالحة أفريدي، أخصائية علم النفس السريري والمديرة الإدارية لعيادة The LightHouse Arabia، من خلال عبر مساحتها في مجلة هاربرز بازار أسباب متلازمة المحتال وكيفية علاجها
ـد يساور بعضنا الشكّ حول استحقاقه لنجاحاته المهنية، ولكن هناك أشخاص، وهم كُثر، يعانون من هذا الشعور بشكل دائم، ويعتقدون أن إنجازاتهم ليست بسبب اجتهادهم وذكائهم، بل هي نتيجة مجموعة من الصدف والحظ الجيد الذي سينتهي بين لحظة وأخرى. فهم لا يجدون أنفسهم مؤهّلين للنجاح، وعندما تنكشف قدراتهم الحقيقية أمام المجتمع ستتغير سينظر إليهم كمخادعين. هذا ما يُدعى علمياً باسم متلازمة المحتال.
تم استعمال هذا المصطلح لأول مرة من قبل الخبيرتين النفسيتين الدكتورة بولين كلانس والدكتورة سوزان آيمز في سبعينيات القرن الماضي، واقتصر تطبيقه في البداية على السيدات الأكثر نجاحاً، إلّا أنّ الدراسات أثبتت أن العديد من الرجال يعانون أيضاً من هذه المتلازمة. ورغم أنها لا تندرج ضمن الأمراض العقلية المثبتة رسمياً، إلا أن الأشخاص الذين يعانون منها يعانون يعانون كذلك من تدنّي مستوى احترامهم لذاتهم وقدراتهم، وغالباً ما يتعرّضون لمشاكل أكثر خطورة مثل الاكتئاب والقلق.
هناك اعتقاد خاطئ يحصر هذه المتلازمة بالأفراد الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة أو يحصلون على ترقية أو منصب جديد. فهي لا تتعلّق مطلقاً بقدرات الفرد، بل ترتبط بنظرته لنفسه، وكلّما ازداد نجاحه أصبح أكثر عرضة للشعور بأن إنجازاته تفوق قدراته الحقيقية، وأنه يخدع الآخرين. بغض النظر عن مدى جودة أدائه في العمل وكمية الثناء التي يتلقاه، تبقى إمكاناته ومقدراته على النجاح مجرد فكرة لا يمكنه تصديقها.
ما أسباب متلازمة المحتال؟
قد تصيب متلازمة المحتال أبناء العائلات التي تهتم كثيراً بالنجاح المهني، سواء الآباء الذين حققوا نجاحات في حياتهم أو بنوا آمالاً عريضةً لأولادهم. وقد يؤدي النجاح، عندما يتحوّل إلى عنصر جوهري في حياة العائلة، إلى شعور الشخص بأن إمكاناته لا ترتقي إلى مستوى التوقعات المطلوبة منه. وبالمقابل، قد تصيب متلازمة المحتال أبناء العائلات التي لم يحقق أي من أفرادها إنجازات مهنية، لذلك فهم يشعرون عند حصولهم على ترقية أو منصب في العمل بأنها لا تتناسب مع خلفيتهم العائلية المتواضعة.
ونتيجةً للتأثيرات العائلية ورؤية المجتمع لمفهوم النجاح ومن يستحّقه، فإن معظم المصابين بمتلازمة المحتال يضعون لأنفسهم معايير عالية تصل إلى حدّ المثالية التي لا يمكن بلوغها. ولعلّ المفاهيم التي تلقّوها خلال نشأتهم تربط تقديرهم واحترامهم لذاتهم بمستوى النجاحات والإنجازات التي يحققونها، لذلك فهم يبذلون جهداً كبيراً للحفاظ على مكانتهم المهنية والإثبات للآخرين بأنهم يستحقون الثناء. ولأن النجاح المهني يتطلّب التعامل مع كمية هائلة من الضغط والتعب، يصبح من غير المحتمل أن يركّز مصابو متلازمة المحتال على شخصيتهم الداخلية، والتي تشمل الوعي النفسي والتقييم الواقعي لمواهب وقدرات الفرد. مما يؤدي إلى انعدام تواصلهم مع ذاتهم كلما تقدموا في العمر، ويحوّل توقعاتهم لأنفسهم إلى أفكار غير واقعية.
وهكذا، تبدأ ميولهم نحو المثالية وموروثهم العائلي لفكرة النجاح بالتفاقم عندما يقارنون إنجازاتهم مع التجارب الناجحة التي يتم تضخيمها على مواقع التواصل الاجتماعي. وتترافق هذه المقارنة مع صراعات داخلية تضعهم في مواجهة نجاحات الآخرين، الذين يظهرون كشخصيات لديها إمكانات خارقة.
كيفية التعامل مع متلازمة المحتال؟
يمكنني اقتراح برنامج علاجي مدته 30 يوم، ولكن استيعابه يتطلّب وقتاً أطول بكثير، فهو يستوجب الغوص عميقاً في تفاصيل محددة من الذات، تكوّنت في مرحلة الطفولة وربطت قيمة الإنسان بإنجازاته. وفي هذه الرحلة، سيحتاج المريض إلى مواجهة مخاوفه المتعلّقة برفض المجتمع له والتخلي عنه، إضافة إلى علاج مكامن الشعور بالخزي. لذلك، تتحدّد بداية العلاج عند إدراك المصاب للتكوين الحقيقي للذات الداخلية التي تتألف من عدّة أجزاء.
ففي داخل كل منا جانب مفعم بمشاعر الثقة والبطولة والمثالية، وجانب آخر مهزوز يوحي بالضعف والانهزامية. ودائماً ما يسيطر أحد هذه الأجزاء على شخصية المرء. فهناك لحظات يشعر فيها الإنسان بالقوة والانطلاق، بينما يكافح في أوقات أخرى ليجد لنفسه مكاناً في هذا العالم. لذلك، عندما يشعر الفرد بأنه محتال، فهذا نابع من أحد مكنوناته الداخلية، والتي لا تمثّل كامل شخصيته.
“النجاح يولد من الألم”
لا ينبغي مقاومة الشعور بالاحتيال، بل يجب الترحيب به والتحاور معه. لأنه لم يأتِ بالفطرة، وإنما نشأ بسبب أفكار مكتسبة حدّدت قيمة الذات بمستوى الإنجاز الذي يحققه الشخص. وهذا الجزء الداخلي تم تطويره لحماية صاحبه وتحفيزه على تقديم الأفضل.
ولكن قد يحيد هذا الشعور عن مساره المنطقي، وغالباً ما تتحوّل أجزاء الذات التي تساعد الفرد في إحدى مراحل حياته إلى عبء يعيق تطوره في مراحل أخرى. وبمجرد إدراك منبع الشعور بمتلازمة المحتال وأسبابه الناتجة عن مشاعر لم يتم تجاوزها، يمكن البدء بالخطوة التالية من العلاج، وتعلّم الدروس المستقاة من هذا الحالة، والإحساس بالامتنان إلى ذلك الجزء الداخلي الذي ساعد صاحبه في بلوغ مكانته. كلما زادت نسبة الشفاء، قلّ الشعور بالمتلازمة وتعزّز الإحساس بالقوة والطاقة الإيجابية.
تقبّل متلازمة المحتال
قد لا ينجح الشخص في التخلص كلياً من هذه المشاعر، ولكن يمكنه أن يتفهمها ويسيطر عليها. ولتحقيق ذلك، يمكن أن يطرح المريض على نفسه الأسئلة التالية لفهم مصدر الإحساس بالمتلازمة وكيفية علاجها:
ما الذي يخيفني؟
ما أسوأ النتائج التي يمكن أن تحدث؟
ما هي المواهب والمهارات التي أتمتع بها؟
ما هي المساحة في حياتي التي لا أشعر بها بأني محتال؟
عند سماع صوت داخلي يخبرك بأنك محتال، أصغِ جيداً إليه، وتساءل عن مصدره.
بماذا ستخبر أي صديق أو طفل لديه نفس المخاوف؟
ماذا سيحدث في حال قبلت تمثيل دور ما لكي تتمكن من تحفيز الشعور بالأجزاء الأخرى التي تمثّل ذاتك الداخلية بالكامل؟
تشكّل متلازمة المحتال جزءاً من التكوين الداخلي الذي يخشى أن يتم رفض حقيقة الشخص. وعندما يعاني أحد من هذه المشكلة، فإنه يحاول تركيز كل طاقاته للحفاظ على المظاهر التي تنسيه التمعّن في ذاته لكشف حقيقتها. ويتحول العالم من منظوره إلى مشهد ضبابي يمنعه من رؤية مواهبه وقدراته. وبينما يسعى الكثير منا للتخلص من هذا الشعور، فإنهم قد يضيعون ربما عن طريق العلاج. فالمحتال الكامن في ذاتنا يمثّل جزءاً وقائياً منها، وهو موجود لإرشاد الشخص إلى جرحه الذي يحتاج إلى الشفاء، وإلى حقيقة ذاته
نشر للمرة الأولى في عدد هاربرز بازار العربية أكتوبر 2021
