قوة التأني: هيا صوان نجمة غلاف هاربرز بازار السعودية لخريف 2025
تشارك رائدة الأعمال السعودية في مجال العافية واللياقة – هيا صوان، دروس حياتها المستخلَصة من محطات النجاح والفشل في رحلتها الشخصية الثرية، وتقدمها لنا بموجز مفيد مثير للاهتمام…
لقد كان الأمر أشبه برحلة تطور مستمرة. فمسار هيا صوان، الذي انطلق أولاً من الشغف بالرياضة واللياقة البدنية حتى تحول إلى مهنة، جعلها القوة المحركة وراء المبادرات المقامة داخل المملكة:(شي فيت، بلاي بول، موشين أكاديمي)، والشريكة في (كارف بيلاتس). لكن هذا المسار اتخذ مؤخرًا منحنى أشمل وأكثر تكاملاً، إذ لم تعد تكتفي بالعناية بالجسد فحسب، بل تسعى اليوم إلى احتضان جميع جوانب العافية، بدءًا من تطوير الذات وصولًا إلى الصحة النفسية، ضمن باقتها الواسعة من الخبرات.

وهي مُصرة على مشاركة المعرفة التي اكتسبتها خلال الطريق، ليس فقط عبر برامج تدريبية مصممة بعناية، بل كذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي –الأداة القوية التي جعلت منها شخصية بارزة في عالم العافية-. في هذه المساحة، تبوح لنا الأم الملهمة وابنة مدينة جدة بدروس حياتها، كاشفةً كيف انتقلت من التركيز على اللياقة إلى رحلة أعمق نحو الإشباع والاكتمال. وما الذي تعلمته خلال هذه التحولات.

كيف تجد معنى وغاية لحياتك
إن امتلاك هوية متفردة، أصيلة وصادقة مع نفسك، لا يتحقق إلا بعد مسيرة طويلة من اكتشاف الذات واكتساب الوعي بها.
كثيرًا ما أعود بذاكرتي إلى أهم التجارب التي مررت بها في حياتي، تلك التي شكلت منعطفات كبرى وانتهت بنتائج إيجابية. وفي كل مرة أستعيدها، أجد أنها كانت لحظات مخيفة وصعبة التفسير في بدايتها، لكنها بدت منيرة ومليئة بالبصيرة حين نظرت إليها لاحقًا.
غالبًا ما تكون هذه التجارب تحديات لم نكن لنختارها طوعًا. هي مواقف من قبيل:(لا خيار أمامي سوى خوضها)، أو (ليس لدي ما أخسره، فلِمَ لا أجرب؟)، وأحيانًا:(لقد جربت كل شيء، ولم يتبقى ألا هذا الخيار).
كل مشهد من هذه المشاهد يبدو ثقيلًا، مظلمًا ومخيفًا. لكن دائمًا هناك نور في نهاية الطريق؛ فالشمس ستشرق مجددًا، والعاصفة لا تدوم إلى الأبد.
والأجمل من ذلك؟ أنك بعد تجاوزك ذلك التحدي، ستجد طبقة رقيقة من الشك في ذاتك قد انزاحت. تمنح نفسك احتفاء داخلي مصغر يقول لكِ “لقد فعلتها”.

تجربة صعبة تليها أخرى، ومع كل محطة يزداد رصيدك من الثقة، يتضاءل خوفك، ويتسع نطاق راحتك لمواجهة ما ينتظرك لاحقًا.
كثيرًا ما أقول إن العقلية الإيجابية لا تُولد فجأة، بل تُبنى مع الممارسة. أتدري ما يعنيه ذلك؟ يعني خوض وفرة من التجارب والعقبات والتحديات والانعطافات المُفاجأة، ولحظات لا تسير فيها الأمور كما تشتهي. فالعقلية الإيجابية هي القدرة على البحث عن الدرس المستتر في كل ما تواجهه في حياتك. هي الإيمان بأن كل ما يحدث، إنما يحدث من أجلك لا عليك. وهذا يتطلب قدرًا كبيرًا من الإيمان والثقة.
هكذا تكتب قصتك الخاصة، وتصوغ هويتك المتفردة. هكذا تنمو وتزدهر. أن تعرف من أنت، أن تُقر بالمسافة التي قطعتها، وأن تكتسب عقلية متعطشة للنمو.

إنها رحلة طويلة تُعينك على فهم ذاتك بعمق أكبر. أذكر أنني قرأت يومًا كتابًا بعنوان ابدأ بـ “لماذا”، وقد كان حافلًا بالبصيرة وطرح تساؤلات تستحق التأمل: ما الذي يجعلك تنهض من سريرك كل صباح؟ ما الذي يدفعك للاستمرار؟
إن استطعت أن تُجيب عن هذه الأسئلة، وأن تطور تلك الدافعية وتغذيها باستمرار، فأنت بذلك تُرسخ هويتك وتنمو بوعي وغاية.

كيف تجد الشجاعة لتتطور
إن أردت أن تتقدم في حياتك، فلا بد أن تتطور. الأمر ببساطة لا يحتمل جدالًا. أن تستيقظ بعد عشر سنوات لتكتشف أنك الشخص نفسه الذي كنت عليه طوال العقد الماضي، شعور ثقيل لا يحتمل. الندم على الفرص الضائعة والتساؤل الدائم: “ماذا لو؟” هو مأزق وجد فيه الكثيرون أنفسهم، وباتوا ساخطين عليه.
صحيح أن العودة بالذاكرة لتقدير كل هذا التقدم تبدو رائعة، لكن لا بد أن نتذكر أن لكل إنجاز ثمنًا. فالأمر يتطلب جهدًا وعملًا دؤوبًا؛ التزامًا ووعودًا صادقًا مع الذات. يتطلب انضباطًا وثباتًا. يعني أن تعتني بعقلك وجسدك وروحك. أن تخلق تناغمًا وسط ضجيج الحياة وفوضاتها.

يعني أن تمنح الأولوية لما يخدمك، وأن تتخلى عما لا ينفعك. وإن أردت أن تفعل شيئًا جديدًا، أن تصبح شخصًا لم تكنه من قبل، يُحتم عليك إحداث تغيير في حياتك، وإجراء بعض التغييرات؛ فما تتقبله الآن سيصبح واقع؛ فالنمو والتطور هو أن تمنح نفسك فرصة لعيش أفضل حياة ممكنة، ولبلوغ أقصى طاقاتك، ولتصبح نسخة أرقى من ذاتك. إنها رحلة مستمرة، سيظل فيها دومًا متسع للتحسين والنمو. وعندما تلتفت إلى الوراء يومًا ما، ستقول بكل راحة ورضا:”أنا فخور بنفسي على كل ما حققته”.
كيف تعيش حياتك بمهارة

أؤمن شخصيًا أن العيش الحقيقي هو أن تختبر الحياة بكل ما تحمله من صعود وهبوط.
هو أن تُحب وتُحَب.
هو أن تُحيط نفسك بالأشخاص المناسبين.
هو أن يكون لك هدف، وأن تسعى لتكون إنسانًا أفضل مما كنت عليه بالأمس.
هو أن تتعلم باستمرار، وأن تسأل وتستكشف.
هو أن تنتهز الفرص.
هو أن تتعلم الإصغاء في وقتٍ ينتظر فيه الجميع دورهم للكلام.
هو أن تدرك أن الجودة أهم من الكمية، وأن تعيش حاضرًا أكثر.
هو أن تؤمن أن الخير الذي تفعله يعود إليك مضاعفًا.
هو أن تضع رأسك على وسادتك ليلًا بعقلٍ مطمئن وقلبٍ هادئ.
هو أن تعيش مدركًا أن المنافسة الحقيقية الوحيدة هي: أنك في مواجهة نفسك.
هو أن تتصالح مع فكرة الاتفاق على الاختلاف؛ فلن يرى الجميع وجهة نظرك، وهذا أمر طبيعي.
هو أن تكف عن رواية جانبك من القصة، مؤمنًا أن الزمن كفيل بسردها.
هو أن تكون قدوة حسنة.
هو أن تنمو مدركًا لقيمتك الذاتية.
هو أن تكون مشجع نفسك الأول.
هو أن تحاسب نفسك على أفعالك.
هو أن ترتدي ماضيك الصعب كوسام تفخر به.
هو أن تمنح هذا العالم –الذي يخسر جزءٍا من إنسانيته كل يوم– مزيدًا من الحب واللطف.”
كيف تتعامل مع الفشل

الفشل لم يكن يومًا، ولن يكون أبدًا، نقيض النجاح؛ بل هو جزء أساسي منه. فمن دون الفشل لا يمكن بلوغ الفلاح.
لقد فشلت مرات أكثر بكثير مما نجحت. والمشكلة؟ أن القليل فقط يجرؤون على مشاركة إخفاقاتهم. ولهذا، لا يرى الناس سوى النتيجة النهائية، دون أن يسمعوا الحكاية الكاملة خلفها.
عندما أتحدث عن ريادة الأعمال، والتحفيز، والنمو، وتطوير الذات، وعندما أشارك رحلتي، أحرص دائمًا على إبراز إخفاقاتي والتحديات والعقبات والدروس التي تعلّمتها، لأنني من دونها ما كنت لأصل إلى ما أنا عليه اليوم.
ليت مزيدًا من الناس يشاركون لحظات الهزيمة كما يشاركون بريق التفوق، لا الميداليات والكؤوس والجوائز فحسب. أعتقد أن الإنسان يحتاج إلى عقلية عالية الوعي الذاتي حتى يتمكن من استقبال الفشل بعقل منفتح، وإدراك أن النجاح لا يتحقق من دونه.
كلما مررت بتجارب أكثر في حياتك، اتسعت دائرة راحتك، ونمت قدرتك على مواجهة التحديات بعقلية تركز على الحلول. حينها تبدأ بتغيير منظورك، والبحث عن طرق مختلفة للتعامل مع المشكلات التي تعترضك. وهذا لا يأتي إلا بكثرة التجربة والممارسة. لن يصبح الأمر أسهل، لكنك أنت من ستصبح أفضل.
وأعتقد أن من أسوأ ما يمكن أن تفعله بنفسك هو أن تخشى الفشل. لأنه ببساطة خوف من أمر حتمي. وهذا بالذات ما يحول بين كثيرين وبين استكشاف أقصى إمكاناتهم وقدرتهم الحقيقية. لنأخذ على سبيل المثال “شي فيت”، علامة اللياقة السعودية التي أسستها عام 2013، أي قبل إطلاق رؤية المملكة 2030، بدافع شغفي البحت بالرياضة. بدأت الفكرة كمعسكر تدريبي خارجي صغير بإمكانات محدودة للغاية وميزانية شبه معدومة، لكنه سرعان ما استقطب مئات النساء من مختلف الأعمار. عندها أدركت كم قدمت لي الرياضة، ووجدت رسالتي الحقيقية في تعليم الآخرين أيضًا.
وفي عام 2018، حين تواصل معي ثلاثة رجال أسسوا نادياً رياضياً للرجال، وعرضوا علي شراكة. في ذلك الوقت، كان كل تفصيل في هذه الرحلة مخيفًا، خارجًا عن نطاق راحتي، وتجربة جديدة تمامًا بالنسبة لي.
انتقلتُ من نادٍ واحد أديره منذ نحو أربع سنوات إلى فرعين. لكن بعد شهر فقط من افتتاح الفرع الجديد، ضربت جائحة كورونا. اضطررنا إلى الإغلاق، ثم عدنا للعمل فورًا بدأت الأمور تعود إلى طبيعتها. وبعد أربع سنوات، خرجت من الشركة، محتفظةً بحقوق ملكية علامتي التجارية. قد يبدو هذا المشهد وكأنه قصة نجاح في بدايته تنتهي إلى فشل في نهايته. لكن هل أندم على ذلك؟ إطلاقًا.
وإليك ما تعلمته:(الشركاء ليسوا من يشاركونك رؤية قصيرة المدى، بل من يتأقلمون وينمون معك. الشركاء ليسوا دائمًا على وفاق معك، لكن يجب أن تعرف كيف تختلف معهم. إن امتلاك عقلية تركز على حل المشكلات يظل دائمًا وسيلتك لتجاوز التحديات. وأخيرًا، من الضروري أن تُحيط نفسك بالأشخاص المناسبين؛ أولئك الذين يفعلون لا الذين يكتفون بقول ما هو صائب). الدروس التي خرجت بها لا تقدر بثمن، وكان علي أن أخوض هذه الرحلة كي أتعلمها.
قصتي ما زالت مُستمرة…

أشعر بامتنان عميق لأنني استطعت أن أُنشئ مجتمعًا ساعد العديد من النساء على بدء رحلتهن في عالم اللياقة. لقد خلق مساحة نشأت فيها صداقات كثيرة، وما زال مستمرًا بقوة حتى اليوم. كما ساعد الكثيرات على تحقيق إمكاناتهن في مجال التدريب واللياقة.
لقد بنيت علامةً خاصة بي واكتسبت خبرة واسعة، وهي خبرة ساعدتني في مسيرتي المهنية اليوم عبر إدارة كارف، وتثقيف رواد الأعمال الشباب على كيفية الانطلاق، وتحفيز المترددين منهم على اتخاذ الخطوة الأولى.
كما وسعت رؤيتي لأتجاوز حدود اللياقة وحدها، وأدركت إمكانات السوق السعودي أمام المدربين الشباب الطموحين. وهنا جاء دور موشين أكاديمي؛ فقد استحوذت عليها في نوفمبر 2023، وتمكنا من خلالها من اعتماد آلاف المدربين الجدد وتأهيلهم لبدء رحلتهم التدريبية.
وعلى مدى 12 عامًا، طورت منصتي على وسائل التواصل الاجتماعي لتتخطى حدود محتوى اللياقة، فأصبحت تتناول موضوعات النمو الذاتي وتطوير النفس، والعثور على الشجاعة للتخلي عما يجب هجره، واحتضان القوة اللازمة للمضي قدمًا على الرغم من العقبات.
تعلمت أن اللياقة ليست سوى جانب واحد من منظومة متكاملة تشمل العافية النفسية، وتحسين الذات، ووجود الأشخاص المناسبين من حولك الذين يخلقون لك البيئة المثلى للنمو والتطور.
وهذه هي رحلتي حتى الآن… لكنها ما زالت حكاية في طور الكتابة، بعيدة كل البعد عن نهايتها.
المكياج: دعاد الدهامي. الشعر: مها نبهان. المنتج التنفيذي: ستيف هوكر. مساعدة منسق الأزياء: نجاة الحسين. شكر خاص لـ “فلو نرجس”.
من عدد هاربرز بازار السعودية لخريف وشتاء 2025
