نور عريضة تسترجع البدايات وتجدد الحنين إلى بلدها لبنان على غلاف عدد الصيف من هاربرز بازار العربية
نور عريضة على غلاف مجلة هاربرز بازار العربية يوليو أغسطس 2023
يمكن أن أقول إنني أنهيت مقابلتي مع نور عريضة وأنا أشعر أنها صديقتي المقربة. هي صديقة توقف حوارنا بعفوية لتحمل ابنتها التي تبلغ من العمر سبع سنوات، ولكنها تتمكن من السير على السجادة الحمراء بإطلالة رائعة، وتعمل متحدثة رسمية لحملات ترويجية عالمية، كما تبث محتواها إلى ما يقرب من 11 مليون متابع بنفس القدر من العفوية. يمكننا بذلك أن نلخص باختصار شخصية وجاذبية عارضة الأزياء والأم اللبنانية المقيمة في باريس. إذ تمنحك شعورًا بأنها قريبة منك وفي الوقت نفسه تلهمك بطموحها وشغفها. تتعاطف معها حين تراها دون أي مكياج تخرج مسرعة لأنها في حاجة للذهاب إلى المدرسة، ولكن عندما تراها وهي تتألق على المسرح بأزياء من مصممي الأزياء اللبنانيين، تدرك أن لديها نفوذ النجوم الذي ينقلها إلى المستوى التالي. وبفضل سحر شبكات التواصل الاجتماعي، أشعر كأنني أعرفها عن كثب، وهو إحساس صححته لي بقوة خلال محادثتنا الرائعة.

طموحات كبيرة
إن مسار حياة نور المهنية يشبه للغاية قصة خيالية لشخص يملك قدرة سحرية لتحقيق الأحلام. فرغم انغماسها في عالم الأزياء في الشرق الأوسط كوكيلة مشتريات تشرف على أكثر من 150 علامة تجارية في متجر في بيروت وهي في عمر 23 عامًا، لم تكن لديها أي طموحات في أن تصبح مشهورة؛ إذ تحكي متذكرة: “أحببت عملي، واعتقدت أن هذا العمل هو ما سأقوم به طوال حياتي، فهذا ما يظنه المرء عندما يحظى بوظيفة أحلامه”.
لكن القدر، وزوجها جورج بدوي، كان لهما خطط أخرى. تقول نور: “يتمتع جورج برؤية واضحة مميزة”، وتشرح كيف أن نصفها الآخر الذي أصبح مدير أعمالها قد اكتشف إمكانياتها في وقت مبكر عندما بدأت مواعدته. وتقول: “عندما بدأت شبكات التواصل الاجتماعي، لم يكن أحد يستخدمها بعد، باستثناء أشخاص مثل كيارا فيرانى في إيطاليا. كان الأمر جديداً للغاية. وكنت ضد كل هذه الأشياء الاجتماعية. إذ لم تكن ضمن الأشياء التي أفضلها وأجيدها. فأنا كنت أعمل في مجال الأزياء ولكن عملي يتعلق بالجانب التجاري والإداري ولذلك كان تركيزي منصبًا على جانب مختلف من المجال. ثم اقترح عليّ جورج قائلاً: “لنفتح حسابًا على إنستجرام”. لم أوافق في البداية، لكنني في النهاية بدأت في نشر صور عشوائية. وكان لديّ وقتها 300 متابع، من أصدقائي المقربين وأصدقائي من أيام المدرسة فقط “.

ولكن النجاح تحقق بين ليلة وضحاها حرفيًا قبل ثمانية أعوام. إذ تقول: “عندما تزوجنا، انتشرت صورة من صوري في الزفاف انتشارًا هائلاً. وما زلنا حتى الآن لا نعرف كيف حدث ذلك. إذ أعادت صفحة زفاف في أستراليا نشرها. واستيقظت في اليوم التالي لأجد أنه قد أصبح لدي 15 ألف متابع. ولم أعرف حتى كيف توصلوا إلى حسابي وعرفوا أن الصورة كانت لي. كان ما حدث جنونيًا. ثم أصبح لديّ 50,000 متابع…” تستكمل نور ذكرياتها، وتبدو أنها لا تزال مذهولة مما آلت إليه الأحداث.
“قال جورج: “دعينا نستفيد مما حدث”. فقد كان يتمتع برؤية مميزة. وقال لي: “أعرف أننا نستطيع الاستفادة مما حدث تجاريًا”. ولكنني كنت أنظر إليه كما لو كان يتحدث اللغة الصينية. لقد كان الأمر جديدًا للغاية بالنسبة لي. ولكنه ساعدني على تعلمه والنجاح فيه. كانت لديه استراتيجية. وخطط لكل شيء في عقله. كان في ذلك الوقت يعمل في مجال الشئون المالية لكنه لطالما أحب الفنون. لذلك عرف أنه يريد تغيير مجال عمله. كان الأمر منطقيًا بالنسبة له؛ أن أتواجد على شبكات التواصل الاجتماعي ويوجه هو الرؤية والأعمال. وهكذا اجتمعت كل العوامل لتحقق لنا النجاح. وبعد عام، وقعنا على أول عقد لنا مع راي بان، وسرعان ما توالت العقود بشكل طبيعي مثل تأثير قطع الدومينو”.

التصدي للصورة النمطية
من السهل أن نضع عارضة الأزياء التي تبلغ من العمر 33 عامًا في قالب نمطي كوجه جميل لا أكثر، لكن نور تثبت خطأ هذا التصور في كل مرة يحاول أحدهم أن يصنفها. فحذار أن تستهينوا بها. إذ أنها تتمتع بآراء قوية ووجهات نظر وجيهة ولا تخاف التعبير عنها. مثل رأيها عن موضوع العلاج بالتسوق، حيث قالت لي ضاحكة عندما طلبت منها التفكير في شيء قد يفاجئ محبيها: “إنا أكره التسوق. قد تعتقدين أن شخصًا مثلي يمكن أن تكون لديه خزانة ملابس ضخمة تضم أحذيتي وملابسي. أليس كذلك؟ إذ يبدو أن جميع عارضات الأزياء والمؤثرين لديهم نفس الحذاء بخمسة عشر لونًا مختلفًا. لكنني لست كذلك. لدي خزانة ملابس عادية. أحب أن أشتري بذكاء. ولا أحب أن أكدس الأشياء. لدي ثلاثة أو أربعة بناطيل لي فايس أرتديها طوال الوقت مع تي قمصان عادية. وعندما أود أن أنفق مالي على شيء ما أشتري معطفًا أو سترة لطيفة. العلامات التجارية التي أحبها للغاية هي سيلين وسان لوران. وهي العلامات التجارية التي تناسبني. كما أذهب إلى متجر آند أذر ستوريز، وأشتري من كل مكان”.
تتحمس للموضوع، متأملة أفكار الناس الخاطئة عن حياة المشاهير. وتصمم قائلة: “أعتقد أن الناس إن رأوني في حياتي العادية، فسيرون أني شخص عادي للغاية”. ثم تكمل: “لدى الناس هذا التصور الخاطئ بأن الأشخاص على إنستجرام لديهم حياة مختلفة. والأمر ليس له علاقة بالشهرة حتى في المنزل، إنها مجرد وظيفة عادية”.

فستان، 27,590 درهم إماراتي؛ قبعة، 1,600 درهم إماراتي، كلاهما من طوني ورد
ليست وجه جميل وحسب
في عالم تسود فيه ثقافة الإلغاء، غالبًا ما يكون من الأسهل أن نتجنب التعبير عن أي آراء شخصية في مواضيع جادة وخطيرة. لكن نور لا تلتزم الصمت، فهي مصممة على استخدام منصتها لتسليط الضوء على القضايا التي تؤيدها بقوة. ويمكنك أن ترى من مجرد نظرة سريعة على حسابها في انستجرام شعارها المكتوب في الأعلى: “مدافعة عن حقوق المرأة وجسدها”، في حين تُظهر صفحتها أنها تسلط الضوء على القضايا المهمة، مبينة كيف يمكن استخدام الأدوات على الإنترنت لتعديل الصور، ومجموعة مقاطع ريلز للاحتفال بيوم المرأة العالمي، بالإضافة إلى توضيح الحاجة للأخصائيين النفسيين.
على الرغم من أنها في قمة نجاحها في عملها، إلا أنها تدرك تمامًا ما يحفزها ويشجعها. “لا أفعل ذلك سعياً وراء الشهرة، بالعكس. تريد بعض الفتيات الظهور على شبكات التواصل الاجتماعي لأن حلمهن هو أن يصبحن مشهورات. لكن الأمر لا يتعلق بالشهرة بالنسبة لي، إنه عمل. تنبع سعادتي من التعبير عن رأيي. عندما أحصل على عقد ضخم، يسألني الجميع: “هل أنتِ متحمسة؟” وأجيبهم: “نعم، لا بأس. إن الأمر لطيف، لكنني لا أشعر بالرضا”. إذا سألتيني: “كيف ترين نفسكِ بعد 10 أعوام؟” سأجيبكِ، أرى نفسي أفتتح منظمة غير ربحية أو أعمل مع النساء أو أعمل في السياسة وأستخدم صوتي لإحداث تغيير. هذا ما يحدث فارقًا. هذا هو المهم. في نهاية اليوم، لا شيء غير ذلك يهم. لقد رأينا المرأة تتطور كثيرًا في المنطقة. لكنني أشعر أنه لا يزال علينا تحقيق الكثير. أصبحت النساء أكثر استقلالًا الآن، لكن ليس كل النساء”.
تجيب نور دون تردد عندما سألتها عن الشخصيات التي تقتدي بها أو تعجب بها على الإنترنت: “إن شبكات التواصل الاجتماعي تعرض المظهر الخارجي فقط، وأنا لا أقع في ذلك الفخ”. “أتعرفين، لم يسبق لي على الإطلاق أن رأيت فتاة وقلت: “يا إلهي، أريد أن أكون مثلها”. هذا الأمر لم يحدث قط. فأنا أتطلع لأشخاص مثل جدتي وأمي وأحاول أن أكون بنفس قوتهن ومرونتهن، وكذلك أبي… وليس لأولئك الموجودين على شبكات التواصل الاجتماعي”. وماذا يكون رأيك عندما يتعلق الأمر بالاستراتيجية المهنية؟ “استطاعت نجين مرصالحي إدارة أعمالها لكنها لم تقع في فخ شبكات التواصل الإجتماعي. ولديها الآن شركة بملايين دولارات لمنتجات العناية بالشعر، لكنها في نفس الوقت متواضعة للغاية. لم تصبها الشهرة بالغرور. تشعرين كما لو كانت نفس الشخص لم تتغير”

فستان، 4,405 درهم إماراتي، كارولين لانج
برزت أيضًا معضلة ما يجب نشره وما يجب أن يبقى خاصاً عندما تحدثنا عن ابنتها أيلا، التي لديها قاعدتها الخاصة من المعجبين لأنها تمثل جزءًا منتظماً من منشورات والدتها. تعطي نور الانطباع بأنها فلسفية رابطة الجأش بشأن المعضلة التي تواجهها، ولكنها في الوقت نفسه شديدة الحرص وتحمي ابنتها بشدة. إنه وضع حرج ومخادع يصعب التعامل معه منذ المنشورات الأولى التي أظهرت عارضة الأزياء اللبنانية فيها حملها: “لقد زاد وزني 28 كيلو خلال حملي. وكنت أنشر صورًا ملهمة ومحفزة بالأزياء. لذلك تابعني الناس خلال فترة حملي، وعندما وُلدت أيلا، ولهذا السبب يرتبطون بي للغاية لأننا بدأنا من الصفر معًا” – وهذا ما جعل متابعيها مهتمين للغاية بتربية الفتاة الصغيرة.
حدود واضحة
تعترف نور بوجود أحداث صعبة وأنها دائمًا تُتهم بالمشاركة الزائدة لتفاصيل حياة طفلتها. فهل تشعر بأي تأنيب ضمير بشأن اختياراتها؟ تعترف قائلة بصراحة: “دائمًا ما أفكر في ذلك”. كيف تواجه الانتقادات؟ “إنها جزء من حياتي. إذا نحيت أيلا جانبًا، ستسألني عندما تكبر: “لماذا لم تشركينني؟” لا أستطيع توقع التأثير الذي ستحدثه شبكات التواصل الاجتماعي عليها”.
تسلط نور الضوء على نقطة مهمة، وتنوه إلى أن الآخرين يواجهون مشاكل مماثلة. “أرى أصدقائي، وجميعهم لديه أطفال، وأطفالهم موجودون على شبكات التواصل الاجتماعي أكثر من أيلا. ولديهم إمكانية الوصول إلى يوتيوب أو إنستجرام وهم موجودون في كل مكان”.
تصمم نور وهي تتحدث بصفتها أم وبصفتها مشهورة: “أعرف كيف أضع حدوداً مناسبة. يعتقد الناس أنهم يعرفون كل شيء، لكنهم في الواقع يعرفون ما سمحت لهم برؤيته عن أيلا. أظهر لهم ما أريدهم أن يروه، وليس لديهم إمكانية الوصول إلى حياتنا الخاصة. حتى في مقاطع القصص على إنستجرام، لا أظهر كل شيء أبدًا. لدي حاجز كبير للغاية بيني وبين مجتمعي. ولذلك، أجل هي على شبكات التواصل الاجتماعي، لكنها ليست فعلًا على شبكات التواصل الاجتماعي. إذ أتحكم أنا بالأمر، وليس العكس. تنتشر فكرة الحسد في العالم العربي، ويسألني الناس ما إذا كنت قلقة بشأن ذلك، لكنني أجيبهم وماذا عن
الحب الذي تتلقاه من هذا المجتمع؟ أعتقد أنه أقوى من الكره أو من التعليقات السلبية. أحاول أن أفكر بشكل إيجابي”.
إنها بريئة للغاية ولا تحاول تجاهل التحديات والتغاضي عنها. هل أيلا، التي تتحدث دائمًا عن مواضيع جادة مثل الصحة العقلية والتنمر في مقاطع الفيديو، تدرك أنها تعرض على هواتف الآخرين؟ “أعتقد أنها مدركة لذلك لأن الناس يوقفوننا في الشارع حتى هنا في باريس، إن الناس يوقفونها هي تحديدًا أحيانًا وليس أنا. ويقولون: “أيلا نحن نحبكِ!” وقد سألتني: “لماذا يستوقفنا الناس؟” لم أستخدم أبدًا كلمة “مشهورة” أو “أنتِ نجمة”، لأنني لا أفكر بهذه الطريقة حتى. بل أخبرها: “لأن الناس يحبونكِ. الناس يحبون صراحتك وعفويتك. الناس يحبون كيف تشاركين الموضوعات معهم. فقد ساعدتِ كثيراً من الفتيات والأولاد الصغار. أحاول أن أشرح لها الأمر بشكل إيجابي، لأنها طفلة”.

فستان، من أزياء جورج شقرا
المضي قدمًا
وقد ساعد نور في الحقيقة دخولها إلى عالم المسرح العالمي وتسجيلها في وكالة إيليت باريس عندما كانت في العشرينيات من عمرها، إذ أصبحت قوية لا يسهل التأثير عليها أو خداعها بسهولة. في الواقع، تمزح نور بشأن كيف أنها لم تعتقد أبدًا أنها ستصبح عارضة أزياء لأن عارضات الأزياء الطموحات الرائدات يبدأن مسيرتهن المهنية في عمر 14 عامًا، في حين كانت هي في عمر 30 تقريبًا عندما بدأت عرض الأزياء. وتقول بتواضع: “لقد رأوا شيئًا يميزني لم أعرف أنني أملكه” وتذكرت كيف شعر الفريق بأن مظهرها يذكرهم بليتيسيا كاستا، “لكن ذلك بعيد المنال في رأيي”.
يبدو أن رحلة نور قد أخذت مسارات غير متوقعة من عدة نواح، لكن ليست كل اختياراتها عن طريق الصدفة. فعندما تتحدث عن لبنان يظهر تأثرها بوضوح: “إذا سألتيني منذ خمس سنوات، كنت لأخبركِ أنني لن أنتقل منها أبدًا. لكن بعد الانفجار، نظر إليّ جورج وقال: “لقد كدنا نفقد ابنتنا. هل تريدين البقاء هنا فعلًا؟”

لقد نجت العائلة من موت محقق، وكان هذا هو الدافع الذي احتاجته للانتقال إلى فرنسا. “كنا في المنزل وانفجر الزجاج وكل شيء في وجوهنا. لكن الحمد لله لم يحدث لنا شيء، كنا بخير. لكننا كنا في خطر، ولا أريد أن أضع طفلة بعمر سبع سنوات في خطر بسبب رجال السياسة والفساد، لذلك قررنا الانتقال إلى باريس. ونحن هنا منذ عامين”.
تحافظ الأسرة على إحياء ثقافتها الخاصة والتشبث بأصولها من خلال لفتات بسيطة مثل التحدث باللغة العربية وطهو الأطباق المحلية وزيارة بيروت بانتظام. وتضيف نور: “هي تعرف كم أحب لبنان. يمكنك الاستمتاع بالسباحة ومشاهدة الجبال أو التزلج على الجليد ورؤية البحر. أحب المناظر الطبيعية والطعام وكرم الضيافة والناس الطيبين للغاية بدون أي دوافع على الإطلاق”. وبالنسبة للمستقبل، تقول نور بإصرار: “لا أتخيل نفسي أشيخ في هذا المكان. أعرف أننا سنعود يومًا ما. لقد سافرت كثيرًا، ورأيت كثيراً من الأماكن ولا تزال لبنان بالنسبة لي أجمل بلد في العالم. لذلك آمل أن نستطيع العودة يومًا
تصوير: فؤاد تادرس. تنسيق أزياء آنا كاستان
رئيسة التحرير: أوليفيا فيليبس. المخرج الفني: أوسكا يانيز. مصفف الشعر: جان-لوك أمارين. فنانة المكياج: ماينا ميليتزا. خبيرة الأظافر: سيسليا عباس. المنتج التنفيذي: جان-مارك مونديليه. منتج أول: ستيف هوكر. مساعد إضاءة: فيصل بوحصوم. مساعدو تنسيق الأزياء: جوليانا موريرا وإيموجين ليجراند.
اقرؤوا أيضا: نقدم لكم عدد المستقبل من هاربرز بازار العربية
