دانييل روزبيري يعيد إحياء اللمسات السريالية لعلامة سكياباريلي
Posted inهاربرز بازار أخبار

دانييل روزبيري يعيد إحياء اللمسات السريالية لعلامة سكياباريلي

نجح دانيال روزبيري في استعادة المكانة العالمية لدار سكياباريلي خلال ثلاث سنوات فقط من توليه منصب المدير الإبداعي. وهذا ما أكدّته إبداعات المصمم لنخبة الأسماء، من إطلالة بيونسيه في أحدث إصداراتها الغنائية وفستان ليدي غاغا في حفل تنصيب الرئيس جو بايدن إلى تشكيلته الملهمة في افتتاح معرض إلسا سكيابارلي في باريس

من وراء نافذة الغرفة البيضاء المطلّة على ساحة فاندوم، يظهر دانييل روزبيري، المدير الفني لدار سكياباريلي، وهو يجلس خلف طاولة تحمل لون الغرفة الغارقة بالبساطة، يفكّر بالصخب الذي أحدثته تشكيلته الأخيرة من الأزياء في اليوم السابق بعد غرضها في متحف الفنون الزخرفية بباريس وسط مجموعة من الأعمال المذهلة لمعرض العوالم السريالية للمصممة إلسا سكياباريلي Shocking! The Surreal Worlds of Elsa Schiaparelli، حيث قدّم روزبيري مشهداً إبداعياً حالماً جمع الملامح الأنثوية المرهفة والأبعاد الجمالية المتعددة للأزهار على إيقاعات الموسيقا الأصلية لفيلم Jurassic Park.

أمّا المعرض الذي أقيم تحت إشراف القيّمَين الفنيين أوليفييه غابيت وماري صوفي دو لاكاريير، فقد استعرض الموضة المبتكرة التي قدمتها إلسا، مؤسسة دار سكياباريلي، خاصةً الفستان المزين برسمة الكركند على امتداد التنورة، وعلبة مستحضرات التجميل المبتكرة على شكل قرص الهاتف، إضافة إلى القبعة التي تشبه تصميم الحذاء. كما يعكس المعرض نتائج التعاون الذي جمع المصممة الإيطالية مع فناني عصرها أمثال سلفادرو دالي وجان كوكتو ومان راي، وكيف ساهم هذا النتاج الإبداعي في أعمال مصممي الأزياء المؤثرين على مستقبل القطاع.

روزبيري يستعين برسوماته التوضيحية للتواصل مع فريق التصميم الناطق باللغة الفرنسية التي لا يجيدها، حيث يستعمل هذه الطريقة للتعبير عن رؤيته حول كيفية إضفاء الحيوية على إبداعاته

من بين أكثر من 500 قطعة معروضة في هذه الفعالية، تبرز أعمال استثنائيةً من توقيع جون غاليانو، إيف سان لوران، كريستيان لاكروا وعز الدين عليه، فهي أكثر ما يعكس تأثير أعمال إلسا على أجيال متعاقبة من المصممين. بينما تكشف ترجمة روزبيري لرؤية إلسا الإبداعية عن تصاميم تهدف إلى تحريك المشاعر لدى عملاء Schiaparelli، وتعبّر عن جوهر العلامة في تقديم أزياء تبقى طويلاً في الذاكرة. وُلد دانيال روزبيري في مدينة بلانو بولاية تكساس لعائلة محافظة، وتلقّى دراساته الأولى في مجال الموضة من معهد الأزياء والتكنولوجيا في نيويورك. ثم كرّس عشر سنوات من عمره في صقل مهاراته في عالم الأزياء والعروض المسرحية تحت إشراف توم براون قبل أن يتولّى منصب المدير الإبداعي لدار سكياباريلي، ليصبح بذلك أول مصمم أمريكي يترأس دار أزياء فرنسية في بلد لا يتكلّم لغتها، ويكمل مسيرة العديد من مصممي العلامة الذين حرصوا على الحفاظ على تراثها الغني ونقل لمستها السريالية إلى جيل جديد من المبدعين المغامرين.

ومنذ دخوله إلى مقرّه الكائن في 21 ساحة فاندوم، والذي يعود إلى عصر إلسا، تمكّن روزبيري من ابتكار أزياء جريئة تجمع الفرادة واللمسة الأنثوية وتعبّر في الوقت نفسه عن تاريخ الدار بطريقة تعكس رؤيته الخاصة. وهكذا تحوّل المصمم، من خلال إبداعاته إلى أحد الأسماء المفضّلة لدى أشهر الفنانات والشخصيات القيادية المؤثّرة، مثل ليدي غاغا وبيونسيه وميشيل أوباما، إضافة إلى كيت بلانشيت وكاردي بي وكيم كارديشيان وأديل وتيلدا سوينتون وسيلين ديون.

وتتألّق تشكيلات روزبيري بلمسة حالمة وإبداعية لا تعترف بالحدود. أمّا القطع الفنية الموجودة في المعرض والتي لا يمكن تصنيفها تحت فئة محددة فتقدّم نفسها كمصدر إلهام يعزّز الشعور بالسعادة ويؤكّد بأن الجرأة هي من تمنح الأزياء الراقية معناها. يتحدّث دانيال روبيري في الحوار التالي حول أساليب الاستفادة من لغة سكياباريلي السريالية وانفتاحه على التعاون ومشاعر السعادة التي سيطرت عليه عند تصميم فستان الزفاف الخاص بشقيقته…

قررتَ أن تقدّم تشكيلتك من الأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2022 داخل المتحف الذي افتتح للتو معرضاَ مخصصاً لأعمال إلسا سكيابارلي. فما الهدف من هذه الخطوة، وهل كانت محاولةً للاحتفال بإرث المصممة الشهيرة؟

لم أرغب في تصميم تشكيلة متعلّقة بالمتحف، وإنما تقديم إبداعات مرتبطة بالمشهد المعاصر، فالمتحف يضم الكثير من الأعمال التي تسرد قصة سكيابارلي بكل جوانبها، فقد لاحظتُ أن المكان يفتقد إلى لمسة من الحداثة التي تعكس من وجهة نظري تصورات المصممة الإيطالية لعالم الموضة في هذه اللحظة. وهذا ما تكشفه التشكيلة، حيث أحببت إضافة عناصر تنتمي إلى عالم سكيابارلي دون أن أقصد التركيز على تراث الدار.

أي أنها ليست احتفالاً بالماضي؟

لم تكن نظرةً إلى الماضي بكل تأكيد، وإنما رؤيةً تستمدّ إلهامها من المشهد العام للمعرض بكل ما يحمله من أعمال مصممين استلهموا إبداعاتهم من عالم سكيابارلي، بما في ذلك كريستيان لاكروا وإيف سان لوران وجان بول غوتييه وعز الدين عليّة، حيث تركّز اهتمامي على استعراض انطباعات سكيابارلي حول تلك العوالم، وشعرت بارتباط أكبر بهؤلاء المصممين. كان الأمر أشبه بإضافة حلقة تجمع المشهد بطريقة مرحة. ذكرت اسم كريستيان لاكروا، وأعتقد بأنك تحدّثت إليه خلال قيامك بتصميم التشكيلة.

معرض Schiaparelli يكشف كيف ألهمت أعمال إلسا سكيابارلي، (مثل الصورة على اليسار)، مسيرة المصممين الذين تبعوها في عالم الأزياء.

هلّا كشفت لنا عن أجواء هذه المحادثة وكيف أثّرت في عملية التصميم؟

لقد تناقشنا سويةً عن عناصر الرومانسية في أعماله. ففي الموسم الماضي، كنت أريد إبداع تصاميم بسيطة بلمسات صارمة بعيداً عن الصخب، أمّا خلال الموسم الحالي، فتمثّلت رغبتي في تقديم بصمة أكثر رومانسية. لذلك واظبت على مشاهدة الأفلام الرومانسية أثناء عملية التصميم، وأقصد هنا الأعمال السينمائية التي تتحدث عن قصص حب ملحمية بكل معنى الكلمة، وهذا ما قادني إلى توظيف الموسيقى التصويرية لفيلم Jurassic Park من تأليف الملحّن جون ويليامز، في فكرة تجسّد الرومانسية والمبالغة في الهوى والراحة النفسية في الحنين. وعندما أتمعّن في أعمال لاكروا وتصاميم إيف سان لوران القادمة من منتصف إلى أواخر القرن العشرين أجد ذلك التأثير الشيّق حول الفترة التي اعتمدا فيها على الإبداع كمنطلق للعمل، وليس بسبب المكانة التي بلغاها كأهم اسمين في سوق الموضة الفاخرة واسعة الانتشار. لذلك أردت أن أستعيد بعضاً من هذه البيئة النقية، أن أذكّر الجميع بما فيهم أنا بالسبب الذي دفعني لإطلاق التشكيلة.

لعبت الأزهار دوراً محورياً في التشكيلة وأضفت على تراث سكياباريلي لمسةً من الرومانسية. فما الذي قادك الآن لإدراج هذه العناصر في تصاميمك وأشعرك بأهميتها؟

علمت بأن الوقت قد حان لاستعادة اللمسات اللونية، ولا أقصد هنا المساحات الكبيرة من الألوان على الأقمشة. كما أن التوجه نحو الفساتين المليئة التطريز لم يكن خياراً سواء لعدم توفر الميزانية الكافية أو النيّة للقيام بذلك. مما أوقعني في حيرة من أمري، وشعرت بأني أضعت الطريق. ولكن بعد أن ذهبت إلى مدينة أوستن في تكساس لحضور حفل زفاف شقيقتي، أعطتني والدتي قبل عودتي كتاب A Passion for Flowers من تأليف كارولين روم، الكاتبة ومصممة الأزياء التي تعاونت مع المبدع أوسكار دي لا رينتا وألهمته في الكثير من أعماله. كان لدى روم هذه الحدائق الخلابة في منزلها بولاية كونيكتيكت، بينما احتفظت جدتي فائقة الجمال بهذا الكتاب على طاولة القهوة، والذي لطالما حرّك في داخلي الشغف خلال نشأتي. وهذا ما ألهمني فعلاً، وأدركت ما عليّ فعله لحظة عودتي. لذلك أحضرت الكتاب وقمنا بتصويره صفحةً صفحة في نسخ كبيرة الحجم. ثم رسمت أشكالاً مختلفةً من تنسيقات الأزهار على الورق قبل إلصاقها على الملابس لأصنع هذه الباقات المرهفة. وقد غمرتني هذه العملية بشعور احتفالي أسر قلبي تماماً، ومنحني لحظاتٍ رائعةً بكل معنى الكلمة.

دعني أقول بأن ما تفعله الآن مع سكياباريلي يُعدّ من أكثر الأشياء تشويقاً في عالم الموضة، فما هو شعورك وأنت تعمل تحت هذه الأضواء؟

أعتقد أن المذهل في الأمر تواجد العديد من المصممين البارزين الذين يقومون بأشياء مبتكرة مثل بييرباولو بيتشولي وديمنا وبيتر موليير، فهناك مساحةٌ كافيةٌ للجميع ليؤدي كل منا دوراً مؤثّراً في اللحظة المناسبة. ولكن محاولاتنا لا تنجح على الدوام، فهذا مستحيل، ووحده المصمم الذي يتحّلى برغبة جارفة وتفكير غير منطقي هو من يعتقد بقدرته الدائمة على النجاح. ومن ناحيتي أحبّ القيام بأشياء تحرّك عواطف المتابعين، فقد نشأت وأنا أشاهد والدي يُلقي العظات أمام الناس كل أسبوع بمهارة شديدة، وكنت أعرف تماماً كيف يتفاعل الحضور مع الأجواء كلما تمكّن والدي من الدخول إلى أعماقهم، كنت أشعر وكأن عواطف 600 شخص تحرّكت من مكانها بذات اللحظة استجابةً لرسالة قالها أو إيقاع موسيقي في الخلفية. وهذا ما حرّك في داخلي شغفاً تجاه فكرة الجمهور المتحفّز، وولّد لديّ الرغبة في التقاط تلك المشاعر.

شهد القطاع في السنوات القليلة الماضية ما يمكن أن نسميه بالتبادل الإبداعي بين العلامات التجارية، فمن هو المصمم الذي ترغب في مشاركته الأفكار والرؤى؟

لديّ رغبة كبيرة في التفاعل مع أسماء رائدة ولكن ليس في قطاع الموضة، فهناك عالمان آخران يأسران قلبي، وأقصد هنا مجالي الموسيقى والتصميم الداخلي. فالصالونات التي صممها جان ميشيل فرانك لإلسا سكيابارلي تُعدّ من بين الأشياء المفضلة بالنسبة لي في أرشيف العلامة. كما أجد في لوحات مزج الأفكار التي نقوم بابتكارها الكثير من التصاميم الداخلية، و دائماً ما أتساءل عن هوية الفتاة التي نصمم لها وأتخيل المكان الذي تقطن فيه و التجارب التي ولّدتها. فأنا دائماً ما أحاول استلهام إبداعاتي من داخل هذا المشهد، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لي، لأن التصميم الداخلي يُعدّ أحد أبرز مصادر الشغف لديّ. بينما تشكّل موسيقى البوب الأمريكية جزءاً هاماً من شخصيتي. فلطالما تخيّلت حشوداً في ملعب كبير يهتفون باسم فنان معيّن، وأنا أرغب في القيام بأي عمل لدعم هذه الشخصية، لأن فكرة تصوّر الفترة الذهبية لفنان ما تعجبني حقاً.

هلّا حدّثتنا عن أروع اللحظات التي عشتها منذ توليك منصب المدير الفني للدار؟

لا يمكنني أن أنسى إطلالة ليدي غاغا وهي تؤدي أجمل الأغاني في حفل تنصيب الرئيس جو باين، ولعلّها اللحظة الأكثر تأثيراً في تاريخي المهني، فلم أكن لأصدق عينيّ حتى أطلّت بذلك الفستان الذي ظهر أمام الحشود ومن وراء الشاشات ولاقت إطلالتها إعجاباً استثنائياً. لقد شاهدناه جميعاً أنا وفريق العمل في الورشة، وراقبنا تفاعل الجماهير وصيحاتهم المعبّرة عن الحماس. وأتذكّر وقتها أنني فقدت القدرة على التعبير، كنت مذهولاً تماماً. لقد شكّلت تلك اللحظة بدايةً رائعةً لمسيرنا نحو المزيد من الإبداع، ومن الممتع استحضارها من جديد.

بالحديث عن مجموعتك من الفساتين المميزة بقصة الدلو، لا بدّ لنا أن نتذكّر فستان زفاف شقيقتك، والذي يُعدّ ربما من أبرز القطع التي قدّمتها من هذا النوع. أخبرنا عن تلك التجربة؟

تتميز أختي بشخصية رائعة وحضور متواضع وجمال خلاب لكنها لا تدرك ذلك. لذلك كان من الضروري منحها إطلالةً تليق بها يوم زفافها. ومن هنا جاءت أهمية الفستان بالنسبة لنا. وقد استغربت أن تلقى هذه القطعة شهرةً واسعةً بقدر الإطلالات التي صممتها لأديل أو بيونسيه. وأنا أعتبرها من أروع اللحظات التي شهدتها الدار لأنها حملت الكثير من المعاني. كما لعب حساب شقيقتي على موقع TikTok دوراً في تعزيز شهرة الفستان، حيث شاركت ملايين المتابعين تفاصيل إخراج الفستان من الغلاف وطريقة وصوله إلى باريس لتجربته والتأكّد من مقاسة. لقد أرادت الحصول على لحظة لا تُنسى وهذا ما قدّمناه لها.

اقرؤوا أيضاً: صيحات شتاء 2023 حاضرة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي

No more pages to load