نورة الجبر أول رامية على الخيل تتحدث عن مساعيها لإحياء هذا الإرث العربي
نورة الجبر، صوت سيفورا التي تناصر تمكين المرأة بينما تساهم في إحياء الفنون المنسية في المملكة…
مشهدٌ مهيب عنوانه الجمال والتراث، يعكس صوراً للقوة والعزم. لا يشبه ما تراه كل يوم: امرأة بالزي السعودي التقليدي كاملاً، على وجهها لثام مزخرف وتمتطي جواداً عربياً أصيلاً تعدو به بسرعة، ثم تفلت لجامه لترمي سهماً بقوسها الذي أخرجته للتو من حزامها. في الحقيقة، كان هذا المشهد مقتصراً على كتب التاريخ والحكايات، حتى أصبحت نورة الجبر أول مدربة معتمدة للرماية على الخيل في المملكة العربية السعودية. ولأنها شغوفة بهذه الرياضة وبمدى أهمية الرماية على ظهور الخيل في المنطقة، أصبحت تقوم الآن بتعليم الآخرين هذا الفن الذي يعود تاريخه إلى الأزمنة القديمة.

«عندما بدأت الرماية لأول مرة، أدركت أن لها تاريخاً يجب علينا إحيائه، فهي أعمق من مجرد رياضة»، أوضحت نورة عبر تطبيق Zoom بعد أسابيع قليلة من جلسة تصوير الغلاف الخاص بها، وتابعت: «ارتبط الأمر بشيء ما بداخلي، وبدأت بذلك ليس من أجل الرياضة وحسب، بل من أجل التقاليد والتاريخ والدين أيضاً».
دخلت الجبر، التي ولدت ونشأت ولا تزال تعيش في الدمام، في رياضة رماية الخيالة قبل بضع سنوات عن طريق الصدفة، وهذا بعد أن وجدت حبها الأول في ركوب الخيل. «بدأ الأمر عندما كنت في التاسعة من عمري، اعتاد والداي أن يأخذاني إلى الشاطئ حيث كانت هناك أنشطة متعددة، مثل الطائرات الورقية وركوب الأمواج وركوب الجمال، والخيول أيضاً». وتابعت بسعادة: «لطالما أطلعت والدي عن رغبتي في ركوب الخيل. وحينما جربت الأمر أول مرة، أصبحت أمضي كل عطلة أسبوعية هناك. وعندما بلغت الثانية عشر، أخذتني والدتي إلى مدرسة ركوب الخيل لتعلم الأساسيات إرضاءً لحماسي».

وعندما بلغت الخامسة عشر، أهداها والداها حصانين لتركبهما في مزرعة العائلة. تحكي نورة: «كنت أنا وحدي مع تلك الخيول، فلم يكن هناك غيري في العائلة مهتم بالأمر. ولم يكن التعامل معهما سهلاً، فالخيول حيوانات حساسة جداً. اعتدت على الركوب والسقوط كثيراً.» لكن ذلك لم يقلل من عزيمتها. وأكملت: «طورت المحاولات بداخلي العزم والشجاعة والثقة، ولم تحبطني أبداً عدد المرات التي سقطت فيها. بل كنت دائماً أواصل الركوب».
قامت العائلة ببيع الخيول عندما انتقلت الجبر إلى الإمارات لدراسة التمويل والاقتصاد في عام 2010 بجامعة الشارقة. وهناك، وجدت إسطبل بالقرب من منزلها في منطقة مردف بدبي، فكان لها فرصة لتعزيز مهاراتها لتصبح فارسة محترفة. ودفعتها موهبتها الكبيرة على ذلك. «كنت أشاهد مقاطع فيديو لا حصر لها لراكبي الخيول في الصحراء، لكن ذلك لم يكن متاحاً في دولة الإمارات في ذلك الوقت.»

لتحقيق ذلك الحلم، كان عليها الانتظار لحين عودتها إلى المملكة العربية السعودية. لكن كان عليها أولاً مواجهة عقبات أخرى. “عدت في عام 2015 لأعيش صدمة ثقافية. وبعد أن اعتدت العيش في الإمارات لمدة خمس سنوات”.
فيما يخص العمل، اضطرت الجبر إلى التفكير خارج الصندوق. فقامت بإنشاء صالة للألعاب الرياضية عام 2016 في الطابق السفلي من منزل عائلتها، وافتتحت مركزاً للياقة البدنية لتتمكن من تدريب السعوديات والأجنبيات على حدٍ سواء». ورغم كل ذلك، كانت لاتزال متعلقة بالخيل. وفي عام 2020، وجدت أخيراً مكاناً لركوب الخيل في الصحراء بالقرب من الدمام. «كان الأمر مذهلاً، شعرت حقاً بذلك الوصل بيننا، وشعرت بالحرية». كان صوتها لا يزال يحمل السعادة والحماس بعد سنوات. «وبعد أن انتهيت من تلك التجربة، سألني الرجل إذا كنت أرغب في تجربة الرماية أيضاً، وبالفعل، لم أكد أنتهي منها حتى تعلقت بها. وبعدها، نصحني بخوض التجربة كاملة؛ الرماية من على ظهر الخيل».

لطالما تصرفت الجبر على طبيعتها. فبعد بضعة أسابيع من تلك التجربة، قامت بشراء حصانها الخاص لتتمكن من التركيز على الرياضة. وسرعان ما انشغلت بتاريخ رماية الخيالة وأصولها. تذكرت الجبر قائلة: «كان هناك عدد قليل من الأشخاص في المملكة، لنقل خمسة أشخاص، الذين يمارسون هذه الرماية التقليدية على وجه التحديد، وليست الرماية الأولمبية، وقد التقيت بأحد هؤلاء الأشخاص النادرين. كان قارئاً يمتلك عدداً من الكتب القديمة، وشاركني كتاباً كتب منذ حوالي 1000 عام. كان يتكلم عن الرماية العربية، وصناعة الأقواس والأسهم ومجالات الرماية المختلفة، بما في ذلك رماية الخيالة. كان ملهمٌ حقاً. «حاولت حينها تصور الماضي؛ كيف كانوا يركبون الخيل وكيف كانت هيئتهم وملابسهم. بل فكرت أن أصبح حلقة الوصل لذلك العصر. وبالفعل، بدأت ذلك عن طريق الملابس. فأصبحت أرتدي الزي السعودي التقليدي بينما أمارس الرماية على ظهر الخيل.
اهتمت الجبر للغاية بكيفية تعامل المرأة السعودية عبر العصور مع الخيول ورياضات ركوب الخيل التي كانت تمارسها بشكل عام. «تعلمت النساء قديماً الرماية وتقنيات السيف والرمح. أعتقد أن عدداً منهن أيضاً كن مقاتلات، لكنهن في الأغلب تعلمن إما للصيد أو للمتعة أو للدفاع عن النفس. لكنهن لم يعتدن على خوض الحروب بشكل عام.» ثم تابعت نورة، «كان يُنظر إلى الخيول العربية قديماً على أنها جزء من الأسرة، وتصف الكثير من بيوت الشعر هذه العلاقة بين الرجال والنساء وخيولهم: كان الحب عميقاً جداً لدرجة أنهم في بعض الأحيان كانوا يطعمون خيولهم قبل إطعام أطفالهم.»

Collection. Full Sleeve Long and Defined Tubing Mascara, SAR110, KVD Beauty, both available at Sephora Full look, Nora’s own. Cuff SAR18,650, Azza Fahmy
أصبحت الجبر رامية أسهم محترفة بمعرفة واسعة بهذه الرياضة وتاريخها، فقررت زيارة إسطنبول بتركيا للحصول على شهادة رماية كمدربة من مكان مرموق مثل أكاديمية المماليك. لكنها كانت تتطلع لأكثر من هذا، وأرادت أن تعلم الناس داخل المملكة العربية السعودية بشهادة من المملكة نفسها، لكن ذلك لم يكن متاحاً… حتى الآن. «تحدثت إلى الاتحاد السعودي للفروسية، وكانت هناك دورة تدريبية أكون فيها حكماً في رياضة الرماية على ظهر الخيل.» لكن الأمر سيستغرق ثلاثة أشهر أخرى من المحادثات قبل أن تصبح الدورة التدريبية التي أرادت أن تكون مدربة فيها متاحة حقاً. «توجهت إلى الرياض لحضور دورة تدريبية مدتها أسبوع، حيث التقيت بجميع رماة الخيول القدامى في المملكة. كنا حوالي ثمانية أشخاص، وكنت المرأة الوحيدة في تلك الدورة. وقد تخرجنا جميعاً كمدربين معتمدين في الرماية من وزارة الرياضة في المملكة العربية السعودية ومن الاتحاد السعودي للفروسية».


كانت الجبر أول من تخرج في الدورة الجديدة، والمرأة الوحيدة أيضاً، وهو الأمر الذي ربما كان مستحيلاً قبل بضع سنوات فقط. وتعترف قائلة: «إنه لشعور قويٌ ومذهلٌ للغاية، فالحصول على هذه الشهادة كان صعب بالنسبة لي، ولم تكن هناك مدارس لرماية الخيالة، بالإضافة إلى نقص في المعلومات عن الرياضة. يعتقد بعض الناس أن الوصول إلى هذه النقطة كان سهل جداً، لكنني واجهت الكثير من العقبات على طول الطريق، وسقطت كثيراً، لكنني وقفت وواصلت السير، لأنها بالنسبة لي، أكثر من مجرد رياضة – إنه تاريخنا. وليس للعرب فقط، ولكن لكل من يمارس الرماية في جميع أنحاء العالم».

سألناها إن كانت قد واجهت أي عوائق بعينها لأنها امرأة؟ فأوضحت: «لا لا، لم يعد لدينا هذا المفهوم في المملكة العربية السعودية، فهم يدعمون النساء على نطاق واسع. بل في الحقيقة، إذا كان لديهم الخياران بنفس المستوى التعليمي، فسيختارون المرأة!»
كما تأهلت الجبر كمدربة لرياضة التقاط الأوتاد، وهي رياضة قديمة أخرى ترتبط بالخيول، تتطلب شجاعة الاندفاع نحو وتد خيمة يغرز في الأرض ومحاولة اقتلاعه بالحربة أو الرمح أو السيف. تطلب الأمر منها أن تشارك محلياً في هذه الدورة، حيث ذكرت: «كنت المرأة الوحيدة ولم يكن هناك جمهور، كانت الأجواء مشحونة قليلاً». لكن هذا لم يُوقفها من أن تكون أفضل المشاركين آداءً. وتابعت: «بعد ذلك، ذهبت أيضاً إلى الأردن للمشاركة في كأس العالم لرياضة التقاط الأوتاد للسيدات، كانت هذه المشاركة الأولى لفريق المملكة العربية السعودية».


Full look, Nora’s own Editor in Chief: Olivia Phillips. Make-Up:
Kasia Domanska. Senior Producer: Steff Hawker. Styling Assistant: Merhan Raafat
تركّز نورة الآن على نشر معرفتها ومهاراتها في مركزها الخاص للتدريب – الذي أُنشئ في مساحة وفرتها لها الحكومة، والتي تضم مجموعة متنوعة من رياضات الفروسية الأخرى. «لقد خرجت مدرستي 20 فارساً وفارسة من رماة الأسهم، وأنا فخورة جداً بهم، لأن لديهم نفس العقلية التي أملكها، فهم يفعلون ذلك لحبهم وشغفهم بالتاريخ وليس من أجل الرياضة فحسب.» وتابعت بفخر: «هذه الشهادة تعني أنني الآن أمتلك الفرصة لنشر هذا الوعي بين باقي النساء، فقد تزايد عدد النساء اللاتي يمارسن رياضة التقاط الأوتاد، وأصبح لدينا حتى أربع أو خمس مدربات معتمدات، ولكن في رياضة رماية الخيالة، لازلت الوحيدة المعتمدة كمدربة أنثى.»
جعل إحياء ذلك الفن المهجور وتسليط الضوء عليه مجدداً من نورة شخصية معروفة إقليمياً، وهذا الشهر، تضيف نورة إلى قائمة إنجازاتها حملة «صوت سيفورا» لدعم تمكين المرأة. توضح الجبر: «لا تتطلب طبيعة عملي الكثير من المكياج، ولكنني أهتم بوضع واقٍ للشمس في روتيني للعناية بالبشرة، والقليل من المكياج وآيلاينر. أنا مؤمنة بالاحتفاء بالعزم، وبالجمال الداخلي. لا أريد أن يركز الناس على مظهري، بل أريدهم أن يركزوا على مهاراتي. أرسل رسالة أيضاً للسيدات أنه يمكنهن عرض جمالهن من خلال مهاراتهن وقوتهن وقدرتهن، وليس فقط من خلال وجوههن وأجسادهن».

أصبحت كلمات نورة وأفعالها الداعمة تجسد تمكين المرأة. فما رأيها عن رؤية الغرب الأكثر تحفظاً حول المرأة السعودية، والتي قد لا تبرز هذا الجانب بشكل كبير؟ علقت الجبر: «دائما ما أتحدث عن قوة المرأة السعودية وعن مهاراتها، لكنها لم تسنح لها الفرصة لإظهار ذلك. وبمجرد أن جاءتنا الفرصة لنثبت للعالم من نكون، سرعان ما التفت العالم لوجود النساء السعوديات في مجالات مختلفة مثل الرياضة والجمال والعلوم والطب». تُعتبر نورة الجبر قدوة للعديد من نساء المملكة العربية السعودية، ورسالتها لكل النساء: «لتبحثن عما ترغبن في فعله، ما يمنحكن القوة والحياة، وحاربن من أجله. وإذا لم تجدنه حتى الآن، فواصلن البحث، وإن وجدتنه ولكن خالجتكن الرغبة في تجربة شيء آخر… فانطلقن للبحث عنه مجدداً!»
تصوير: بثينة الحارثي. التصميم: لورا جين براون. رئيس التحرير: أوليفيا فيليبس. المكياج: كاسيا دومانسكا. كل الجمال: سيفورا الشرق الأوسط. منتج رئيسي: ستيف هوكر. مساعد التصميم: ميرهان رأفت.
من عدد شتاء 2023 من مجلة Harper’s Bazaar السعودية
