عين بازار: الفنانة ريم الفيصل تلتقط السكون بين الحياة والموت
تبتكر الفنانة ريم الفيصل سياقًا خوارزميًا يدور حول فلك رمادي متناغم.. «لا أضع تواريخًا لصوري؛ لأني اعتبرها موضوعًا واحدًا يدور حول: الوجود، وعلاقة الإنسان بربه، ومحيطه»
تسعى فنون صاحبة السمو الملكي الأميرة ريم الفيصل آل سعود – إلى تناول أبعاد الحياة والموت؛ عبر التقاط مناظر من الطبيعة ولمحات من الحياة اليومية للناس. وقد شرعت الفنانة في توثيق تجارب الحجاج أثناء مواسم الحج منذ التسعينيات، متتبعة رحلاتهم الجسدية والروحية، حيث توثق سلسلة الصور التي عُرضت ضمن بينالي الفنون الإسلامية الأوّل: مشاهد الحجاج خلال وصولهم إلـى المملكة العربية السعودية عبر البحر والجو، بنيّة أداء مناسك الحج في مكة المكرمة.
تعتز المصورة الرائدة بهُويتها: كمسلمة، سعودية، وعربية؛ وتؤكد رسوخ تلك الأُسس على مدى حديثها مع هاربرز بازار. تمامًا كما في حديث سموها أثناء حوار «مفلمين 2022» المقام من ردهة – بداخل بيت الملز، إذ تضمّن الحوار: التأكيد بشأن بناء الأعمال الفنية من منطلق راسخ« أعتقد أنه يجب أن يكون هناك مرجعية ثقافية وتاريخية وتقنِية في أي فن.» حيث تُظهر فنون سموها ذلك الشمول عبر لقطات تنبع من خبايا ناس المدن، في: مكة، جدة، مراكش، القاهرة، أو حتى من داخل الصين والولايات المتحدة الأمريكية.
يمكن الافتراض بأن السر في أعمال الفيصل؛ يكمن في ممارسة التصوير كفن أدائي قائم عبر الخلوة «طريقة تصويري: أحاول قدر الإمكان أن أمحي وجودي أنا؛ بحيث من أمامي يحكي لي قصته وليس أنا التي أفرض قصتي عليه – أنا أكتشفها! هو (تصيد أو صيد للصورة) بينما تظهر اللحظة وضع أزلي، وتكون سريعة جدًا؛ دون معرفة أين ستظهر، لذلك عندما أذهب للتصوير؛ أسير بعض المرات لمدة 13 ساعة في اليوم (مشيًا فقط)، قد ألتقط 1000 صورة ولا أخرج إلا بصورة واحدة».
وبتأمّل الرابط الفكري بين الفنان ومقتني عمله الفني؛ تشير سموها أثناء الحوار ضمن ضيوف «مفلمين 2022»، بأن: «تجربة رالف جيبسون لا يفرضها على الآخرين؛ فمثلما تفضّل الفنّان عبدالله العزاز: لا يمكن أن نحصر كل الفنانين في مجال واحد!..» وتُكمل: «أنا جدًا عبثية في طريقتي أثناء التصوير، ولا أحدد الصور التي أريد التقاطها أبدًا». كما تنتقي الفنانة ما تشاركه مع العالم بدقّة متناهية: «90% من صوري لم أعرضها؛ حوالي 2500 صورة بعد التحرير؛ عُرض منها بالكثير 100 صورة في العالم. الهاجس بالنسبة لي هو القياس الذهبي – والكمال لله».
عند ختام حوار بيت الملز؛ تساءل الفنان أيمن ديدبان، بقوله: «فكرة الصورة هي: الشيء المقاوم للموت، والذي يسعى إلى الخلود؛ وباعتبار الصورة تحولت إلى محتوى رقمي، هل هذا التحول والأفكار الإنسانية البسيطة بشأن الرغبة في البقاء لأطول مدة ممكنة – مهددة بتحويلها إلى رياضيات؟!.»
تجيبه الفنانة الفيصل فيما يلي: «إذا افترضنا أنك تحيا في أصل الشيء؛ العالم كله حساب، نحن كلنا أرقام – فهي ليست مهددة بالأرقام هي أرقام أصلًا!. مثل الإنسان: جسدي وفكري، يعيش الإنسان دائمًا بين عوالم وليس عالم واحد. ومثل ما أقول دائمًا: الجسد هو أقل شيء في الإنسان؛ هو حافة جبل الجليد! وهذه قوة الفنون إذ هي الشيء الوحيد الذي من الممكن بطريقتها أن تكشف المستور (وهي الواقع الحقيقي للإنسان: الواقع الخفي) والذي هو الحياة الأصلية والأزلية والأغلب، الجسد هو صورة فقط والواقع أكبر بكثير!.».
تعود سلسلة «عين بازار» من أجل التعمق في فكر فناني المملكة، لتلهمك اليوم بلمحات من فكر الفنانة الأميرة ريم الفيصل:
- الأسود والأبیض ھو … ؟
هو ليس بأسود وأبيض؛ هي درجات الرمادي، الحياة هكذا؛ ليس هناك أسود وأبيض هناك درجات رمادي، نحن نتأرجح بين الخير والشر! (هل هناك سبب معين لاعتماد ذلك في أعمال سموك الفوتوغرافية؟) نعم، إلى الآن لم أستعمل ولم أعرض أو أصوّر إلا بالأبيض والأسود، لأن الأبيض والأسود لديه عمق فلسفي وميتافيزيقي – قليلًا ما يوجد في الألوان، مما يجبر الإنسان أن يظهر عن المألوف، محيطنا الطبيعي والأشياء بالألوان – بينما الأبيض والأسود يتيح لك الرمزية أكثر.
- كیف ھو واقع العالم الیوم برأیك؟
واقع العالم فيه متغيرات كثيرة: تغيرات جيوسياسية، تغيرات اقتصادية، نمو دول، انهيار دول! بمعنى إذا قرأ الواحد التاريخ بصراحة؛ فواقع العالم كواقع أي زمن ومرحلة، هناك تحديات وهناك فرص ممتازة للتحسين والنمو، نفس الشيء!.
- ما الذي یدفعك للاستیقاظ وممارسة حیاتك الیومیة؟
ربي والقدرة الإلاهيّة، الحمد والشكر لله! الله يوفقنا لطاعته ورضاه.
- كیف یمكن وصف رحلتك الفنیة حتى الآن؟
الحمد لله، من ناحيتي أنا مبسوطة من هذه الرحلة الفنية ولله الحمد؛ لأني عملت الذي أريد. بالطبع واجهت صعوبات وتحديات؛ كان من الممكن أن أواجه هذا في أي مسار أخذته في حياتي كأي إنسان، الحمد لله أن وفقني ربي وأعطاني الفرصة والموهبة والإمكانية أن أنجز في تصوير الفن.
- ما ھو مصدر إلھامك الأكبر في ھذه الفترة؟
أنا دائمًا مصدر إلهامي أولًا وآخرًا: أسس الحياة والموت، بمعنى: وجود الإنسان، علاقته بربه، علاقة الإنسان بالإنسان، تأثير الطبيعة على تصرفات الإنسان؛ هذه الأسس التي أستعملها في كل تصوير.
- كیف تبدأ طقوس ممارستك الفنیة؟
طقوسي كأي إنسان آخر؛ استيقظ الصباح ولا شيء جديد! لا يوجد فرق عن أي إنسان ثاني.
- ما ھو مفھوم السعادة برأیك؟
الرضا بقضاء الله!.
- ما ھي اللحظة الفارقة التي غیرت رؤیتك للحیاة؟
ليست هناك لحظة فارقة، هي تدرجات من أشياء مختلفة: تعامل الناس معك، مرض جاء لأحد، موت إنسان، دول، حروب؛ هذا يشكل نظرة الإنسان للكون ومحيطه منذ الطفولة. خصوصًا في العالم العربي؛ هناك دائمًا أزمات وأشياء تحصل حولنا -الحمد لله، الله يديم الأمن والأمان على بلادنا- ولكن كمسلمة وعربية أتأثر بما حولي طبعًا! وينطلي هذا التأثير على نظرتي للحياة.
الحمد لله رؤيتي للحياة متشكلة منذ صغري، أقول لك اللحظة الفارقة؟ يمكن وفاة جدي الملك فيصل أو بالأحرى قتل الملك فيصل!. بمعنى هي أول ذاكرة بالنسبة لي، كنت طفلة؛ وهذه شكلت اهتمامي كذلك بالموت وبضعف الإنسان أمام الموت! نعم شكّلت نظرتي في الحياة – أكيد.
- أول عمل فني قمت باقتنائھ؟
أنا دائمًا أحاول شراء أعمال فنية لـ مصورين فوتوغرافيين أحبهم! معروفين في العالم، قد يكون أول عمل قمت باقتنائه لمصور أمريكي مشهور، اسمه: رالف جيبسون، اقتنيته منذ حوالي ثلاثين سنة تقريبًا.
- 5 كلمات تصف ھویتك؟
أول شيء مسلمة؛ لا شك هذه هويتي وتؤثر الهُوية الإسلامية على كل أعمالي، عربية لا شك وسعودية؛ هذه الـ 3 كلمات كلها مختلطة، هي هوية أساسية. كذلك الجدّية في العمل. والتفرّد: أحب أشتغل لوحدي، لا أحب جماعة، أحب التفرد والوحدة (سموك نقدر نقول الاستقلال؟) ما هو استقلال بقد ما هو.. ممكن، ممكن!.
- مكان یشبھك؟
مكان يشبهني؟! كل الأماكن، أنا أحس بأنني لست غريبة في أي مكان؛ دائمًا ما أجد شيء أستكشفه في المكان، أجد دائمًا مميزات في كل مكان في العالم.
- أقرب عمل فني إلى قلبك؟
أحب الأعمال الفنية التي فيها – كذلك: الوحدة والتفرد، الطبيعة أو السكون. هي أعمال من بلاد مختلفة: بالطبع الحج من الأعمال التي أحب، صور معينة من الصين، وصور معينة من المغرب؛ بمعنى صور يغلب عليها السكون .
- ممارساتك المعتمدة من أجل كوكب أرض أكثر استدامة؟
الكوكب لا يحتاج أن نعمل له أي شيء، الكوكب مستديم منذ البدء؛ الأرض لها ملايين السنين ماشية، هذا من كِبر الإنسان أن يظن أن بمقدوره التأثير على الكون من حوله. هي ليست استدامة؛ وإنما إماطة الأذى عن الناس، التي هي سنة أساسية في الإسلام: من ناحية أن الواحد لا يكسر الطرق والمواصلات، ولا يلقي النفايات، يراعي الأماكن والخدمات، والإنسان والحيوانات كذلك، يساعد أخيه؛ كل هذه الأشياء نحن نطبقها من آلاف السنين ليست بجديدة!.
الاستدامة موضة جديدة… كلام ليس له معنى! (هي قِيم؟) بالتأكيد، القيم الموجودة في الدين الإسلامي من يوم ما ربنا نزّل هذا الدين: راعي الجار، الأم، كبار السن، كن رؤوف بالحيوانات، إماطة الأذى عن الطريق، والسبل؛ من حفر البير وزراعة الشجر – كل تلك الأشياء موجودة في الدين وليست بشيء جديد.
- كتاب أو أغنیة أو فیلم یمثلك في ھذه المرحلة؟
كتاب يمثلني في هذه المرحلة؟ لا يوجد بصراحة، (ولا أغنية ولا فيلم؟) لا! لا يوجد شيء يطري في عقلي. (ماذا عن خلفية حضرتك في مجال الصحافة؟) نعم كان ذلك منذ زمن؛ كنت أكتب مقالات جيوسياسية. (هل هناك مجال أن تُجمع في كتاب كمصدر؟) لا، هذه مرحلة من حياتي قعدت على ممارستها حوالي 10 سنين، جرّبتها وعمِلتها – تعديت هذه المرحلة منذ زمان.
- حلم حیاتك؟
الحمد لله ربي كريم، أنا حققت أحلامي ولله الحمد.
- ملاذك الأخیر؟
الله، الأول والأخير هو الله.
اقرؤوا أيضًا: فوتوغرافيا الأسود والأبيض تُبحر بالأختين هاجر وشذى عبر جزر فرسان
جميع الصور / بإذن من الفنانة ريم الفيصل
