حالة الفن: أعمال فنية شرق أوسطية تباع في المزاد
كشف مسح أجري على المزادات الأخيرة التي طالت الفنون في الشرق الأوسط نقاط قوة المنطقة ونقاط ضعفها، ولا سيما الرغبة في ترميم تاريخها. تقرير ساره حسن
عندما انفجر الربيع العربي في نهاية العام 2010 في تونس، وبدأ ينتشر كحمم بركانية متأججة إلى البلدان المجاورة في منطقة مضطربة أساساً، لم تكن السياسة وحدها التي عانت وانهارت. ففيما شاهد العالم موجات متتالية من المظاهرات العنيفة والاعتراضات، والإطاحة بحكام ظلوا متمسكين بالحكم طوال عشرات السنين، والعواقب الدامية التي تلت ذلك، عانى عالم الفن من ضربة تجارية في فئة كانت تنمو وتزدهر بثبات. فالفن في الشرق الأوسط،من تحف فنية لمستشرقين من القرن التاسع عشر إلى أعمال معاصرة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، بدأ يفرضمبالغ عالية على مسرح الفن العالمي.
بدأت هذه الظاهرة عام 2006 مع افتتاح صالة كريستيز للمبيعات في دبي والمزاد العلني الذي تلاها، وهو أول مزاد علني لفن معاصر وحديث دولي في منطقة الشرق الأوسط. ثم أبصرت دار سوذبيز للمزادات النور في الدوحة عام 2009 بعد افتتاح مكاتبها وصالة مبيعاتها في قطر عام 2008. وبفضل دفق الثروات التي تدعمها أسعار النفط والغاز القوية في المنطقة والاهتمام الكبير بكل ما هو حديث وجديد وأكاديمي ومعلوم، رأت دور المزادات نفسها في موقف قوي يدفعها إلى تعريف منطقة الشرق الأوسط وبلدان الخليج برؤى الشرق الرومانسية على طريقة جيروم، ودويتش، ودينيه وبريدغام، وتوفير منصة للمواطنين تتيح لهم الحصول على الأعمال التي يقدمها فنانوهم وتشكيل مجموعات شخصية كبيرة. ولكن عام 2010، وصل هذا كله إلى مرحلة من الركود، وأصبحت الأسواق مرتهنة بنغم الثورة، وتحول انتباه الشراة إلى مسائل طارئة أكثر إلحاحاً وأهمية. فبطُلت موضة الفن المشرقي، وبات الفنانون الذين انشغلوا في الماضي في إنتاج أعمال جديدة يبدون قلقهم حيال وضع بلادهم.
أما السنوات التالية، فقد شهدت بلوغ المنطقة مستويات جديدة في السوق واستعادة التجارة بريقها وعودة جمع الفنون والتحف. والفضل في ذلك يعود إلى دور المزادات التي ساهمت في إثارة الموجات والنمو السريع للمعارض الفنية المحلية مثل “آرت دبي” الذي يشكل حجر زاوية مهماً في منطقة الخليج، وبالنسبة إلى التجار والصالات الفنية التي تعمل معه وتؤيده. ولكن على الرغم من النسب الكارثية والنتائج السيئة المسجلة خلال العام 2012، باعت دار كريستيز أعمالاً فنية بلغ مجموعها 200 مليون دولار أمريكي في الإمارات، بينما دخلت دار سوذبيز التاريخ عام 2013 عندما حققت أعلى رقم في مبيعات المزادات العلنية الخاصة بالفن المعاصر في منطقة الشرق الأوسط تجاوزت مبلغ 15 مليون دولار – وباعت لوحةIcons of the Nileلشانت أفيديسيان الذي ولد في مصر، مقابل ١،٥٦٥،٠٠٠ دولار، محطماً بذلك أعلى رقم قياسي حصل عليه فنان عربي حي. وبعيداً عن السياسة، طرحت شبكة الإنترنت نزعة مهمة أمام هواة جمع الأعمال الفنية الدوليين والمواطنين السابقين للشراء من مناطق زمنية ودول مختلفة، والحصول على قطع نادرة يقدمها فنانون جدد واعدون كوسائل لعرض أفضل ما في إرثهم الثقافي في الخارج. في بداية عام ٢٠١٣، بدأت السوق تستعيد نشاطها وازدهارها وظل هذا الوضع على حاله حتى أواخر العام 2014. وخلال هذه الفترة، تركزت الأضواء مجدداً على فن الشرق الأوسط واعتبر مجدداً نوعاً مفضلاً لهواة الجمع الجدد والمخضرمين على حد سواء. وإلى جانب ذلك، نفحت فرص الشراء المتساوية بين القطع الفنية المهمة في عالمي الفن الإسلامي والفن المشرقي – مثل لوحةThe Palace Guardبريشة لودفيغ دويتش في دار سوذبيز لندن، ولوحةKufic Qu’ran Folio on Blue Vellum في دار كريستيز في لندن، اللتين عرضتا في المزاد أثناء أسبوع الفن الإسلامي في أبريل- الحياة من جديد في أنواع الفنون هذه، ما سمح للشراة الإقليميين بالافتخار بماضيهم وعدم الاكتفاء بالنظر إلى المستقبل فحسب.
وقد عززت نتائج المبيعات الأخيرة والأعمال الفنية التالية في المزادات نوعية الشراء الفاخرة هذه في القطاعين العام والخاص. فمصر مثلاً، التي حوّلت الأنظار عن سوق الفن عام 2011، باتت اليوم مسرحاً لبعض أهم أعمال فناني الشرق الأوسط نجاحاً التي تباع في المزادات. وشهدت داركريستيز في دبي بيع لوحة Construction of the Suez Canal لعبد الهادي الجزاري بمبلغ ١،٠٢٣،٧٥٠ دولار في مارس 2014، ولوحتين لمحمود سعيد احتلتا المرتبتين الأوليين في مبيعات أكتوبر من ذاك العام.فبيعت لوحته المذهلة Bergère à Alameinبمبلغ ٨٦٩،٠٠٠ دولار ولوحةAprès la pluie, au Liban بمبلغ ٧٠١،٠٠٠ دولار. وبتقديم أفضل الأعمال الفنية المعاصرة في الشرق والغرب، سرّعت دار “سوذبيز”في الدوحة الوتيرة مع بيع تحفة ‘Untitled, 2009′” للفنان أنيش كابور الشعبي بقمية ١،٥٩٥،٠٠٠ في أكتوبر 2014، وكان هذا أعلى سعر يحصل عليه فنان في منطقة الشرق الأوسط. واليوم، باتت الدار تستقطب هواة جمع أهم عقب معرض “آرت دبي” مع المعروضات التي قدمتها في أبريل عام 2015 وتضمنت أعمالاً لأحمد مطر وفرهاد موشيري، وشانت أفيديسيان، وعلي بني صدر الذي ضاعفت تحفته “Black 3” عام 2009التوقعات ثلاث مرات لتباع في دار كريستيز في دبي في شهر مارس الماضي بمبلغ ٣٣٩،٧٥٠ دولار، محققة بذلك رقماً قياسياً جديداً للفنان الإيراني. لطالما شغل الفن الإيراني مركزاً مرموقاً في المزادات، من دون ظهور أي علامات للتوقف عن ذلك بفضل الأعمال الفنية الحديثة والجديدة التي تذكر بالماضي مثل أعمال منير شحرودي فرمنفرميان التي تعرض في “غوغنهايم”، في نيويورك، وأعمال باريف تنافولي التي تعرض في متحف “ذا دايفيس” في كلية ويلسلي، في مساشوستس، وأعمال شيرين نشأت التي تعرض بدءاً من مايو في متحف هيرشهورن في واشنطن.
أما الجمهورية العراقية فقد تقطف ثمار أعمالها التي انتظرتها طويلاً بفضل مزاد “بونهامز” المقبل في لندن تحت عنوان “قرن من الفن العراقي” كجزء من مبيعاتها السنوية للفنون الشرق أوسطية المعاصرة والحديثة. ويجدر بالمرء رؤية لوحة Lamea الشاعرية المغرية التي رسمها الفنان الشهير جواد سليم ليؤمن بقوة الفن في رفع المعنويات.
قليلة هي الأسواق الفنية التي تتأثر بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية مثل أسواق الشرق الأوسط والعالم العربي، بدءاً من أسعار موارد المنطقة المتقلبة باستمرار وصولاً إلى الارتباك والحيرة والاضطراب السياسي المنتشر. ولكن يبدو أنّه ما من وقت أفضل لجمع الأعمال الفنية أكثر من الآن. ويعود الفضل في ذلك إلى اهتمام المواطنين المحليين الكبير في المطالبة بإرثهم مع دور المزادات التي لا تكل جهودها وأرست أسسها في منطقة الخليج، والشراة الواثقين في الخارج الذين تحيرهم الأعمال التي تنبعث من جديدمن تحت الرماد في المنطقةمثل طائر الفينيق. قدم معرضArmory للفن الدولي الحديث في مدينة نيويورك عام 2015 قسماً مؤلفاً من 15 منصة تركز على فن الشرق الأوسط. وهذا لا يفاجئنا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الرحلة التي استمرت عقداً من الزمن وقام بها الفن الشرق أوسطي الحديث والمعاصر، واختتمت بمعروضات أكاديمية عن الفن الإسلامي والمشرقي.
نتمنى أن تتمكن النزعات الحالية من تبديد الشك وقلة ثقة الأشخاص الذين لا يرون سوى جزء واحد من العالم يرغب في هدم المعروضات الثقافية بدلاً من حماية التحف من الأعمال الفنية الماضية والحاضرة والمستقبلية التي تتطلب اهتمامنا واحترامنا.
اقرؤوا أيضًا: مجوهرات من أعماق البحار تقدمها لكم بيجوم خان
