الحياة أكثر من مجرد محتوى: كيف يمكن أن نبتعد عن ضجيج العالم الافتراضي؟
هل لا يزال للعفوية والرضا عن الذات مكان في عالم أصبح كل شيء فيه تقريباً عبارة عن محتوى؟
للمحتوى وجوه كثيرة، لكن لا شك أنه غيّر وجه عالمنا الى غير رجعة. بعد سنوات من تصفح منشورات الحياة المثالية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والسعي لمجاراة خوارزمياتها، بات ما نراه على هذه المنصات المعيار الافتراضي للنجاح في الحياة الواقعية. استهلاكنا للمحتوى بشكل مفرط يجعلنا ندور في حلقة مفرغة تؤثر سلباً على صحتنا النفسية وتطلعاتنا، بحيث بدأنا نفقد التواصل مع ذاتنا الحقيقية.
الاستهلاك الذي يستهلكنا
يرتقي استهلاك المحتوى الى مستوى تصعب مجاراته في منطقتنا، اذ يميل مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط إلى قضاء وقت أطول من غيرهم على شبكات التواصل وفقًا لبحث أجرته أكاديمية الاعلام الجديد. كما أن نشاطهم الاكتروني يمتد على منصات متعددة، بمتوسط 8.4 حساب للمستخدم الواحد. في البلدان الأكثر اهتماماً بالمحتوى كالإمارات العربية المتحدة، يمكن أن يصل المعدل إلى 10.5 حسابًا لكل شخص، وهو ما يعد من بين أعلى المعدلات على مستوى العالم، استنادًا إلى بيانات GWI.
اضافة الى تواجدهم على أكثر من منصة، يمضي المستخدمون السعوديون ما يعادل ثلاث ساعات و24 دقيقة يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي بحسب تقرير أجرته «وي آر سوشيال». لكن هذا الرقم لا يأخذ بعين الاعتبار اجمالي الوقت الذي يقضيه المستخدمون على الانترنت بشكل عام والذي قد يصل معدله الى أكثر من ثماني ساعات في اليوم. بين مواكبة تحديثات المشاهير والمؤثرين على انستغرام ومجاراة آخر صيحات تيك توك، دوامة المحتوى لا تنتهي.
في حين أن السوشيال ميديا لا تخلو من مصادر الالهام والاكتشافات، فإن التدفق المستمر للمحتوى المنمق الذي تغذينا به منصات التواصل غالبًا ما يشوّه نظرتنا للواقع، مما يؤدي إلى تضخم التوقعات والوقوع لا شعورياً في فخ المقارنة المستمرة مع الغير. وهذا بدوره يدفعنا نحو الافراط في الأداء لاثبات أنفسنا، مما يستنزف طاقتنا ويؤثر على صحتنا النفسية وإنتاجيتنا.
حالما ينتشر ترند جديد على وسائل التواصل الاجتماعي، ينجح ترند آخر في سرقة الأضواء. الأسرع في اتّباع كل ما هو شائع هم المستفيدون بينما ينتهي الأمر بالبقية منّا في محاولات يائسة للّحاق بالقطار. لكن قبل أن نواصل السباق، هل حان الوقت لنتوقّف قليلاً ونسأل أنفسنا ما إذا كان هذا الجري المستمر عبر دهاليز السوشيال ميديا يستحق كل هذا العناء؟
هل لا يزال للابداع مكان؟
توهمنا حساباتنا على وسائل التواصل الاجتماعي بكوننا في موقع السيطرة. لكن في الواقع، لسنا أكثر من مجرد لعبة في أيدي خوارزمياتها، التي تتعهد بإلهامنا ولكنها تنتهي بالأحرى في تقييد إبداعنا وتنميطه. حتى متع الحياة الصغيرة تبدأ بالتلاشي في ظل محاولات لا تنتهي لأخذ اللقطة المثالية أو تصوير أفضل مقطع فيديو أو العثور على الكلمات المناسبة.
أصغر التفاصيل وحتى المنشورات العفوية أو «الفوتو دامب» باتتت في غاية التنميق في عصر صناعة المحتوى. بدلاً من اعطاء أنفسنا فرصة للابداع بحرية، غدونا ضحية الرغبة المستمرة في معالجة وتنظيم المحتوى. قد تتساءلون ما هو الفرق بين الاثنين. الجواب بسيط للغاية: الإبداع يخترق ويوسّع حدود الخيال بينما يضع التنظيم حدودًا وأطراً خيالية للإبداع.
بدلاً من إنشاء المحتوى الذي يروق لنا في أي وقت، ينتهي بنا الأمر إلى تعديل ما نحب ليناسب ما يبدو أن الناس يحبونه في الوقت الراهن. أفضل طريقة لمواجهة هذا الصراع المستمر هي إعادة النظر في مقارناتنا وفهم خصوصيتنا. مسارنا في الحياة فريد من نوعه، ويعود الأمر لنا تمامًا في الطريقة التي نختار أن نعبر بها عنه. سواء تجاوب الآخرون مع المسار الابداعي الذي نختاره أم لا، فإن قيمته تبقى في كونه خاص بنا ويحاكي شخصيتنا.
إذا اعتادت دائرة متابعينكم ومعارفكم على وسائل التواصل الاجتماعي على المشاركة المفرطة للمنشورات أو تضخيم الانجازات، فهذا لا يعني أنه يجب عليكم الضغط على أنفسكم لمجاراتهم. وكذلك قد لا تكون جميع الحسابات التي تتابعونها مناسبة لكم. ركزوا بالأحرى على التفاعلات التي تعزز الإلهام والتعبير عن الذات ودربوا أنفسكم تدريجيًا على مقاومة الضغط المستمر لاظهار حياتكم كمحتوى جذاب على الإنترنت.
ضجيج عالم الأضواء الافتراضي
في عالمنا اليوم، الأفراد وحتى العلامات التجارية قد يقومون بأي شيء لتحقيق الشهرة عبر السوشيال ميديا. اذا باشرتم ببحث سريع عبر الانترنت، تجدون عدداً لا يحصى من المقالات حول كيفية إنشاء محتوى «فايرال» أو سريع الانتشار، الا أن جميعها لا تدعو للثقة الى حد كبير. في الحقيقة، ليس هناك وصفة سرية لتحقيق الشهرة على شبكات التواصل، حتى لو كانت لديكم كل الإمكانيات. وفي حال تمكنتم من ذلك، فعلى الأرجح أن المحتوى الخاص بكم قد ظهر في المكان المناسب في الوقت المناسب، دون أن يعنى ذلك بالضرورة أنه أفضل من المحتوى المتداول.
الانتشار على هذا النحو لا يدوم إلى الأبد. إنه ليس نادرًا فحسب، بل أنه قصير الأجل كذلك. قد تحقق نسبة صغيرة جدًا من المحتوى الشائع انتشاراً واسعاً، ولكن لا بد أن تعود وتندثر في بحر النسيان بمجرد ظهور مقطع أو منشور شائع آخر. أما لحظات الحياة الثمينة فتدوم إلى الأبد، مما يجعل تحويلها لأشكال مختلفة من المحتوى يعترض عفويتها ويخفف من بريقها في الكثير من الأحيان.
مشاركة المحتوى أكثر من مجرد بحث عبثي عن الشهرة، كما أن الحياة أكثر بكثير من مجرد محتوى. من المهم تحديد الخط الفاصل بين الخاص والعام. إذا لم تكن صناعة المحتوى مهنتكم، ليس هناك من سبب على الإطلاق لجر أنفسكم ومن حولكم إلى دوامة البحث عن الكونتينت عند كل مناسبة. تأكدوا من أن لحظاتكم هي لكم أوّلاً، قبل أن تكون لأي شخص آخر.
لنتذكر أن ما نراه على وسائل التواصل الاجتماعي عبارة عن تنميق أو تضخيم للحظات عادية من حياة الأشخاص وليس بالضرورة توثيق حقيقي لأفضل لحظات حياتهم. لا أحد موجود على السوشيال ميديا لمشاركة إخفاقاته أو إبراز عيوبه. وحتى عندما يشارك الناس معاناتهم أونلاين، فغالبًا ما يتم ذلك من خلال العدسة المفلترة للمحتوى.
نحو التواصل الحقيقي
في المرة القادمة التي توشكون فيها على الانتظار للحصول الصورة المثالية لطبقكم قبل تذوقه أو تجربة عشرات الوضعيات لاظهار ملابسكم على أفضل نحو، اسألوا أنفسكم: لمن أفعل هذا؟ ما هي القيمة المضافة التي يجلبها هذا النوع من الجهد إلى حياتي؟ قد تساعدكم الإجابة على مثل هذه الأسئلة في تقييم نظرتكم الى الأمور والحد من تأثير هوس المحتوى على حياتكم اليومية.
من الصعب التخلص من مفاهيم وسائل التواصل الاجتماعي الراسخة بعمق في نمط حياتنا الراهن. القول أسهل بكثير من الفعل في هذا الصدد. فيما قد يكون بناء جسور التواصل مع أشخاص جدد عبر منصات التواصل تجربة مرهقة، فان الانفصال عن عالم السوشيال ميديا يمكن أن يتطلب جهداً أكبر. قد يستغرق تحديد إيقاعنا وأولوياتنا فيما يتعلق باستهلاك المحتوى البعض من الوقت حتى يتبلور، لكنه في النهاية أفضل طريقة لحماية أنفسنا وتعزيز إدراكنا لذاتنا.
الشخص الوحيد الذي علينا تغذية التواصل معه قبل أي أحد آخر هو ذاتنا. قضاء الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي لفترات طويلة يوميًا يشوش عقولنا ويستنزف طاقتنا، وبالتالي يعيق مساحة التفكير الذاتي والإبداع. تداول المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي عملة متقلبة، وكلما زاد ازدحام المشهد، كلما انخفضت قيمة المشاركة فيه. لنحذر من ترك العالم الافتراضي يحدد مسار حياتنا.
الحياة أكثر من مجرد محتوى من عدد هاربرز بازار السعودية لربيع 2023.
الصورة من تركيب أوسكار يانيز
