شمالات: دفء البناء الطيني التراثي يصور قرّة العين وحميمية المكان
تقيّم الفنانة مها الملوح تجربة تصميمية للهوية السعودية المعاصرة عبْر بناء شمالات بالتعاون مع فريق سين معماريون
لا تزال الفنانة مها الملوح تكرّس أيامها بتتبع آثار الهوية المحلية وتراكماتها، ابتداءً بمحيط منزلها ومسلّمات حياتها اليومية؛ ووصولًا إلى دفئ يربطها ببيوت الطين داخل حي الطريف التاريخي في الدرعية «منذ بداية الألفية وأنا أبحث؛ كنت أصوّر الطريف أواخر التسعينات وأحببت المنطقة حتى قبل ترميمها. سعيت لعدة أعوام أن أجد لي بيتًا حول المنطقة. وأخيرًا، بداية العام 2013 تمكنت من اقتناء هذا البيت الذي قال بشأنه البائع: (لا ينفع، متهالك ولابد من هدّه!)».
فكرة شمالات
ألهمت مساعي بلادنا المباركة تجاه صون تاريخ الدرعية ورعاية علومها؛ فِكر الفنانة مها الملوح من أجل السعي في سكينة تجاه مشروعها الفني شمالات. إذ قام المشروع بإعادة تأهيل بيت طيني – على مدى 10 أعوام، حيث يشكل اليوم مساحة حاضنة لتلاقي المبدعين وتبادل الفكر بشأن الفنون، عبر صالات تتيح عرض الأعمال وتتسع لإقامة المجالس الحوارية – بمرونة في التصميم تحوي مختلف الإمكانات.
كما يعدّ شمالات وجهة لتذوق الأطعمة والمشروبات المحلیة؛ مع إمكانية انتقاء تذكار فريد من داخل مبيعات البيت الشاعرية. لیقدم المكان تجربة تعكس دفء المنزل؛ تلتقي بداخله فنون العمارة وأساليب تذوّق الثقافة المحلیة «وجود القهوة لأنها تجمع الناس، عملنا على القهوة السعودية والشاي مع علامة تكية. وحرصنا على استمرار ثقافة القهوجي».
اليوم یعتبر شمالات تجربة فنیة رائدة لـ مها الملوح، وامتداد لمسیرة تعكس اھتمام الفنانة بھویة وثقافة نجد، عبر ممارسات (عُرضت منذ العام 1978 بجدّة) تدرّجت فيها من الكولاج على اللوحة، ومن ثم أعمال الفوتوغرام والقطع التركيبية. وصولًا إلى تهيئة بيت طين باعتبار مختلف مراحل إعادته على قيد الحياة «لنكمل الترميم بطريقة عصرية قمنا بإضافة مبنى جديد في الحديقة ليكون مساحة من أجل العرض، ستخدم هذه المساحة الشباب والناشئين الغير قادرين على الوصول لصالات العرض الكبرى؛ من فنانيين، كتّاب، ومبدعين مهتمين بالقطاعات الإبداعية».
إعادة تعمير البناء الطيني التراثي
حرصت مها الملوح على استيعاب روح البناء لكافة مراحل تاريخ المكان، عبر التعامل مع ذات المواد التقلیدیة والمحلیة أثناء الترمیم (الطین واللبن والقش) للجدار، إلى جانب اعتماد (الحدید والزجاج) للأبواب والنوافذ، (الحجر) للأرضیات والأساسات والأعمدة. كما تم مزج تقنیات ومواد حدیثة للبناء الطیني من أجل تطویر واختبار إمكاناته – في سبیل تطویر العمارة الطینیة المحلیة ودفعھا نحو المستقبل. «أدخلنا التكييف في الغرف ليلائم حياتنا العصرية ويمكّننا من استخدام المبنى على مدار السنة، أصريت كذلك أن نستخدم حجر الرياض والنور والأسقف بطريقة عصرية، كما عملنا على تبديل الأبواب لتكون عاكسة للضوء. الهدف (ترميمه بطريقة تلائم احتياجات العيش المعاصرة) لم يكن هناك أحد لديه الاستعداد لفعل ذلك كتجربة؛ ولكن لضرورة الالتزام بالرؤية الفنية – كان يجب علي المجازفة».
يعكس بناء شمالات مرحلة لتطور العمران المحلي التقلیدي؛ ونموذج لدوام الحیاة في الدرعیة التاريخية. إذ تكمن قناعة مؤسسته بأن التراث في حقیقته «بنیة تاریخیة متغیرة؛ لا یمكن لمجتمع ما أن ینجز تطورًا صحیحًا في معزل عن فھمھا واستیعابھا». فقد تم ترمیم بيت الطين بالحفاظ على أكبر قدر ممكن من العمران الأساسي ومن ثم تمكين المعاییر العمرانیة المعاصرة، بمغزى تشكيل نموذج ترمیم للمباني التراثیة بصورة غير مسبوقة في المملكة. «تخرّجت ابنتي سارة بهندسة معمارية وساعدتني في المشروع منذ البداية، أسست هي ونجود السديري (سين معماريون) وأكملوا معي المشروع. لم يكن سهلًا، وعند التمام والبت بالتصاريح أوقفتنا الجائحة. الحمدلله اكتمل المشروع الآن».


افتتاح شمالات مطلع نوفمبر 2023
فِكر الفنانة مها الملوح
تُقارب أعمال الفنانة في مجملها بين جيل وآخر عبر إعادة تصوير قطع من اليوميات المعتادة، كبيان صارم يعمل على بقائها ويدعوا إلى صونها «كل جيل يورّث انتاجية إبداعية للذي يليه، ما الذي سنتركه بعدنا!» كان هذا الهاجس الذي رافق الملوح على مدى ممارساتها الفنية؛ والذي تتحدّث بشأنه عبر لغتها الخاصة «أعبّر بالفن». إلى جانب تقديم الأولوية دومًا لعمار فكرها وتنشأة صغارها – باستدامة تمكّن من رؤية أنه «كيف للأمومة أن تُحدث أثرًا تحتضنه متاحف العالم!».
بذلك تعمّر مها الملوح طابع غير مسبوق في ممارسة الفنون؛ تنموا فيه أعمالها بنموّ صغارها «كانت رؤيتي للمشروع واضحة، ورغم التساؤلات من حولي إلا أن البنات كانوا على وعي بطبيعة عملي» التي تعكس الطبيعة المتغيرة للتراث بطريقة ملموسة، وذلك امتدادً لعمق إيمان مها برسالتها الأشمل «خلق الأثر الباقي من حولها».. إذ عملت على تحقيق ذلك الأثر عبر تتبع مراحل المجتمع بصورة استثنائية؛ ومن ثم حرصت على تقديمها للأجيال القادمة ضمن مقتنيات أعرق متاحف العالم «هكذا ستستمر أعمالي كأعمال سعودية تعرّف العالم على ثقافتنا ويراها أكبر قدر من الناس حول العالم».
تاريخ شمالات وقرّة العين
بالتساؤل عن السر وراء اسم المكان شمالات. فإنه: إشارة لجبل شمالات “شمام” التاریخي الذي یتكون من قمّتین غرب مدينة الریاض بمحافظة القويعية «استلهم الاسم لكون الجبال ترمز إلى القدرة على الرؤیة من وجھة نظر أشمل، كما للجبال رمزیّات تعبّر عن القوة والصلابة، الثبات والخلود، الحزم والسكون، إلى جانب صفات تكتسيها العظمة والشموخ. بينما تمثل الجبال من الناحیة الروحیة حالة من الوعي الكامل». كما تم توظيف الجبل هنا كدلالة على ما تعكسه قيم منطقة الدرعية التاريخية من سموّ الأجداد، بعد أن اكتسب جبل شمالات “شمام” أھمیة أدبية في الشعر العربي الجاھلي، وتغنّى به شعراء المعلقات وخلدوا اسمه في أشعارھم.
«شمالات، فن منّنا ويشبهنا!»
ختامًا، فإن القيمة الأهم في اعتبار فنانة شمالات تكمن في أن «الأثر الأكبر يبدأ من البيت»، وقد أشادت الوالدة منيرة البيز -رحمها الله- (والدة الفنانة مها)؛ بتفرد أعمال ابنتها حيث أكدت بأنها أعمال «لم يتمكن الكل من استيعابها» آنذاك!. لينتقل حس قرّة العين إلى مها الملوح ومن ثم بنتيها: نورة وسارة العيسى، وصولًا بهما إلى بينالي الفنون الإسلامية الأوّل 2023 – بعنوانه «أوّل بيْت».
ويمتدّ الأثر من خلال مساعي شمالات القائمة على صون موروثات ثقافتنا، برفقة سارة العيسى ونجود السديري (سين معماريون). ليصل إلى نطاق يسع بيتنا الأكبر «بلادنا» حيث تكمن البيئة المباركة لتقرّ أعيننا بها مثمرة!.
الفنانة مها الملوح اليوم
يقدّم عمل الفنانة مها الملوح ضمن باريس – آرت بازل 2023 (Both E30) – غاليري سلمى فرياني، بعنوان: غذاء الفكر – نور وظلمات 2023،إليك المزيد هنا.
الصور بإذن من الفنانة مها الملوح / تصوير نوره الداعج – laurian ghinitoiu
