كيف يساهم جامعو الفنون في تشكيل المشهد الفني في السعودية؟
ما هو دور جامعي الفنون؟ وهل السعودية هي المكان المناسب لتأسيس مجموعة فنيّة؟ يشاركنا حمزة صيرفي، أحد مؤسسي معرض أثر غاليري وأمينة المعارض منيرة الصايغ بآرائهما في هذا المجال
“يلعب جامعو الأعمال الفنية دوراً رئيسياً في تشكيل الحركة الفنية وثقافة الفنون، سواء في المملكة العربية السعودية أو على الصعيد العالمي. ويجسدون عنصراً رئيسياً في عالم الفنون المعاصرة” هذا ما مؤكده حمزة صيرفي، المؤسس الشريك لمعرض أثر جاليري في جدّة، والذي يُعتبر من الوجهات الرائدة في مجال الثقافة والفنون التجارية في المملكة.
سلسلة “فتنة” الجزء الأول، 2018 طلاء أكريليك وتطريز يدوي على قماش كانفاس. 25×10 سم
ينمو مشهد الفنون في المملكة العربية السعودية بشكل ملحوظ بفضل مستويات الدعم والتمكين غير المسبوقة التي توفرها حكومة المملكة لهذا القطاع. وأضاف صيرفي: “نشهد حالياً واحدة من الحركات الفنية الأكثر نشاطاً وحيوية في تاريخ المملكة، وعلى امتداد مختلف مجالات الفنون دون استثناء”.
وكما هو الحال في دول الخليج العربي الأخرى، تقدّم المملكة العربية السعودية استثمارات ضخمة في قطاع الفنون والثقافة، إضافة إلى بناء المتاحف واستضافة المعارض والفعاليات الفنية. وتسهم هذه الجهود في تشجيع ظهور جيل جديد من عشاق الفنون. كما يؤدي تنامي الطلب إلى ظهور حلقة دعم إيجابية تُعزز نمو وتطور الفنون الوطنية.
أيمن يسري ديدبان. شاطىء الحب، 2016. من السيليكون والتربة على ملصقات كلاسيكيّة
وبينما يتمتّع فنانو العصر الحديث بمزيد من الفرص لاتباع ممارسات مستدامة، فإن حضور جامعي القطع الفنية في المملكة لا يزال واضحاً. وتقول إيمان الجبرين: “من أهم الدوافع التي تقود جامعي الأعمال الفنية لاقتناء لوحة ما هي شغفهم بالفنان ورغبتهم بعرض إبداعاته داخل منازلهم. ولكن هناك محفّزات أخرى تتعلّق بالاستثمار الفني، حيث يوجد مجموعة واعية من الأشخاص الذين يعملون بجدّ لدعم قطاع الفن”.
ويساهم جامعو الأعمال الفنية في تشكيل تاريخ الفن المعاصر من خلال قراراتهم وتواصلهم مع عشاق الفنون والعارضين والفنانين واللاعبين الأساسيين في سوق الفن. كما يمكن لجامعي الأعمال البارزين رسم مشهد الفن المعاصر وقيمه، فلهم تأثير كبير في سوق الفن يماثل دور القيّمين الفنيين والنقاد ومدراء المتاحف.
من أعمال أيمن يسري ديدبان، تشيكليتس 2014. ورق قطن خال من الأحماض
ويبدو هذا الدور أكثر عمقاً في المملكة العربية السعودية، خاصةً مع توجه الدولة مؤخراً لزيادة الدعم الحكومي الرسمي للقطاع. ويأخذ الدعم المقدّم للفنانين أشكالاً متنوعةً قد تصل إلى مساعدتهم في الحصول على عمل ضمن معرض أو استوديو أو من خلال الأدوات والمنصات الرقمية الجديدة. ويشير حمزة صيرفي إلى أن اقتناء الأعمال الفنية هو أحد أبرز أشكال الدعم المباشر، وأشار أيضاً إلى أهمية الدعم الذي يقدمه جامعو الأعمال لصالح مبادرات الفنانين المحلية.
يتم توظيف المقتنيات الفنية لأغراض متنوعة على الصعيد المحلّي. كما تؤكد منيرة الصايغ، القيّمة الفنية المستقلّة المقيمة في أبوظبي: “يلعب جامعو الأعمال الفنية دوراً أساسياً في تثقيف الجيل القادم، خاصةً عندما يعبّرون عن نظرة أخلاقية واثقة تجاه مقتنياتهم. فالأعمال المميزة تعكس المجتمع وتحمل أهدافاً ساميةً للحاضر والمستقبل”.
لن أجد مكانا أفضل من هذا قطعة معدنية. 2014
وينتهج جامعو الأعمال أساليب متنوعة في اقتناء القطع، سواء من خلال التركيز على دعم فنانين معينين أو معارض محددة أو منظمات أو معاهد. بينما لا يظهر تأثيرهم على تاريخ الفن المعاصر إلّا من خلال الحلقة الواسعة من خبراء الفن، والتي يبقى فيها أماكن شاغرة لمزيد من الأعضاء.
وبدورها، ترى منيرة الصايغ أن “المجتمع في جميع أنحاء منطقة الخليج العربي يعيش صراعاً بين الأعمال الفنية الخاصة والعامة، ولكن هذه المشكلة بدأت في التراجع، حيث نشأ جدل آخر بين الأجيال يتعلّق بمسألة الخصوصية. ولكن التركيز على مجتمع مقتني الأعمال سيساعد في دعم وتطوير المنظومة الفنّية، باعتبارهم لا يجمعون تلك الأعمال داخل مستودعات محددة، لذلك ينبغي إنشاء مجتمع مفتوح لهم”.
شهد قطاع الفن السعودي تطورات هائلة في مجال تفويض الأعمال الفنية على مدى الأعوام القليلة الماضية. وما يزال العمل جارياً لبناء سياسة شاملة لاختيار الأعمال الفنية وتحديد أطر المسؤولية المشتركة لسياسة اقتناء الأعمال وأدوار جامعي الأعمال في ظل الواقع الجديد. وبدورها، ما تزال المقتنيات الفنية الخاصة والعامة والمؤسساتية بانتظار استجابة مؤسساتها للمهام الملقاة على عاتق أفرادها المؤثرين، كقيّمين وناشرين وجامعين للمعرفة الثقافية.
ويتزامن المشهد الثقافي المتسارع للفن السعودي مع وضع معايير وسياسات جديدة. ففي الوقت الحالي، يشكّل اقتناء الأعمال الفنية واقعاً ديناميكياً متعدد المستويات والمواقع، ويتكوّن بشكل متزايد من المجموعات الفنية الخاصة والمؤسساتية. ولطالما غابت الأعمال الفنية المقتناة من قبل المؤسسات كالبنوك والشركات والهيئات الحكومية عن المشهد الفني العام للمملكة، بغض النظر عن بعض الاستثناءات الملحوظة.
أيمن يسري ديدبان الثور الأبيض، 2014. 25 علبة مناديل خشبية
وجّهت وزارة الثقافة السعودية لجان اقتناء الأعمال في الجهات الحكومية، في شهر أبريل الماضي، إلى اختيار أعمال الفنانين السعوديين، كجزء من الاستراتيجية الوطنية الشاملة للدعم الحكومي. ومن المقرر أن تنبثق عن هذه الخطوة كافة الإجراءات التي ستشرف على عمليات شراء الأعمال الفنية للمتاحف والشركات الراغبة في الحصول على إبداعات فنانين وحرفيين سعوديين. جاء إطار العمل هذا بناءً على توجيهات صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، والتي تهدف إلى تقديم أكبر دعم ممكن لفناني المملكة. ويرى حمزة صيرفي بأن هذا الدعم “يمهد الطريق بشكل مثالي لجامعي الأعمال الفنية، ويتيح نصائح مميزة للقطاعين الخاص والحكومي حول كيفية البدء باقتناء أعمال الفنانين السعوديين. وتتضمّن المبادئ التوجيهية عمليات الشراء والاقتناء وجمع الأعمال الفنية والترميم والصيانة، إضافة إلى التركيز على إنشاء سوق فني وطني من شأنه تعزيز العلاقات بين الفنانين والمشترين.
عمل فني لأحمد ماطر، شبابيك من مكة، 2013 نوافذ خشبية بألواح زجاجية
وتشكل المرحلة الراهنة فترة مثالية لشراء الأعمال الفنية المحلية، في ظل الاهتمام المتزايد بالمنطقة، خاصةً في جميع أراضي المملكة العربية السعودية. كما يبرز دور جامعي الأعمال في دعم الحركة الفنية الحالية، لأن التوجهات الفنية المعاصرة تعكس التغيرات الاجتماعية والحياتية. ويتابع صيرفي: “تمكّنت الحركة المعاصرة من تعزيز الجماليات الإبداعية ومنحها أفكاراً جديدةً، حيث لا تقتصر قيمها على تجسيد لحظات مميزة فحسب، بل تحمل أيضاً مستويات ملفتة من التفكير الثقافي”.
ومع نمو فرص العرض، يمكن لأي مجموعة خاصة وشاملة من الأعمال الفنية أن تنال اهتمام المتاحف والمؤسسات الكبرى. تنفق المتاحف العالمية ملايين الدولارات للحصول على مجموعات استثنائية من الأعمال الفنية، إذ يمكن لمجموعة فنية كاملة أن تقدم مساهمات هائلة لعالم الفن، خاصةً في المملكة التي تعاني من انعزال قطاعها الفني على مدى التاريخ. وتوصي الصايغ بأهمية العمل على جوانب أخرى من قطاع الفن، فبذلك يمكن أن تقدّم مجموعات الأعمال الفنية فهماً أعمق وأكثر شمولية للحظة التي يتم تصويرها.
آية حيدر. What a Body, You Lion من سلسلة تولتيش، 2019
ومن جهته، يعتقد صيرفي بوجود قاعدة أساسية لجمع الأعمال، لا سيما بالنسبة للوافدين الجدد على مجال جمع الفنون، ويقول: “اتبع قلبك وإحساسك، وثق ثقة مطلقة بثقافتك الفنية بعيداً عن الخوف والقلق. يمكن أن تبدأ بشراء عمل يحرّك لديك مشاعر معينة، وقد يكون المقتني الجديد لا يعرف الكثير عن الفن ولكنه يحاول أن يتعلم، وهذا يكفي”.
تشهد الفنون رواجاً لافتاً، وأصبحت مرغوبة في أوساط المجتمع السعودي، بما في ذلك جامعي الفنون، بالإضافة إلى الجهات الحكومية والشركات التي تسارع إلى تكليف فنانين سعوديين بإنتاج أعمال لها. لذلك تُعدّ المملكة في الوقت الحالي الملاذ المثالي للفنانين وجامعي الأعمال على حدّ سواء.
اقرؤوا أيضاً: حضور عالمي في قطاع الأزياء يقوده المصمم نواف سعود في علامة NOA Couture
