أساسات المستقبل تبنيها سمية فالي في بينالي الفنون الإسلامية في جدة
المعمارية الرائدة سمية فالي تُغيّر مستقبل الهندسة المعمارية وتبتكر سرداً وفهماً جديدين للفنون الإسلامية من خلال دورها كمديرة فنية لأول نسخة من بينالي الفنون الإسلامية في جدة
أثبتت سمية فالي، المعمارية المميزة من جنوب أفريقيا، موهبتها وتفوقها في مجال الهندسة المعمارية، لتحقق شهرة عالمية ونجاح لافت بعمر لا يتجاوز 32 عاماً في المجال الذي يهيمن عليه الذكور. كما حازت فالي على العديد من الجوائز بفضل أسلوبها المتفرد والمبتكر. وتوّلت مؤخراً منصب المديرة الفنية للنسخة الافتتاحية الأولى من بينالي الفنون الإسلامية مما يشكّل إضافة هامة إلى إنجازاتها وإبداعاتها.

تمّ اختيار سمية من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي لتكون واحدة من أصغر قادته العالميين الشباب، الذي يمثل مركزاً يجمع الفنانين والباحثين ورواد الأعمال والنشطاء الحقوقيين والقادة السياسيين الواعدين. ويبرز اسم فالي ضمن قائمة تايم 100 في النسخة القادمة لأكثر الشخصيات تأثيراً على مستوى العالم، وذلك بصفتها إحدى المساهمات في صناعة مستقبل الممارسات والمبادئ المعمارية، إضافة إلى تكليفها بتصميم جناح سربنتين، وهي مهمة مرموقة تُوكل إلى مهندس معماري مشهور عالمياً كل عام، الأمر الذي يؤكد جهد سمية في إعادة صياغة القواعد المعمارية خلال كامل مسيرتها المهنية.
وتعليقاً على هذا الموضوع، تقول سمية: “رفضتُ باستمرار الالتزام بالقواعد المعمارية التقليدية، وحاولتُ ابتكار تصاميم وأعمال بديلة تأخذ بعين الاعتبار العناصر المجتمعية وتركز على الشمولية”.
تظهر المعمارية الموهوبة بتوربان أنيق، وعينين مزينتين بالكحل، وزيّ مميز وبسيط. وتحاول التعبير عن أسلوبها الإبداعي الخاصّ عبر الأزياء كما تعبر عن أعمالها المعمارية من خلال المزج بين التصاميم الجريئة والمركبة والأناقة المستوحاة من طابع مدينة جوهانسبرج التي نشأت فيها. وتقول سمية، التي تتألق بملابس محتشمة مع لمسات مميزة تعكس ذوقها الراقي: “أحبّ الأزياء الجريئة بنفس القدر الذي أحبّ فيه الهندسة المعمارية”.
وتؤكد فالي على الدور الهام الذي تلعبه خلفيتها الثقافية في نجاح مسيرتها المهنية الحافلة بالجوائز، وتوضّح ذلك بقولها: “أستلهم أعمالي من التنوع الثقافيّ، وأرى أنّ لهذا التنوع أثراً كبيراً في طريقة وجودنا وتفاعلنا مع العالم حولنا”. نشأت سمية في بلدة لوديوم لأصول هندية – جنوب أفريقية، حيث كانت بلدتها منطقة هندية بالكامل قبل أن تخضع إلى نظام فصل عنصري داخل مدينة بريتوريا. وتستعيد ذكريات طفولتها فتسترجع الانطباعات الرمزية عن التصاميم المعمارية المتأثرة بظروف الدولة والاستعمار والمتناقضة كلياً مع طابع البلدة المفعم بالحيوية. ولعبت بلدة سمية الأم دوراً محورياً في صقل إدراكها لمفهوم المساحة والمكان، وفي طريقة فهمها لتأثير الهندسة المعمارية القويّ في تقسيم الأفراد في المجتمع أو تقريبهم.
تشرح سمية هذا الموضوع بإسهاب وتقول: “تُستخدم العمارة كأداة للفصل بين الناس، وتأطير أماكنهم في العالم والمدن وتحديدهم في فئات وطبقات اجتماعية دونية وفوقية. ورغم شيوع هذا الأمر حول العالم، إلا أنّ الأعمال المعمارية في جنوب أفريقيا كانت موجهّة بشكل خاص لتحقيق هذا الغرض”. وتؤكد المعمارية الموهوبة على الأثر الإيجابي لموطنها على بصمتها المعمارية، وتقول: “أستمدّ حبيّ وشغفي للهندسة المعمارية من مدينتي جوهانسبرج وأجواءها الحيوية التي تشجع على الإبداع، فهي غنية بمختلف الثقافات التي تتعايش مع بعضها بإخاء وسلام، وخاصةً في أحياء المدينة الداخلية”.

تستعيد سمية جزءاً أساسياً من ذكريات طفولتها البعيدة، وهو قضاء الوقت في متجر جدّها النابض بالحياة والمختص ببيع الأقمشة وسط جوهانسبرج، حيث تعرّفت للمرة الأولى إلى جانبها الإبداعي واستكشفت الرغبة بتخيل عوالم مختلفة – المبدأ الذي تجده فالي جوهريّاً في مجال الهندسة المعمارية. وبالعودة إلى ذلك الوقت، تتذكر أنها لطالما كانت مهتمة بمعرفة الأشخاص وقصصهم المختلفة، كما تعتقد أنّ قرارها باختيار الهندسة المعمارية كمهنة يعود إلى إيمانها بالقيمة التي يحملها التصميم المكاني وقدرته على التعبير.
وابتكرت سمية مبدأ ما يسمى بالفضاء المقابل في التصميم المعماري والذي يهدف إلى إدخال عناصر متجددة ووجهات نظر متنوعة في الأعمال المعمارية. من خلال البحث عن مساحات للتعبير داخل الهويات المتنوعة والحدود المتداخلة، مع التركيز على مواضيع هامة كالمجتمع والانتماء والتقارب. وتشرح ذلك بقولها: “تتشابه أساليب التصميم المعماري في أفريقيا ودول القسم الجنوبي من العالم بدرجة كبيرة، حيث تعتمد بشكل أساسي على المؤثرات السمعية والأجواء المحيطة بالإضافة إلى التقاليد الغنية. وأعتقد أنّ جميع المجالات والتخصصات الأخرى تشارك في تصميم الفضاء المعماري، الأمر الذي يختلف تماماً عن العمارة الغربية وأساليبها الكلاسيكية”.
كما شاركت سمية في تنسيق وتنظيم بينالي الفنون الإسلامية الأول الذي يقام حالياً في مدينة جدة حتّى نهاية أبريل، إضافةً إلى دورها كمديرة فنية. ويهدف البينالي إلى صياغة أسلوب جديد في التصميم يتيح للمجتمعات الإسلامية الاحتفاء بتنوع ثقافاتها. مما يجعل منه حدثاً تاريخياً، ليس فقط بالنسبة للمملكة العربية السعودية، وإنما للأمة الإسلامية بأكملها، وجميع مناطق العالم المرتبطة بالثقافة الإسلامية.

وتعلّق سمية على ذلك بقولها: “يشكّل بينالي الفنون الإسلامية فرصة لاستقطاب وجهات نظر جديدة، ويهدف إلى توسيع وتعميق وتغيير مفهوم الفنون الإسلامية، إضافة إلى استعادة وابتكار تعاريف الفن الإسلامي المستوردة من الثقافة الغربية”. وتضيف: “شكلّ بينالي الفنون الإسلامية رحلة شخصية مهمة بالنسبة لي، باعتباره منصة تفتح أبواب الحوار البنّاء وتساهم في إغناء خطاب ومبادئ الفنون الإسلامية، وتحديداً بعد انتظارنا الطويل لفرصة ذهبية كهذه تتيح لنا التعبير عن هويتنا ورواية قصصنا بأصواتنا وأساليبنا الخاصة”.
كما تسعى سمية إلى إبداع تصاميم مبتكرة بإلهام من التراث والفنون الإسلامية الغنية، والمساهمة في إيجاد أساليب جديدة تعزز التفاهم والتواصل الفعّال بين مختلف المجتمعات. وتعبّر عن ذلك بقولها: “لا بدّ من الاعتراف بأنّ العقيدة والثقافة الإسلامية تشكّلان ركيزة أساسية في إغناء الإبداع العالمي على كافة الأصعدة”.
يقام البينالي هذا العام داخل صالة الحجاج الغربية في مطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدّة، ويتميز بموقع فريد يعود تصميمه إلى بداية ثمانينيات القرن الماضي بإشراف الاستوديو الأمريكي سكيدموري، أوينغس وميريل، بينما تولى استوديو أوما الهولندي كل ما يخص سينوغرافيا البينالي. وينطلق البينالي تحت عنوان أول بيت (البيت الأول) في إشارة رمزية إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة التي تعتبر البيت الجامع للمسلمين وشعائرهم، مما يؤكد أهمية الموقع الجغرافي لبينالي جدة، في مكانٍ يشهد هجرة واسعة من جميع أنحاء العالم ويستقطب ملايين الحجاج سنوياً.

كما توضّح سمية: “يعكس البينالي مفهوم البيت، بإلهام من الثقافة والشعائر الإسلامية التي تجمع المسلمين وتحتفي بثقافاتهم على اختلافها”. وقد اختارت سمية مجموعة من الأعمال الفنية التركيبية وكلّفت عدداً من الفنانين بتصميم تراكيب أخرى بهدف تعميق نظرة الزوار حول الفنون الإسلامية، مع تصميم خارجي مستوحى من رمال الصحراء، ومساحات عرض داخلية بطابع تقليدي مبتكر خصيصاً من أجل البينالي.
وتعلّق سمية: “أحرص بصفتي المديرة الفنية للبينالي، على أن تثمر هذه الجهود المبذولة في إيجاد عوالم تمثّل مختلف الهويات التي تعكس الفلسفة والتجارب الإسلامية في إطار أكثر انسجاماً مع العوالم التي نشأنا العديد فيها”. وترى سمية أنّ للبينالي القدرة على تغيير شكل الخطاب الثقافي وأساليب الحوار، وتقول: “عادةً ما تركز الفنون الإسلامية على الأسلوب والشعائر الدينية وجغرافية المكان والأنماط الهندسية، ويهدف البينالي إلى تحدي وجهات النظر النمطية حول الفنون الإسلامية وابتكار منظور بناء من شأنه توسيع المبادئ المتعلقة بالفنون الإسلامية السائدة، والتدقيق في سرديتها وتطبيقاتها الفنية في الوقت الحالي”.
يضم البينالي مجموعة من الأعمال التاريخية، بما فيها أول باب للكعبة المشرّفة، إضافة إلى العديد من الأعمال الفنية المعاصرة. كما اختارت سمية مجموعة من الأعمال الفنية التركيبية من تصميم العديد الفنانين والمهندسين المعماريين المكلفين فنياً من قبلها، والذين ينحدر نصفهم من منطقة الشرق الأوسط، من بينهم المهندسة المعمارية الباكستانية ياسمين لاري، واستوديو سيفل آركيتكتشر في الكويت، واستوديو باوند في جدة، والفنانة الفلسطينية ديمة سروجي. وتمّ تكليف جميع المصممين بمهمة صياغة المثل العليا في المجتمع وإيجاد أساليب جديدة تعكس مفاهيم الجلسات وأهمية والأسرة.
تقول سمية فالي: “حلمتُ على الدوام بفرصة تكريم إرثي الثقافي كمسلمة، والاحتفاء بالعادات التي نشأت عليها، والتي أثرت بشدّة على هويتي المعمارية ودفعتني للاهتمام بالمؤثرات السمعية والشعائر والتقاليد الاجتماعية المشتركة والعامة”. وقد أسس بينالي الفنون الإسلامية من هذه المبادئ، حيث يحيط بالعديد من التجارب التي تتمحور حول أشكال التعبير وقضايا الانتماء، التي تعكس دور الشعائر الدينية في تعزيز الروابط والتواصل الفعّال والشعور بالانتماء. وتتمنى سمية أنّ يقدم البينالي فهماً أوسع وأشمل عن العالم الإسلامي.

تضيف: “تمثل التصاميم والتركيبات الفنية الموجودة في البينالي وأساليب عرضها طريقة مثالية لإدراك الفضاء المكاني على العموم، وتشكيل فهم عميق للحضارة الإسلامية في جميع أنحاء العالم على وجه الخصوص، كما أعتقد بإمكانية هذه الفعاليات والأساليب المبتكرة في تغيير وتشكيل الخطاب والحوار الثقافي من خلال هويات الأشخاص الخاصة، وهذا ما أجده مدهشاً بحق”. وتتابع: “عندما نقدّم للعالم الأعمال الفنية العظيمة على أنها أعمالاً إسلامية، فإننا نكرّم إرث هذه الحضارة التاريخية من خلال تسليط الضوء عليها دوماً، والاحتفاء بأعمالها المعاصرة ومنحها سرداً فنياً تاريخياً”. وتؤكد سمية على أهمية إضافة السرد التاريخي للأعمال المعاصرة، حيث ترى أنّ ديمومة الأشياء والأعمال الفنية تعتمد على وضعها ضمن سياق صحيح. وتقول: “يتيح الفن المعماري للمنشغلين به، فرصة تخيل شكل ومستقبل المؤسسات والممارسات الثقافية بمنظورٍ مختلف يشمل الآراء ووجهات النظر وصولاً إلى الثقافة والتراث”.
تطمح المعمارية لتحقيق آمالها بتطبيق تلك الأنماط المبتكرة في المستقبل القريب عوضاً عن الرجوع للأنظمة ومحدداتها. وتحاول سمية الابتعاد عن الجمود، وتستوحي أعمالها المعمارية من الفكرة القائلة بأنّ التصميم هو أداة للتعبير أكثر من كونه هيكلاً مادياً جامداً وأقرب إلى أشكال فنون الأداء والتقاليد.
كما تتوقع سمية أن المدن الحديثة ينبغي أن تتضمن المزيد من التنوع الثقافي في المستقبل، وتعلّق: “أتوقع أنّ تحتضن المدن العديد من الثقافات المتنوعة ووجهات النظر المميزة بطابع عالمي متكامل في الكثير من المجالات، الأمر الذي يشكّل بنية مجتمعية قوية وآمل أن تُطبق الهندسة المعمارية هذا النهج وتصل إلى الريادة به، كما أطمح شخصياً أن أحدث فرقاً في هذا الخصوص وأترك بصمتي الخاصة”.
تصوير: إفرايم إيفيدور، تنسيق الأزياء: إيموجين ليجواند
اقرؤوا أيضاً: 5 أسباب وأكثر تدعوكم لزيارة بينالي الفنون الإسلامية في جدة
