Posted inالثقافة

على أطلال “الأطلال”… حكاية أشهر أغاني أم كلثوم وأكثرها انتشاراً

يستعرض عدد شهر سبتمبر من هاربرز بازار العربية أشهر الأساطير في المنطقة، ونروي هنا قصة أشهر الأغاني العربية وأكثرها انتشاراً من كوكب الشرق أم كلثوم.

في رحلة طويلة بالسيارة اشتغلت أغنية “الأطلال” للفنانة الراحلة أم كلثوم، وأخذت تشدو على مسامعي أبياتها الخالدة التي كتبها الدكتور إبراهيم ناجي…

يا فُؤَادِي لا تسل أين ٱلْهَوَى
كَانَ صَرْحًا مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى
اِسْقِنِي وَٱشْرَبْ عَلَى أَطْلَالِهِ
وَٱرْوِ عَنِّي طَالَمَا ٱلدَّمْعُ رَوَى
كَيْفَ ذَاكَ ٱلْحُبُّ أَمْسَى خَبَرًا
وَحَدِيثًا مِنْ أَحَادِيثِ ٱلْجَوَى

لا يمكن لمن يستمع إلى هذه الأغنية التي تستمر لمدة ما يقارب ساعة كاملة إلا وأن يعيش تلك المشاعر التي اختلجت في نفس الشاعر، ساهم في تصوير هذه المشاعر صوت أم كلثوم وآهاتها التي أوصلت هذه الأغنية إلى كل أذن عربية بدون مبالغة، ولا يمكن أن ننسى اللحن الذي كان نتاجاً لعبقرية رياض السنباطي، وتمكن بنغماته البسيطة من أن يجعلنا نعيش ملحمة رائعة عن الحب الضائع والمشاعر الفياضة.
كانت هذه الأغنية موضع خلاف استمر أربع سنوات بين الست ورياض السنباطي، فقد وقعت عيناها على هذه القصيدة سنة 1962 في ديوان يحمل عنوان “ليالي القاهرة” للكاتب إبراهيم ناجي، فطلبت من رياض السنباطي أن يلحنها، واجتمعا معاً مرات عديدة حتى يتمكنا من اختيار الأبيات التي ستتضمنها الأغنية ودمجاها مع أبيات من قصيدة أخرى للشاعر نفسه بعنوان “الوداع”.

كان خلاف القامتين الموسيقيتين يتمحور حول ختام الأغنية، ففي حين أصر رياض السنباطي على مقدرة أم كلثوم الغنائية حتى تختتم الأغنية بالطريقة التي نستمع إليها اليوم، كانت أم كلثوم نفسها متخوفة من هذه القفلة الجريئة ومن إمكانيات صوتها. وأدى ذلك الخلاف إلى القطاعة بينهما حتى اعتزل الملحن في منزله ورفض تغيير اللحن نهائياً، وفي عام 1966 قررت أم كلثوم أن تخضع لرغبته وتغنيها بالطريقة التي أراد، وعندما أدتها على المسرح للمرة الأولى ونالت إعجاب الجمهور الذين طالبوا بإعادتها. فوجئت الست من نجاح تلك القفلة فتوجهت بعد الحفل إلى منزل رياض السنباطي لتعتذر له قائلة “أنا آسفة على ثلاث سنوات راحت من عمري” وأكدت أنه تمكن من استيعاب قدراتها الغنائية أكثر مما استوعبتها نفسها. كانت تلك المرة الأولى والوحيدة التي تتوجه فيها أم كلثوم إلى مكان آخر غير منزلها بعد أي حفل من حفلاتها.
تلك كانت قصة اللحن الناجح، ولكن للقصيدة قصّة أخرى…

كتبها الدكتور إبراهيم ناجي بعد أن جمعته الصدف بحبيبته السابقة التي تزوجت شخصاً غيره، وبعد سنوات احتاجت إلى طبيب فكان إبراهيم ناجي نفسه طبيبها. وبهذه القصيدة يتذكر حبه السابق ويرثيه قائلاً

يَاحَبِيْبي كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءْ
مَا بِأَيْدينَا خُلِقْنَا تُعَسَاءْ
رُبَّمَا تَجْمَعُنَا أَقْدَارُنَا
ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَمَا عَزَّ الِّلقَاءْ
فَإِذا أَنْكَرَ خِلٌّ خِلَّهُ
وَتَلاَقَيْنَا لِقَاءَ الغُرَبَاءْ
وَمَضَى كُلٌّ إِلَى غَايَتِهِ
لاَ تَقُلْ شِئْنَا! فَإِنَّ الحَظَّ شَاء

من لحن أخذ تأليفه ما يزيد على ثلاثة أشهر، وكلمات نبعت من معاناة وآلام الحب، وصوت خالد يصدح في كل مكان على وجه الكرة الأرضية، ليس بغريب أن تحرّك هذه الأغنية مشاعر كل من يسمعها، وأن تبقى من أعظم ما قدّم الفن العربي حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على إطلاقها.

بالعودة إلى البداية، لم يكم هذا البحث المطول عن القصص والحكايات التي تختبئ تحت النغمات إلا نتيجة لفضل أثارته المشاعر التي أيقظتها أغنية “الأطلال”. وإن عدنا إلى أغنيات كوكب الشرق أم كلثوم، سنجدها نادراً ما تخلو من قصص وحكايات تكم وراءها، ولعل هذا ما يجعلها من الأغاني الخالدة على مرّ الزمن.

قيل لي ذات مرّة أن الإحصائيات والأرقام لا يمكن أن تساعد أياً منّا على تذكر الحقائق، ولكنها القصص التي نعيشها ونرويها لبعضنا البعض هي ما تحفر تفاصيلها في أذهاننا، كيف وإن اجتمعت هذه القصص الرائعة بألحان ساحرة تنقلكم ألى مكان آخر وزمانٍ غير الزمان، فالموسيقى في النهاية هي لغة المشاعر.

اقرؤوا أيضاً: قطع استثنائية… أجمل مجوهرات بولغري على غلاف عدد شهر سبتمبر من هاربرز بازار العربية


نشر للمرة الأولى في عدد شهر سبتمبر 2021 من هاربرز بازار العربية

No more pages to load