حياكة تحمل هوية: نجود الرميحي تكتب عن الحضور العربي في مهرجان كان
في سطور معدودة، تشرح نجود الرميحي لماذا لا يُعد ارتداء تصاميم عربية على السجادة الحمراء مجرد بيان عابر على صفحات الأزياء، بل مسؤولية ثقافية على كل واحد منا.
يتحول مهرجان كان السينمائي سنويًا إلى ما هو أبعد بكثير من احتفاء بالفن السابع؛ إذ يغدو نقطة التقاء عالمية تجمع السينما والثقافة والاقتصاد وصناعة الصورة. وخلال السنوات القليلة الماضية، تطور الحضور العربي في كان ليتجاوز المشاركة الاحتفالية أو التمثيل الإقليمي، ويصبح قوة ثقافية وبصرية مؤثرة تعيد تشكيل موقع المنطقة داخل صناعة الموضة العالمية.
اليوم، لم تعد السجادة الحمراء مجرد لحظة للظهور، بل أصبحت منصة استراتيجية للتأثير الثقافي. ففي عصر الإعلام الرقمي، يمكن لإطلالة واحدة أن تحقق ملايين الانطباعات، مؤثرة في صناعات متصلة بالموضة والمجوهرات والجمال، وحتى السياحة الفاخرة. وتشير تقارير الصناعة إلى أن مهرجان كان وحده حقق أكثر من 101 مليون دولار، أي ما يعادل 370 مليون ريال سعودي، من قيمة التأثير الإعلامي للعلامات الفاخرة خلال إحدى دوراته الأخيرة، عبر التغطية الرقمية والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي.

وفي قلب هذا التحول، برز المصممون الإقليميون بوصفهم من أكثر الأسماء تأثيرًا على السجادة الحمراء العالمية. فقد رسخ مصممون من لبنان والخليج والعالم العربي الأوسع حضورهم إلى جانب كبرى دور الأزياء العالمية، ليس فقط من خلال إبداعات بصرية لافتة، بل عبر تقديم هوية بصرية متكاملة متجذرة في ثقافة المنطقة وحِرفيتها.
اقتصاديًا، لم يعد هذا الحضور منفصلًا عن حركة السوق العالمية. إذ تشير تقارير قطاع الرفاهية إلى أن منطقة الخليج أصبحت من أسرع أسواق المنتجات الفاخرة نموًا في العالم، فيما تحول المستهلك العربي إلى قوة ثقافية واقتصادية تؤثر في الطريقة التي تتموضع بها العلامات العالمية داخل المنطقة. وبالتدريج، ينتقل الشرق الأوسط من كونه مجرد مستهلك للموضة إلى مصدر للذوق والاتجاهات والرؤية الإبداعية.
وقد انعكس هذا التحول مباشرة على الطلب العالمي على المصممين العرب، ولا سيما في عالم الخياطة الراقية. فقد باتت الموضة العربية مرتبطة عالميًا بالحِرفية الاستثنائية، والتطريز الدقيق، والسرد البصري الدرامي الذي تتطلبه كبرى المناسبات مثل مهرجان كان، وحفل جوائز الأوسكار، وميت غالا.
لم يعد ظهور تصميم عربي على منصة عالمية يُقرأ باعتباره تمثيلًا إقليميًا فحسب، بل دليلًا على قوة ناعمة ثقافية صاعدة تعيد تعريف مفهوم الفخامة الحديثة. ولهذا السبب، حمل اختياري للمصممين خلال المهرجان رسالة شخصية وثقافية عميقة.
فالمصممة الكويتية هدى الجارالله تمثل جيلًا جديدًا من المبدعين الخليجيين الذين يوازنون بين الأنوثة المعاصرة والهوية البصرية العربية الأصيلة. وتعكس أعمالها إحساسًا رفيعًا بالفخامة، قائمًا على الرهافة والدقة لا على المبالغة.
أما رامي قاضي، فقد أصبح أحد أكثر مصممي الأزياء الراقية العرب حضورًا على الساحة العالمية، من خلال تحويل الموضة إلى تجربة فنية متعددة التخصصات، حيث تتعايش التكنولوجيا والخيال والخياطة الراقية داخل سردية عربية حديثة ومتميزة. ولا تنبع أهميته العالمية من الجمال وحده، بل من قدرته على ابتكار لغة تصميم معاصرة تنافس عالميًا، مع الحفاظ على صلتها بجذورها.
وبالمثل، يقدم عباس حرجلي رؤية تتمحور حول الحِرفية والبناء المعماري في الموضة، عاكسًا إحدى أبرز نقاط قوة الخياطة الراقية اللبنانية؛ تلك المدرسة التصميمية التي أثرت في أزياء السهرة عالميًا على مدار عقود.

وبصفتي شخصية شديدة الارتباط بعالم الموضة وناشطة في منصاته الدولية، لطالما آمنت بأهمية حمل السردية العربية من خلال الفن والتصميم. واليوم، لم يعد ارتداء تصاميم عربية مجرد خيار أسلوبي؛ بل أصبح موقفًا ومسؤولية. فقد تحولت الموضة والفن إلى شكلين من أشكال الدبلوماسية الثقافية الحديثة، وما نختار ارتداءه على المنصات العالمية يساهم في تشكيل الصورة الدولية لمنطقتنا، وإبداعنا، وقدرتنا على المنافسة على الساحة العالمية.
واللافت كذلك أن الحضور العربي في كان بات يتجاوز الموضة وحدها. فقد أصبحت السينما العربية والإنتاج والسرد الثقافي أكثر وضوحًا داخل المهرجان، في انعكاس للاهتمام العالمي المتزايد بالحكايات الآتية من المنطقة، بالتوازي مع توسع الاستثمارات في الموضة والترفيه والصناعات الإبداعية عبر الشرق الأوسط.
في النهاية، ما نشهده اليوم يتجاوز الموضة بمعناها التقليدي. نحن أمام صعود حركة ثقافية عربية جديدة، تُبنى فيها القوة الناعمة من خلال الصورة والحِرفية والسرد. لم تعد السجادة الحمراء مجرد مساحة للظهور، بل أصبحت فضاءً تُعاد فيه صياغة الهوية والثقافة والتميز العربي الحديث أمام جمهور عالمي.
وفي هذا المشهد الدولي المتغير، لم تعد عبارة التميز العربي مجرد تعبير احتفالي، بل أصبحت واقعًا اقتصاديًا وثقافيًا وفنيًا يرسخ حضوره بثقة على أكثر المنصات تأثيرًا في العالم.
اقرؤوا أيضًا:
