قيادات نسائية في قطاع الأفلام في المملكة العربية السعودية
Posted inالثقافة

‬قيادات‭ ‬نسائية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الأفلام‭ ‬‬في‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية

السيدات تتولين القيادة في بناء ‬‬قطاع‭ ‬الأفلام‭ ‬‬في‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية

اقتربنا من منتصف الليل في منطقة صحراوية تبعد عشرين كيلومتر جنوب الرياض، فيما يقوم طاقم إنتاج مكون من ثلاثين شخصاً بتصوير مشهدٍ من حملةٍ ترويجية قصيرة بمناسبة يوم التأسيس السعودي. يصوّر المشهد الحالم مجموعة من البدو على ظهر الأحصنة، يحملون مشاعل محترقة تحت ضوء القمر. وتقوم المخرجة المساعدة نداء برناوي بتوجيه الفريق وتوزيع المهام، في حين تحرص مديرة اختيار الممثلين إسراء أسامة على جهوزية الممثلين على الدوام. وتضيف منسقة الأزياء لميس الجراش لمساتها الأخيرة على الأزياء.

لا يُعد طاقم العمل هذا خارجاً عن المألوف أبداً، حيث نشأ قطاع الأفلام في المملكة من العدم تقريباً بعد عقودٍ من التحفظ بشأن الأفلام والموسيقى، وتساهم النساء في بناء هذه الصناعة في أدوار قيادية.

في موقع تصوير فيلم ترويجي قصير احتفالاً بيوم التأسيس السعودي، والذي ضم طاقمًا تسلمت فيه النساء مناصب قيادية
في‭ ‬موقع‭ ‬تصوير‭ ‬فيلم‭ ‬ترويجي‭ ‬قصير‭ ‬احتفالاً‭ ‬بيوم‭ ‬التأسيس‭ ‬السعودي،‭ ‬والذي‭ ‬ضم‭ ‬طاقمًا‭ ‬تسلمت‭ ‬فيه‭ ‬النساء‭ ‬مناصب‭ ‬قيادية

ما هو السر وراء ازدهار قطاع الأفلام في المملكة؟ ولماذا تتصدر النساء الصفوف الأمامية في السينما السعودية؟

أولاً، تشجع الحكومة السعودية جميع أشكال الابتكار والإبداع في ظل رؤية المملكة 2030، والتي تسعى إلى تحقيق اقتصادٍ أكثر تنوعاً يتساوى فيه الرجال والنساء.

يما يعود السبب الثاني إلى المنظمات غير الحكومية، مثل مؤسسة مسك التي أسسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عام 2011 بهدف تمكين اليافعين السعوديين في مجال التعليم وريادة الأعمال والفنون الإبداعية والتكنولوجيا. تعزز مسك من مكانة السينما والفنون بصورة عامة من خلال دورات تدريبية قصيرة وورشات عمل وخطط تحويل الأموال والتمويل المباشر.
ومثّل تأثير منصة نتفلكس السبب الثالث، حيث تموّل منتجي الأفلام في منطقة الخليج العربي وحول العالم، وتتيح إلى جانب قنوات البث الإلكتروني الأخرى فرصةً مثالية لوصول الأعمال السينمائية إلى الجماهير العالمية بميزانية منخفضة نسبياً، بعد أن كان بثّها محصوراً بالسوق المحلية.

فمثال على هذا، فيلم “مسامير” الذي أنتجه استوديو الرسومات المتحركة ميركوت في الرياض، بعد النجاح الكبير الذي حققته سلسلة اليوتيوب التي تحمل الاسم ذاته. يعرض كل من السلسلة والفيلم جهود الفتاة السعودية دانا في سبيل تغيير البشرية من خلال الربوتات والذكاء الصنعي. ويتوفر العمل الشهير الآن على نتفلكس بأكثر من 30 لغة.

أما الفضل الأكبر فيعود إلى انتشار دور السينما في جميع أنحاء المملكة بفضل الإصلاحات الأخيرة، بعد الحظر الذي واجهته دور السينما القليلة التي تواجدت في المملكة في سبعينيات القرن الماضي. وتدير الآن دور السينما Vox وMuvi عشرات الفروع في جميع المدن الرئيسية، استجابةً للمطالب الشعبية للأعمال المحلية والهوليودية.

تشكل تلك العوامل المختلفة بيئةً مناسبة تجعل من قطاع الأفلام مجالاً حقيقياً للعمل وخاصةً بالنسبة لليافعين السعوديين والنساء اللواتي لا يترددن في انتهاز الفرص.

صانعة الأفلام سارة المنيف
صانعة الأفلام سارة المنيف

تعليقاً على هذا الموضوع، قالت المخرجة سارة المنيف: “أتيحت لنا فرص كثيرة، حيث توفر مهرجانات الأفلام الجديدة منصةً مثالية لعرض أفلامنا والدخول في المنافسة للحصول على جائزة مالية، إذا تقوم العديد من الشركات بتمويل مشاريع الأفلام الجديدة”.
تطورت مسيرة سارة المهنية مع تطور قطاع الأفلام السعودي، حيث درست الإخراج السينمائي في الجامعة الأمريكية في دبي ولاحقاً في الجامعة المرموقة للأفلام La Femis في باريس، انطلاقاً من شغفها وحبها للأفلام الذي رافقها منذ الطفولة بإلهامٍ من مخرج أفلام النوار الشهير ألفريد هيتشكوك.

وتنسب سارة فضل قرارها بأن تصبح مخرجةً لوقت إقامتها في فرنسا، حيث عملت على أربعة أفلامٍ للطلاب كمخرجة مساعدة ومهندسة صوت ومصورة سينمائية وأخيراً ككاتبة ومخرجة لفيلمها القصير الخاص بعنوان “قبول”، والذي يؤكد على ضرورة المضي قدماً في الحياة بدلاً من الوقوف عند الذكريات الحزينة. وتضيف: “أدركت في ذلك الوقت عشقي لإخراج الأفلام”.
عادت سارة إلى المملكة وأخرجت فيلمها الاحترافي الأول بعنوان “وجوه 2020″، والذي يقدم دراسة حول ردات الفعل خلال فترة كوفيد والمفارقة التي أجبرت النساء على ارتداء القناع الطبي الذي يغطي الوجه في الوقت الذي منحت فيه المملكة حريةً أكبر لمعايير اللباس. وتؤكد سارة على قوة المرأة، فتقول: “تعكس عيوننا قصة مواجهتنا للمصاعب والتحديات حتى مع ارتداء قناع كوفيد”. وحظي الفيلم بفرصة الظهور في مهرجان البحر الأحمر السينمائي 2022 في جدة، فيما تستعد المخرجة الموهوبة حالياً لإخراج فيلمٍ روائيٍ طويل. يتلقى مجال إنتاج الأفلام الضخم والذي يتطلب تمويلاً يبلغ الملايين، دعماً أكبر من السنوات القليلة الماضية، حيث يتم فتح مصادر الإيرادات وتسهيل الحصول على الخدمات اللوجستية.

بوستر فيلم قبول

ومع اختفاء القيود في المملكة العربية السعودية، تحولت عملية الحصول على موافقة التصوير إلى المنصات الإلكترونية وأصبحت أمراً سهلاً يستغرق بضعة أيامٍ، بعد أن كانت تستغرق شهوراً في استكمال الأعمال الورقية والانتظار في المكاتب الحكومية.
وفي حين تتميز الأفلام الروائية الطويلة بألقٍ خاص في القطاع، يحاول العديد من الشباب السعوديين الطموحين التوجه نحو الإعلانات التجارية التلفزيونية والإلكترونية، مما يسمح لهم بتطوير مهاراتهم في عدة مجالات، بما فيها تصميم القصة والأزياء واختيار الممثلين بالتعاون المتواصل مع العاملين المستقلين بأجرٍ جيد، على عكس التباين الشديد في الأجور السائد في مجال الإنتاج السينمائي.

وتشكل منسقة الأزياء لميس مثالاً حياً على هذا، حيث تعتمد على تصوير الإعلانات للحصول على دخلها الرئيسي، وتقول: “يتضمن عملي توزيع المهام بين فريق تنسيق الأزياء والتسوق لشراء الملابس المطلوبة والتصميم ومقابلة الخياطين، إضافةً إلى إقامة الاجتماعات مع العملاء والمخرجين”.

وعلى عكس سارة التي اعتزمت دخول قطاع الأفلام منذ صغرها، اكتشفت لميس إنتاج الأفلام من خلال عشقها للأزياء.
وتضيف: “حصلت على إجازة جامعية في تصميم الأزياء، وعملت في تنسيق الملابس مع صناع الأفلام في لوس أنجلس، مما اتاح أمامي فرصة التعرف على القطاع. وحاولت العمل في مجال الأزياء عندما عدت إلى المملكة، ولكن الفرص غير متوفرة للخريجين الجدد. وكنت أبحث عن عملٍ عندما قابلت مؤسساً لشركة إنتاج سينمائي، فقدم لي فرصةً ذهبية لتصميم مشروعي الأول، فوقعت في حب مجال الأفلام وتمسكت به منذ ذلك الحين”.

أما المخرجة المساعدة المستقلة لولوه بن عبدالواحد والملقبة باسم لولو، فتفضل العمل في تصوير الإعلانات.وتقول: “لطالما عشقت الأفلام، ولذا قررت الحصول على شهادة جامعية في الإنتاج الرقمي والفنون السنيمائية. وتتمثل إحدى مهامي بتولي الأمور اللوجستية لإدارة موقع التصوير خلال عملية الإنتاج، والوصل بين المخرج وطاقم العمل. أما واجباتي الأخرى، فتتضمن تصميم وإدارة برامج وقوائم التصوير بما يتزامن مع جداول مدراء الأقسام”.

وعلى الرغم من النجاحات الكبيرة التي حققتها السيدات السعوديات في قطاع الأفلام، لا يزال الرجال ينتجون ويخرجون القسم الأكبر من الأعمال، فهل تواجه السيدات تحديات معينة في قطاع الأفلام السعودي؟

تجاوب سارة بالنفي، وتقول: “حظيت بدعمٍ كبيرٍ كأنثى بفضل رؤية المملكة 2030 وتغير المفاهيم، وخاصةً في مجال صناعة الأفلام الذي يدعم السيدات من خلال ورش العمل والبرامج المخصصة. وأعتقد أن سبب تصدر الرجال لهذا المجال يعود لحقيقة أنهم دخلوه في وقتٍ سابق، لكن ذلك لا يعني أنهم أفضل. كما أؤمن بتولي السيدات لعمليات الإخراج والإنتاج في العديد من أبرز الأفلام الروائية الطويلة قريباً”.

توافقها لميس الرأي، فتقول: “لم أواجه أية مشكلات كامرأة في القطاع، بل أنني سعيدة ببيئة العمل في جميع مشاريعي وبالعمل مع أشخاصٍ محترمين وملهمين ويتمتعون بعقلية منفتحة”.

وتدرك لولو صعوبة الرحلة بالنسبة لصناع الأفلام الطموحين وخاصةً في البداية، ولكن من المعروف أن لكل عملٍ صعبٍ ثماره الكثيرة. وتقول: “شكلت ساعات التصوير الطويلة والأعمال المسائية تحدياتٍ كبيرة بالنسبة لي وخاصةً بما يتعلق بالعائلة. ولكن أؤكد لجميع صانعات الأفلام الطموحات أن النتائج تستحق المجهود والمثابرة لتحقيق الأحلام وكسر الصور النمطية وتعلم المزيد، فمع الإرادة يوجد دائماً طريق”.

اقرؤوا أيضاً: شهد الشهيل تروي رحلة علامة أباديا في عدد هاربرز بازار السعودية لربيع 2023

No more pages to load