منى خزندار
Posted inالثقافة

جوهر رسائل منى خزندار عن الدبلوماسية الثقافية والتعاون بين الشعوب

تؤمن منى خزندار أن الانغلاق سببه عدم معرفة الآخر، ولذلك تسعى إلى تخطّي حاجز الخوف وتعريف الشعوب ببعضها لكسر الصور النمطية وتعزيز ثقافة الانفتاح واحترام التعدّدية والاختلاف.

في سردية حافلة بالإنجازات تكوّنت مسيرة أبرز الوجوه الثقافية في الأدب والفن والثقافة. حيث انتخبت منى خزندار مديرة عامة لمعهد العالم العربي بباريس في العام 2011؛ كأول امرأة عربية في هذا المنصب. وذلك بعد أن ترأست قسم الفنون المعاصرة والتصوير بالمعهد لأكثر من 15 عامًا. وصولًا إلى عملها وكيلة للأصول والمراكز الثقافية في وزارة الثقافة ابتداءًا من 2019، وعضوة لمجلس الشورى السعودي منذ 2020.

أصدرت خلال مسيرتها مجموعة من المؤلفات كأديبة واختصاصية في الفن المعاصر. إلى جانب ترجمة العديد من المؤلفات لفنانين وأدباء عرب. امتدادًا لدورها في تعريف الجمهور الغربي -الفرنسي خاصةً- بأعمال مثقفي وفناني المنطقة العربية. وقد صُنفت منى ضمن قائمة أقوى  100سيدة عربية في العام 2013، وحصدت جائزة المرأة العربية للعام 2012.

تخوض هاربرز بازار حواراً خاصاً مع منى خزندار يستكشف تجاربها الحياتية التي شكلت شخصيتها اليوم، مسيرتها المهنية الحافلة التي تلهم الأجيال من بعدها:

  • تعد مرحلة الطفولة والبيئة العائلية عاملين أساسيين في بناء الشخصية. وُلدتِ في الولايات المتحدة الأميركية في حضن أسرة مثقفة: والدك الأديب والمفكر عابد خزندار، ووالدتك الصحافية شمس الحسيني – مُحرّرة صفحة المرأة في صحيفة اليمامة. حدّثينا عن أثر الأسرة في نشأتك ونجاح مسيرتك. 

أعتبر نفسي من المحظوظين إذ أني منذ صغري تشرّبت الثقافة والأدب من خلال والديّ، ولا شكّ أنّ لهما فضلٌ كبيرٌ فيما وصلت إليه الآن. تأثرّت كثيراً بوالدي الذي أخذت منه الشغف بالتاريخ واللغات والتواصل الحضاري، كما عشقت الثقافة والفن والنقد بتأثيرٍ من والدتي. كان الأدب دائمَ الحضور في منزلنا وكنت أتشوّق للقراءة وأعتبرها نافذةً لاكتشاف عوالم وثقافات أخرى. 

  • انطلقت مسيرتك المهنية من معهد العالم العربي في باريس حيث أمضيت نحو 25 عامًا. كيف تصفين تجربتك في هذا الصرح الثقافي؟ 

شكّل لي معهد العالم العربي منصّة لتحقيق هدفٍ كنت دائماً أسعى لأجله؛ التعريف بالثقافة العربية في فرنسا وأوروبا. ترأست قسم الفن الحديث والتصوير الفوتوغرافي داخل متحف المعهد لمدة تقارب 20 عامًا (يضمّ القسم مجموعة دائمة تشمل 499 عمل فني). ورأست عدد من المعارض الفنية التي أقامها المعهد، من ضمنها: “نظرات المصورين العرب المعاصرين”، “حداثة بصيغة الجمع”،”أم كلثوم الهرم الرابع”،”فلسطين”، بالإضافة إلى”الإبداع في كل حالاته”، وأشرفت على نشر الكاتالوجات والكتب الفنية المتعلقة بهذه المعارض. شكّلت المعارض الفنية وغيرها؛ مناسبات مميّزة تَحاور فيها المثقفون العرب والأوروبيون وانخرطوا في تبادلٍ ثقافيٍ ومعرفي فريدٍ ومثمر. 

  • كتاب “رؤى من الخارج: طروحات تاريخية ومعاصرة للمملكة العربية السعودية” أشبه بمتحف بصري يختصر رحلات أكثر من100  رحّالة إلى شبه الجزيرة العربية منذ القرون الوسطى. حدّثينا عن الكتاب وما يمثّله لك. 

يطرح الكتاب موضوعاً لطالما كان لديّ فضول الغوص فيه؛ نظرة الخارج إلى منطقة شبه الجزيرة العربية. على ضوء ما كتب الرحالة الغربيون وما صوّروا من معالمها، بدءاً من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين؛ قرن الحداثة. بذلتُ في هذا الكتاب جهداً لجمع نصوص الرحّالة الأجانب ودراستها وتحليلها، كما عملت على اختيار الصور، اللوحات، الوثائق، الخرائط والتصاميم الكثيرة التي أنجزها هؤلاء الرحالة.

للكتاب بالنسبة لي قيمة عاطفية ومعنوية كبيرة. ألفته بعد وفاة والدي وعودتي إلى السعودية بعد سنوات طويلة أمضيتها في الغربة. كنت أحاول أن أكرم ذكرى والدي من خلال بحثي وأن أجسّد شغفه بالتواصل الحضاري والحوار بين الثقافات. وقد شكّل الكتاب نقطةً فاصلة في حياتي: بأن أعود إلى جذوري وأستكشف وأحلّل نظرة الآخرين للوطن الذي أنتمي إليه وكيفيّة مقاربتهم لثقافته وحضارته. كما سمح لي أن أتقبّل فقدان أبي وأتأقلم مع فكرة غيابه. في بعض الأحيان، تكون الكتابة فعل تحريرٍ للنفس ومصالحةٍ مع الذات… 

“تأتي أهمية تعريف الشعوب والثقافات ببعضها لتخطّي حاجز الخوف، كسر الصور النمطية، تعزيز ثقافة الانفتاح، واحترام التعدّدية والاختلاف”.

  • ما أهمية تعزيز الحوار بين الحضارات برأيك؟ وما هي أفضل الوسائل لتحقيق ذلك؟ 

الانغلاق سببه عدم معرفة الآخر؛ فنحن نخاف ما نجهل. من هنا تأتي أهمية تعريف الشعوب والثقافات ببعضها لتخطّي حاجز الخوف، كسر الصور النمطية، تعزيز ثقافة الانفتاح، واحترام التعدّدية والاختلاف.

أنا أؤمن بالدبلوماسية الثقافية كوسيلة مثلى لتحقيق هذه الأهداف؛ إنّ التعاون بين الشعوب والبلدان في مجال الثقافة والفن والأدب يعزّز فهم الآخر ويساهم في التبادل المعرفي بين المجتمعات. في هذا الإطار مثلاً، تسهم مشاركة المملكة في العديد من الفعاليات الثقافية بالخارج في تعزيز مكانة بلدنا على الساحة الدولية، وتعزّز حضور الثقافة والفنون العربية في الخارج. ينبغي أن نتغنّى بالثراء الثقافي للعالم العربي وأن نعرّف به. 

  • بعد عودتك إلى المملكة أسّستِ Palette التجمع الثقافي والفني للتنظيم الثقافي ونشر المطبوعات الفنية، وتم اختياره من قبل البينالي الدولي للفنون المعاصرة في أمريكا الجنوبية؛ لانتقاء 5 فنانين سعوديين والتعاون معهم ضمن مشاركة المملكة في بينالي 2019، إلى جانب تنظيم معارض فنية مع وزارة الثقافة السعودية، ما هو المعرض الأقرب إلى قلبك من بينها؟ 

إنه لا شك “معرض رحلة الكتابة والخط” الذي نظَّمته لأول مرّة وكالة الأصول والمراكز الثقافية واحتضنه المتحف الوطني في الرياض خلال صيف العام 2021 للاحتفال بعام الخط العربي، وهي مبادرة تهدف إلى إبراز أهمية الخط العربي كعنصر جوهري للثقافة العربية وتعزيز تواجده في المؤسسات وبين المواطنين السعوديين. استعرض المعرض في دورته الأولى أصول الخط العربي ورحلة تطوّر فن الخط. وقدم أعمال الخطاطين السعوديين والعالميين، والفنانين والمصممين المعاصرين، والعلاقة الفنية بين الخط والذكاء الاصطناعي، ما يؤكد بقاء الخط العربي وتواصل رحلته نحو مستقبل الفن.

معرض رحلة الكتابة والخط
من معرض رحلة الكتابة والخط

نحن اليوم في صدد التحضير للنسخة الثانية من معرض رحلة الكتابة والخط تحت عنوان “دروب الروح” لتسلّط الضوء على البعد الروحي للخط في الحضارة العربية الإسلامية. هذه النسخة تدعو الزائر للانطلاق في رحلة وجدانية غامرة من الاكتشاف والتأمل في جماليات الخط العربي. نأمل أن يحقق هذا المشروع غايته في إبراز قيمة الخط العربي والاحتفاء به ككنز ثقافي يشكّل جزءاً من هوية وإرث المملكة.

  • ما هو سرّ نجاحك؟ 

أعتقد أنّ الشغف والجدية والمثابرة والسعي لتطوير الذات جميعها عناصرٌ تشكّل مفتاحاً للنجاح. ولا شكّ أيضاً أنّ وراء كل امرأة ناجحة هناك أسرة تدعمها وتشجّعها على تحقيق جميع إمكاناتها. أنا محظوظة بوجود زوجي وأولادي الذين لطالما كانوا أكبر الداعمين لي؛ أستمدّ منهم قوّتي وعزمي وإلهامي. ويبقى الأهم هو الإيمان بالله عزّ وجلّ، الذي يعطينا القدرة على الاستمرار وتجاوز الصعاب وتخطي العقبات. 

  • ما هي النصيحة التي توجّهينها للمرأة السعودية والعربية؟ 

لا أسمح لنفسي أن أوجّه نصائح لأن للكل تجربته الخاصة والفريدة. إنما أقول للشابات السعوديات والعربيات: تجرّأنَ على الحلم، آمِنَّ بحلمكنّ، واسعَينَ جاهدات لتحقيقه.

اقرئي أيضاً: الأزياء هي الفائز الأكبر في سباق كأس السعودية 2023

No more pages to load