رؤيا مضطربة لمعرض بينالي البندقية في دورته السادسة والخمسين
رؤيا مضطربة لمعرض بينالي البندقية في دورته السادسة والخمسين
Posted inالمتاحف والمعارض

رؤيا مضطربة لمعرض بينالي البندقية في دورته السادسة والخمسين

تنتشر تحف فنية من الشرق الأوسط حول الهور فيقاعتي أرسينالي وجارديني للدورة السادسة والخمسين من معرض بينالي البندقية.

يتوقع أن يحرز الفن إنجازات كثيرة في يومنا هذا. فمع تعدد الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها العالم- من انتهاكات لحقوق الإنسان، وعدم المساواة في الدخل، والأزمات البيئية والحروب- يفترض بالفن أن يعكس هذا كله، ويقدم المواساة وكل ما هو جميل لرفع المعنويات. ولكن في مواجهة هذه الأمور المقلقة والمحيّرة، من السخيف والتافه أن نحوّل الأعمال الفنية إلى سلع لأن يجب أن يقدّم العمل الفني حلاً وتفسيراً، وهذا سعر مكلف جداً.

حوّلوا أنظاركم إلى منطقة الشرق الأوسط والأشهر الست الأولى من العام 2015. كانت تلك فترة عصيبة جداً على المنطقة. فقد تلاشى بصيص الأمل الذي قدمه الربيع العربي عام 2011 لتحل مكانه الحرب الأهلية في سوريا، والتطرف الديني والهستيريا المتزايدة التي سببها تنظيم الدولة الإسلامية. فهذه الفوضى السياسية والاجتماعية تركت بصماتها في المنطقة وليس من خلال العنف الذي سببته فحسب بل من خلال دمار الماضي – كالأعمال الفنية القديمة والمعالم- والقضاء على أي دليل على وجود حضارة وقيامها. وعندما يفقد المرء هذا –أي عندما يفقد ذكرياته الحسية الملموسة ومعالم هويته وماضيه- ماذا يبقى له؟

في الدورة السادسة والخمسين، بات معرض بينالي البندقية تحت إشراف الأمينأوكوي إنويزر الذي يكشف معرضه”All the World’s Futures” – بحسب إفادته السابقة- الانشقاقات والاضطرابات في زمننا الحالي. ومن خلال أداء المعرض والرسوم والمنحوتات والفيديوهات المصورة واللوحات وغيرها من الأشكال والمعروضات، تسعى الأعمال الفنية في معرض بينالي هذه السنة إلى التحرر من القيود في محاولةلفهم المعاناة التي تحيط بنا. ولكنّ الأعمال الفنية المعروضة، لا سيما في الجناح المركزي، لم تكن جميلة.ورغم طبيعتها المستفزة والمضطربة وصعوبة فهمها أحياناً، جاءت بشكلاحتجاجلااحتفال. أنويزر، أمين المتحف، والكاتب والمعلم والشاعر النيجيري المعروف بدراساته العصرية وما بعد حقبة الاستعمار، أرادنا أن نرى حالة العالم الطارئة من خلال الفن.

تركز المعرض على “داس كابيتال” لكارل ماركس وعلى انتقاداته للثورة الصناعية. ومن بين مئات الأعمال الفنية المعروضة، تمت إقامة ماراثون لقراءة المجلدات الثلاثة من كتابه الصادر عام 1867 في ساحة صممها مهندس معماري غاني- بريطاني يدعى دايفيد أدجاي في الجناحالمركزي في قاعة جارديني التي تشكل أيضاً ديار الفن العام لأجنحة بينالي الوطنية. موضوع العمل هو موضوع متكرر تماماً كالهجرة والتشرّد والاستعمار والاستيطان.

شُكّت مئات السكاكين في الأرض لتشكّل حديقة من الورود الشائكة. وعلى الجدار وضعت كلمات “الموت والحب والكره” بشكل أضواء نيون دائرية الشكل. هذه هي الأعمال الأولى التي يراها المرء لدى دخوله صالة أرسينالي: سكاكين عادل عبد الصمدبعنوان “حوريات”، ومنصة أضواء النيون بكلمات “الحياة، والموت، والحب، والكره، والمتعة والألم” من صنع برو نومان من عام 1983. في المقابل، في مقدمة قاعة جارديني، يرتفع جدار فابيو موري الذي يبلغ ارتفاعه أربعة امتار والمصنوع من حقائب مضروبة، بعنوان “حائط المبكى الخاص بالغرب” الذي يستذكر رحلات الذهاب إلى أوشويتز والهجرات المعاصرة التي لا تعرف طريق العودة.  فكل واحد من هذه الأعمال يترك أثراً منذراً بالشر ومتمرداً. وما دعاه أنويزر – أمين المتحف الأفريقي الأول الذي يستلم معرض بينالي – ببرلمان الأشكال يتضمن أعمالاً تجسد ذلك فعلاً. وفيما تبقى هذه الأعمال مأخوذة من سياقات ووقائع مختلفة، تجتمع كلها معاً لتشكل اعتراضاً صريحاً وواضحاً.

                                       مع وفرة الأسماء الشرق أوسطية، اسم عبد الصمد هو أول اسم يراه الناس

مع وفرة الأسماء الشرق أوسطية، اسم عبد الصمد هو أـول اسم يراه الناس. فمن بين المراجع والإشارات الأفريقية والشرق أوسطية والآسيوية وما بعد حقبة الاستعمار، نجد لافتة كبيرة منGulf Labor، رابطة تحمي العمال الوافدين في الإمارات. سواء أكانت اللافتة عملاً فنياً أم لا، هي معروضة مع أعمال أخرى ومصممة على تقديم جانب آخر من الواقع. وفي قاعة أخرى، نجد واجهات ريكارد براي الثلاث عشرة الزجاجية التي تعرض المعروضات بدقة ضمن مجلدات أرشيفية بما فيها ألبومانللصور ورغيف خبز. وعلى الجدار خلفها، نجد عمل جومانا إميل عبود من عام 2008 بعنوان Company– وهوعبارة عن مجموعة من 41 رسماً تصور مشاهد مختلفة في أوقات مقلقة وأخرى محببة. والعملان يعكسان الحاجة إلى توضيب المرء ممتلكاته ومن بينها ذكرياته وأخذها معه أينما ذهب. وبعد التنقل بين الأعمال المضطربة في قاعة أرسينالي، يصادف الزائر عمل كوتلوغ أتمان الذي قدمه عام 2014 بعنوان Portrait of SakibSabanci الذي يشكل تركيبة جميلة تتضمن 9216 شاشة “أل سي دي” معلقة فوق قاعة المعرض تبث صوراًصغيرة تُستخدم في جوازاتالسفر لأشخاص عمل معهم سابانسي خلال حياته. هذه التحفة مذهلة وتقدم انبعاثاً من النور الخافت وأجنحة المعرض المكتظة. تندرج في الأجنحة أعمال مختلفة تمثل حوالى 140 فناناً من 53 بلداً- ما شكل برلمان أشكال بحق.

وفيما تنظر إلى الأعمال في الأجنحة الوطنية، يبدو الجو العام السائدمتشابهاً باستثناء بعض الأعمال مثل عرض البريطانية ساره لوكاس الذي يتضمن منحوتات لأعضاء ذكرية وأجسام تبدو أنانية جداً مقارنة بالأعمال المشؤومة والعميقة التي يعرضها أنويزور. أما جناح أيسلندا فليس خاصاً بالشرق الأوسط ولكنّه شكل مرجعاً لثقافة دينية. فكريستوف بوشيل حوّل كنيسة سانتا ماريا ديلا مزيريكورديا (سيدة الرحمة) إلى جامع فيما لم يرتفع في البندقية أي جامع من قبل. وهكذا اتخذ التصميم شكل جامع عملي لقي ترحيباً على الفور من قبل المجتمع المسلم في المدينة إلى أن أقفلته الشرطة. شجّع هذا العمل الفني الجدل القائم حالياً في أنحاء أوروبا حول العبادة الإسلامية مع تزايد الهجرة من العالم الإسلامي.

الجناح العراقي هو الذي مثل منطقة الشرق الأوسط فعلاً.فكان في قصر كا داندالو الذي يعود الى القرن السادس عشر، وقدمأعمالاً كثيرة تثير التفكير في الوضع الحالي في البلاد. وفي حين أنّ معرض العام الماضي قدم القليل من حس الفكاهة والأمل، كان المزاج العام هذه السنة مهيباً شأنه شأن الأعمال الفنية. وعلى الرغم من ذلك، ورغم تلوث الأمة بمحاربي الدولة الإسلامية (داعش) حيث الفن المعاصر هو آخر ما يشغل بال الجميع، تتتابع صناعة الفن لتقدمأعمالاً تتطرق إلى الصراع الحاليالمثير للجنون.كان المعرض من تنظيم مؤسسة رؤيا للثقافة المعاصرة في العراق وبعنوان الجمال الخفي، وأقام عليه فيليب فان كوترن المدير الفني لمعرض الفن المعاصر في غنت. لاختيار الفنانين الخمسة للمعرض، سافر فان كوترن عبر أمريكا وبلجيكا وتركيا والمملكة المتحدة والعراق. وشملت النتيجة أعمالاً بارزة لرسام شاب، حيدر جبار، الذي صور رؤوساً مقطوعة ومعظمها معصوبة العينين ومشكوكة بحِرَب، وصوراً اختيرت خصيصاً للمعرض بعدسة أكام شيكس هادي وصوراً أخرى ملفتة بعدسة لطيف العني الملقب بأب فن التصوير العراقي. لا يتّسم المعرض بالحسالفكاهي وإنما تضمّنت الأعمال لمسة جمالية مخيفة يصعب نسيانها. وشكلت تذكارات صورية مرئية عن الحاجة إلى إيجاد حل للأزمة في العراق وقوة الفن في نقل الرسائل عبر الحدود الوطنية.

أما الجناح الإماراتي الذي اختير له موطنه الدائم في قاعة السلاح، فقد ابتعد هذا العام عن الحوار مع الثقافة المعاصرة. واختُبر مشهد مختلف من نسخة سابقة عندما تم عرض عمل محمد كاظم الحابس للأنفاس. فهذه المرة، استعادالجناح الإماراتيماضيه الحديث وتقاليده. هذا الجناح الذي هو بإشراف الأمينة حور القاسمي وشمل أعمال 15 فناناً إماراتياً من العام 1980 وحتى يومنا الحاضر، أكدعلى وجود تاريخ للفن الإماراتي – وهو تاريخ لم يكن معروفاً جداً حتى الآن من قبل المجتمع الفني الدولي. ركّز معرض1980 – Today: Exibitions in the United Arab Emirates على الطموح بمداه وبكمية الأعمال الفنيةوشدد على أهمية تاريخ الفن الإماراتي والحوار الفني الذي شكل خلال العقود المتعددة الماضية جزءاً من الخليج. ومعتأكيد هذا الموضوع، لا شك في أنّالجناح سيشهد معارض فنية مستقبلية ضمن سياق أكبر بكثير.

وفي المقلب الآخر من البلدة، وبعيداً عنقاعة جارديني، نجدThe Great Gameوهو معرض في الجناح الإيراني. فإذا سرنا على طول طريق كناريجيو البندقي المرصوف نجد مبنى قديماً فارغاً في البندقية مليئاً بأعمال عرضهاأساتذة إيرانيون عصريون. وكونها شكلت عرضاً آخر طموحاً سعى إلى عكسلعبة التفوّق السياسيةفي آسيا في القرن العشرين، ضجّت الأعمال بلمسات إيرانية ذكية – بمزجها السياسة والمجتمع المعاصر والإرث الإيراني والتجربة والاختبار الفني. وعرضت أعمال مثل صور صاق تيرفخان الرقمية البالغ عددها ٢٠٠٠ تحت عنوان “الرجل الإيراني” التي جاورت منحوتة وليد صيتي المصقولة لسلك شائك وهمي، ولوحات لمحمد إحسائي وأفلام عن الحرب قدمتها ريزا أراميش.  فكُشفت هنا قصص ويلات سياسية وبدايات جديدة ودمار الصورة الثقافية الإيرانية واستعادتها محاولة كل منها فهم الأمر برمته.

أما الجناحان اللذان عجا بأروع الأعمال الجميلة وسط الفوضى التي نعزوها للمنطقة فيعودان لبلدين كانا متنازعين منذ زمن بعيد: أرمينيا وتركيا. فالجناحان شهدا مشاركة الفنان سركيس ذبنيان المعروف بسركيس فحسب، الأرمني المولود في تركيا والمقيم في باريس الذي يشتهر بممارسته التصورية ونقده الاجتماعي. ملأ سركيس المكان بأعمال متعددة الوسائط تخطف الأنفاس بعنوان “Respiro” أي النفس باللغة الإيطالية، وتم عرضها وسط الجناح الوطني التركي في قاعة السلاح في أرسينالي، خلال معرض بينالي هذه السنة وهي تسم الذكرى المئة للمجزرة الأرمنية المريعة. امتلأ المكان بقوسي قزح مضيئين وكبيرينوخاصين بالمكان ودفعا المرء إلى التفكير. ضمّ هذا المعرض المنفرد 36 نافذة زجاجية ملونة ومضاءة تصور الألم والحرب والحب وسط أصداء موسيقى تأملية لياكوبو بابوني-شيلينجي. ركّز سركيس الروحاني بطبيعته على خلق شيء يتجاوز التاريخ.

فيما كانت الأعمال في معرض بينالي البندقية هذه السنة موترة جداً بطبيعتها، سيطرت مشاعر الانزعاج والحزن والذوق السيء والاستياء. إلا أنّ ما جمعه أنويزر قدم ما يدفع المرء إلى التفكير في عالم يعاني فيه الفن حتى ليفهم هذا الكم من الوقائع المكسورة. وعلى المستوى الإقليمي، لا تزال مسائل الهجرة والتشرد بارزة في فن الشرق الأوسط والبلدان المجاورة. فمن الصعب تجاوز هذه الحدود والإيديولوجيات التي سببتها للتو اضطرابات حديثة اجتاحت هويات الأمم. ولكن من خلال تصوّر هذه المسائل والتفكير فيها بطريقة فنية يمكن القيام بخطوة جديدة تجاه المصالحة الفعلية والجسدية والروحانية.  ولا يمكننا سوى أن نأمل تحوّل هذا الانزعاج والألم الذي نشعر به لدى رؤية هذا الفن إلى تنويرعما قريب.

No more pages to load