عفراء الظاهري
Posted inالثقافة

الفنانة عفراء الظاهري تتحدث عن توقعاتها للمشهد الفني الإماراتي في المستقبل

حوار خاص مع الفنانة عفراء الظاهري عن أهمية المبادرات الفنية العامة، ودور تجاربها وممارساتها في اكتشاف شخصيتها

لا يخفى على أحد أن دولة الإمارات العربية المتحدة موطن لرؤية وموهبة وعزيمة لا مثيل لها، لذا احتفالاً باليوم الوطني الـ 52 للدولة، اخترنا ثلاث نساء إماراتيات ملهمات – علياء المر وحمدة الفهيم وعفراء الظاهري – من مختلف المجالات، ليمثلن المشهد الثقافي متعدد الأوجه لهذه للأمة.

تحرص الفنانة عفراء الظاهري على دعم الجيل القادم من المبدعين في الإمارات. ونتحاور في السطور التالية مع خبيرة الفنون المختلطة الحائزة على درجة الماجستير من كلية رود آيلاند للتصميم والزميلة المشاركة في برنامج منحة سلامة بنت حمدان للفنانين الناشئين، حيث تكشف لنا عفراء الظاهري أهمية المبادرات الفنية العامة، ودور تجاربها وممارساتها في اكتشاف شخصيتها، إضافة إلى توقعاتها للمشهد الفني الإماراتي القادم.

عفراء الظاهري

كان لخبراتكِ التي قمتِ بتطويرها هنا في دولة الإمارات الأثر الأكبر على مسيرتك المهنية، فكيف ساهم ذلك في تكوين شخصيتك كفنانة؟

بدأ الأمر عندما سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراستي والحصول على درجة الماجستير. وقد دفعتني الغربة إلى تذكر مشاهد من مدينتي التي نشأت فيها، وأقصد هنا العاصمة الإماراتية بكل ما تحمله من تراث وثقافة وحضارة، حيث وجدت فيها تفاصيل عميقة لم تخطر ببالي من قبل. وأدركت وقتها شغفي بالتكوين والعمارة. وكنت أحرص على حضور كل دورة من معرض بينالي فينيسيا الدولي للعمارة، واكتشفت اهتمامي بالأنماط المختلفة للعمارة الوحشية والمعاصرة. ثم عرفت بأن هذا الارتباط يتعلّق أساساً بالبيئة التي نشأت فيها، لتتحوّل إلى مصدر إلهام دفعني لاستعمال مواد البناء في أعمالي.

هل غيّرت تجاربك الفنية من نظرتك تجاه المفاهيم الإبداعية الموروثة؟

علّمتني تجربتي كفنانة التخلّص من المفاهيم الموروثة، خاصةً تلك المتعلقة ببداهة التكوين الطبيعي أو الأساليب التقليدية لاستعمال المواد. وحاولت إلقاء نظرة مجرّدة إلى العناصر واستكشاف إمكانات المواد وأشكالها وقدراتها. فعندما أغطّي مادة الفوم بالإسمنت مثلاً، فأنا أحولها إلى مادة معمارية رغم أن استعمالها يقتصر عادةً على تدعيم الأبنية. وعندما أقوم بتفكيك حبلٍ ما يتحول قوامه إلى خيوط متموجة، مما يمنحني فكرةً عن طبيعة هذا الحبل قبل تشكيله في أعمالي، ويمنحني فكرةً عن عمليات التكييف التي مرت بها هذه المادة. وهذا شبيه تماماً بالتخلي عن الأفكار الموروثة، أي أنها تسير وفق عملية معينة. فالأمر يتعلق بإعادة العناصر إلى شكلها الأصلي، وهذا يبدو كالتخلص من الأيديولوجيات التي لا تناسبني. ولعلّ شعري المجعّد خير مثال على ذلك، حيث تفترض الصورة المثالية تصفيفه بطريقة ملساء. وعندما تمعّنت في مصدر هذه الثقافة وجدتها بأنها من مخلفات الأيديولوجية الموروثة. ولكننا لا ننظر إلى الأمر بهذه الطريقة.

استعنتِ بمواد مختلفة من القطن إلى الحبال والإسمنت وحتى شَعركِ الخاص. ماذا أضافت كل منها على تجربتك ومفهومك للحياة؟

أدركتُ من خلال التعامل مع الحبال معنى الصبر والتخطيط المسبق، ففي عصرنا الحالي، ونتيجة التغيرات المتواصلة في أنماط الحياة والتعلّق اللاواعي بالهواتف المحمولة وتدفق المعلومات المتواصل والكميات الهائلة من المحتوى الرقمي، تحوّلنا جميعاً إلى كائنات متسرعة، لذلك حاولت خلال تواجدي في الاستوديو الخاص بي أن أتعلّم الصبر وكيفية التروي في التنفيذ لاستيعاب الأدوات والحالة الفنية التي أريد اختبارها. بينما تعلّمت من مادة الإسمنت كيف يمكن للعناصر الضعيفة أن تصبح أقوى في حال دعمها بأي طريقة ممكنة. أمّا شعري فعلّمني أن أنظر إليه بمزيد من الامتنان والتقدير، إذ كشف لي أن قوامه الهش يخفي الكثير من الصلابة والمعاني، ولديه حضور مؤثّر يمكن توظيفه بطرق مختلفة.

كنتِ من مؤسسي مشروع بيت 15، الاستوديو الذي يديره مجموعة من الفنانين في أحد أحياء وسط مدينة أبوظبي. هل من أفكار حول إعادة تنشيط هذا المشروع أو إطلاق مفهوم مشابه في المستقبل؟

تناقشتُ مع زملائي من مؤسسي المشروع، عندما أغلقنا الاستوديو بأن الوقت قد حان لاتخاذ خطوة جديدة، لأننا أردنا أن نثبت في البداية إمكانية تأسيس مساحة إبداعية بهذه القيمة وقدرة الفنانين على إدارتها. حيث سجّلت الساحة الفنية بعد توقّف العمل بمشروع بيت 15 إطلاق سبع مبادرات من هذا النوع تحت إشراف فنانين طموحين. وأعتقد بأني أقوم بعمل مشابه من خلال مهمتي في التعليم. فأنا أحب إتاحة الفرص والمساعدة في بناء المجتمع وتعزيز البيئة الفنية التي افتقدتها عند بداية مسيرتي المهنية. كما أعتقد بأهمية هذه المبادرات الشعبية كعنصر أساسي لتشكيل مجتمع فني ناجح.

حدثينا عن أهمية التوجيه والتعليم بالنسبة إليكٍ من خلال تجربتك كأستاذة مساعدة للفنون البصرية في جامعة زايد.

قد يبدو كلامي هذا مكرراً، ولكنّي أتعلّم مع الطلاب بقدر ما أمنحهم المعرفة. وعندما يأتي طلابي الشغوفون ويسألوني مثلاً عن طريقة دمج مادتين لم يسبق لي رؤيتهما معاً بأي طريقة، فإني أقول لهم: “علينا البحث لاستكشاف إمكانية ذلك”، وهكذا نتعلّم سويةً أشياء وتجارب جديدة.

كيف تتوقعين أن يتطور المشهد الثقافي خلال 15 عاماً القادمة في دولة الإمارات التي تشهد تغييرات جوهرية بوتيرة سريعة؟

هذا سؤال صعب للغاية، لأن توقعاتي لن تتمكن من مواكبة التطور الفائق الذي يمكن أن تبلغه الدولة ولكن وتيرة النمو السريعة أتاحت لنا مساحةً فنيةً فريدة للغاية، حيث لا يوجد مكان آخر في العالم لديه بيئة إبداعية مماثلة حتى من الناحية التاريخية. عادةً ما يستغرق التطور في مجال الفن والثقافة وقتاً طويلاً، باعتباره يرتبط بالإرث الشخصي والثقافي، والمجتمع والأوساط الداعمة والمعتقدات. فمثلاً، كانت جامعة الأعمال الفنية الشهيرة ماري غوغنهايم صديقةً للفنانين، وكانت مهتمّة بجمع أعمال مبدعين من عصرها، من بينهم جاكسون بولوك ولي كراسنر وكاندينسكي. وهاي هي مجموعتها الفنية معروضة الآن في متحفها الخاص بمدينة البندقية. أي أن الأمر استغرق من الوقت الكثير. ولكني متأكدة من اختبار قصص مشابهة في دولة الإمارات لأن الناس هنا يجمعون مقتنياتهم الفنية، ويبقى على الجهات المعنية أن تتخذ قراراً باستقطاب المتاحف إلى هنا والبدء بالعمل الذي يحوّل البلاد إلى حاضنة لمشهد الفنون في المستقبل.

المصور: جريج أدامسكي. محررة الأزياء: نور بو عز. رئيس التحرير: أوليفيا فيليبس. المدير الفني: أوسكار يانيز. منتج: ستيف هوكر. الشعر والمكياج: جازمين لويس رودريغيز. مساعدو المصور: علي رضا ياهو زاده ومارك أوفماريا. مساعد الشعر والمكياج: صبيحة بروين. مساعدة الأزياء: اميلي لويزا كليوي. مع شكر خاص لمتحف المستقبل

من إصدار هاربر بازار العربية في ديسمبر 2022

No more pages to load