Posted inالأشخاصالترفيه

هكذا تعمل نورية على إثراء ساحة الغناء بأنغام الـ “سوانا”

تتحدث نورية، الدي جي ومقدمة البرامج الإذاعية، عن موسيقى منطقة جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا التي تعرف باسم (سوانا) والسر الذي يجعلها جذابة وسريعة الانتشار.

نشأت “نورية”، الدي جي ومقدمة البرامج الإذاعية والمنتجة البحرينية، بين المملكة العربية السعودية واليابان ولندن أثرت على ذوقها الموسيقي إلى أبعد حد وجعلتها تستمع إلى مختلف الألوان الموسيقية وتتأثر بها. ويظهر ذلك جليًا في تنسيقاتها الموسيقية التي تبتكرها بأبلغ قدر من الدقة والاهتمام والانفتاح على كل ما هو جديد وفريد، وهو ما أكسبها شهرتها الواسعة وحب الجمهور لتجميعاتها الموسيقية الحيوية التي لا تعرف حدودًا بين شتى أنواع الموسيقى، شرقها وغربها. تصف نورية إنتاجها الموسيقي وتقول “إنني أشعر وكأني أحمل معي حقيبة خفية مليئة بالمكونات المختلفة القادمة من مختلف بقاع وأماكن العالم”.


أخذت نورية على عاتقها مهمة الربط بين الثقافات الموسيقية المختلفة في شتى أنحاء العالم، حيث أمضت العقد الماضي من حياتها المهنية في الحديث عن موسيقى المهاجرين وأصواتهم الفريدة والترويج لها عبر محطات الراديو ومواقع التواصل الاجتماعي وأماكن التجمع الليلية. نسقت حديثًا سلسلة حفلات بعنوان (في منتصف اللامكان) أو بالإنجليزية (Middle of Nowhere) في إذاعة الموسيقى الشهيرة Boiler Room. لاقت هذه الحفلات رواجًا مذهلًا وكانت التنسيق الموسيقي الأول الذي تخصصه نورية بالكامل لموسيقى منطقة جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا والتي تعرف اختصاراً باسم (سوانا).

في بداية هذا العام، نجحت نورية في تنظيم ورعاية حفلها الخاص في مهرجان جلاستونبري الذي رأته فرصة ذهبية للبناء على جهودها السابقة في المجال وترك حجر أساس يساعد الفنانين القادمين على مواصلة إبداعهم الفني. وتشرح خلفية هذا الحدث المهم في مسيرتها الفنية قائلةً “إن رعاية الحفلات والفعاليات يزيد من قوة حضوري في الساحة الفنية لأنه يمكنني من عدم الاعتماد على الرعاة الآخرين الذين يكونون في الأغلب إما أوروبيين أو رجالًا”. وتضيف “أشعر أن هذا هو جوهر المهمة التي أسعى إليها، بالطبع إلى جانب خلق مساري الموسيقي المهني الخاص الذي يعبر عني ويفتح الآفاق الجديدة للناس”.


تحدثنا نورية عن حبها للموسيقى، فيما والأسرار التي تميز هذا النوع من الموسيقى. والصعوبات التي واجهتها لتحدي الصور النمطية التي تفرض ذوقًا محددًا في الموسيقى

هل كنتِ تحبين الموسيقى منذ أيام طفولتك؟
أتذكر جيدًا الأيام التي كنت أركب فيها السيارة مع بابا ونستمع سويًا إلى الراديو الذي يبث كل أنواع الموسيقى على اختلافها، بدءًا من الكلاسيكيات مثل أغاني عبد الحليم حافظ وحتى الأغاني الحديثة مثل أغاني شيرين ومغنيين غربيين مثل لويس أرمسترونج. وقد تأثرت كثيرًا بهذه التجربة حيث كان التعرض لأذواق موسيقية مختلفة ومتباينة تمامًا عنصرًا أساسيًا في تشكيل ذائقتي الموسيقية فيما بعد. إلا أنني لم أفكر أبداً في أن أبني مسارًا مهنيًا في عالم الموسيقى، وذلك على الرغم من أنني كنت مبدعة. ففي فترة طفولتي، كنت أرسم وألوِّن من حين لآخر، وتعلمت العزف على آلة الفلوت بالمنزل وآلة الكمان في المدرسة. ولكنني طالما شعرت أنها فنون بعيدة كل البعد عني. فقد ظننت أنني لن أتمكن يومًا من الدخول إلى هذا العالم بسبب طبيعة المكان الذي نشأت فيه، وكذلك طبيعة شخصيتي وكوني امرأة في هذا المجتمع.

هل يؤثر شح تواجد النساء العربيات في الساحة الفنية يقدمن نوع الفن الذي تقدمينه حاليًا؟
نعم، ولكن ليس للسبب قد تتصورينه. فقد كانت التحلي بالشجاعة الكافية لأقدم هذا النوع من الموسيقى في المساحات الموسيقية المختلفة هو العقبة الأكبر. على سبيل المثال، في لندن حيث أقطن، يسهل تقديم أنواع الموسيقى المألوفة، مثل موسيقى البوب وأغاني النجوم المحليين التي سيتقبلها الجميع بسهولة، بل حتى سيحبونك لتقديمها. وهنا ظهرت مشكلة ندرة وجود موسيقى تمثل منطقتنا في مثل هذه المساحات، وقد كان اتخاذ هذه الخطوة صعبًا ومليئًا بالتحديات.

كيف دخلتِ المجال الموسيقي وما الذي منحكِ الثقة في قدرتكِ على تقديم نوع الموسيقى الذي تحبينه؟
بدأت رحلتي بالانضمام إلى وسط إذاعة الراديو من خلال التعليق الصوتي وبعدها تعرفت على شغفي بتنسيق الموسيقى وعمل الدي جي. فضلًا عن أنني عندما كنت طفلة، كنت أمثل أنني أعمل في مهنة الكاشير وأنا مستمتعة بالضغط على الأزرار، وأيضًا كنت أحب الموسيقى كثيرًا. وقتها لمعت في ذهني الفكرة وأدركت أن هذه هي المهنة المثالية لي». ربما كان ذلك قبل سبعة أعوام. عكفت على التدريب وبدأت في تلقي طلبات لتقديم عروضي. وكنت أدرك حينها أنه يجب أن أخصص وقتًا لتشغيل الموسيقى التي يستمتع بها الجمهور لأتمكن من لفت أنظارهم وتلقي المزيد من الحجوزات لتقديم الحفلات. بعد أن عرفني الناس، بدأت بإضافة بعض أشياء مختلفة على خلطتي الموسيقية وهذا ما أحبه الجمهور، فكنت مثلًا أدمج أغنيتين من موسيقى منطقة السوانا إلى حفلة كاملة. بعدها لاحظت انسجام الناس مع هذا النوع من الموسيقى. وأدركت أن تقديم الألوان الموسيقية الجديدة أو غير المعروفة مع مجموعة من الألحان والأغاني المألوفة سيجذب الناس للتعرف على هذا الشيء الجديد ليجدوه هو الآخر ممتعًا، ليدركون أن هذا النوع من الموسيقى جذاب للغاية. أظن أن الأمر برمته بدأ من هناك. وأرى أننا يجب أن نقدر على نحوٍ أوسع قدرة الناس والجماهير على تقبل الجديد والتكيف معه.

أنتجتِ مؤخرًا فيلمًا وثائقيًا لقناة BBC يتحدث عن تكيّف الأذن على الاستمتاع لنوع معين من الموسيقى دون غيره. حدثيني أكثر عن ذلك وما الذي اكتشفتِه من خلال بحثكِ؟
تحدثت مع العديد من الباحثين وعلماء الموسيقى وعرفت من خلال أبحاثهم أنه ثمة قدر هائل من مقامات الموسيقى التقليدية تنتقل يومًا بعد يوم لتدخل إلى السلالم الموسيقية الغربية لتتلاءم مع شكل الموسيقى المعاصرة. ويظهر ذلك في إحصائيات تعدها تطبيقات مثل Spotify و Apple لتسليط الضوء على أكثر أنواع الموسيقى انتشاراً. كما أن وسائل التكنولوجيا التي تتوفر لنا الآن لتأليف الموسيقى لا تمنحنا لوحة فارغة تمكِّن المؤلف الموسيقي أو الملحن من إبداع ما يخطر على باله، ولكنها في الحقيقة تولي الأولوية لسلالم ومقامات الموسيقى الغربية. فهناك قيود تميز نوع موسيقى عن آخر. أجرى الباحث الرائع خيام اللامي أبحاثًا عديدة حول هذه المسألة. ويقول إن السيطرة الغربية واستعلاء العرق الأبيض حاضرين حتى في سياق التكنولوجيا المخصصة لإنتاج الموسيقى والأساليب المتبعة لنشر الموسيقى وتوزيعها بشكل عام. وهذا ينطبق على موسيقى منطقتنا، فأي موسيقى تُصنَف كموسيقى “الآخرين” يتم تجاهلها. ولكن، يمكن دائمًا تكييف الآذان للاستماع إلى أنواع الموسيقى المختلفة. ويمكننا تحقيق ذلك من خلال مواصلة تقديم فناني منطقة جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا ودعمهم ومشاركة هذا النوع من الموسيقى مع أصدقائنا. نحن بحاجة لأن نتكاتف جميعًا لمواجهة خوارزميات عالم الإنترنت وتحديها. فقد قدمتِ العديد من الأنشطة على مدار الأعوام الماضية لتثقيف الناس بموسيقى سوانا.
تعجبنا كثيرًا فيديوهات الريلز التي تقدميها على انستغرام لعرض الألحان العربية التي اُقتبسَت في الأغاني الغربية. لمَ كان ذلك أمرًا مهمًا لكِ وهل لمواقع التواصل الاجتماعي من حيث القدرة على إحداث تأثير وتسهيل مهمتكِ؟
رأيت أنها أفضل وسيط لتعريف الناس على مدى جاذبية هذه الموسيقى وقدرتها على أسر حواسنا. فعلى سبيل المثال، أغنية البوب الشهيرة Big Pimpin للمغني جاي زي لحنها مقتبس من أغنية شهيرة قديمة من موسيقانا العربية. فمواقع التواصل الاجتماعي وسيط بصري يمكِّنك من التعبير عن أفكارك بطريقة جذابة وبسيطة وفعالة. يمكن أن نجد أنفسنا في الموسيقى التي نحبها. شعرت أنه ما من مساحة أستطيع من خلالها تقديم ما أريده -أي ما أقدمه حاليًا- وقررت أنه يجب عليّ خلقها بنفسي. وحتى أتمكن من ذلك، احتجت أن أتعلم بعض الأشياء.

بجانب إذاعة الراديو وحفلاتكِ الخاصة، أطلقتِ مؤخرًا سلسلة باسم Middle of Nowhere. ما خلفية هذه السلسلة وما هدفكِ منها؟
لاحظت أن بعض الحفلات التي أُدعَى لها في لندن يُطلَب مني تشغيل موسيقى السوانا فحسب، وفي حفلات أخرى يترقب مني الجمهور تشغيل موسيقى «أخرى». وأردت أن أجد المكان المناسب لكل أنواع الموسيقى الجذابة، أي مساحة تمثل ما كنت أستمع له في بلادي. ولم يكن خلق هذه المساحة مرتبطًا معي بإيجاد مكان أشبه بالصومعة الموسيقية المقتصرة على نوع واحد من الموسيقى. لأنني أرى أن هذا الفكر ينافي ما أدعو له ولا يساعدني في نشر ما أؤمن به عن عالمية الموسيقى، فضلًا عن أنه لا يمنحنا المساحة التي نحتاج إليها في ساحة الموسيقى المتصدرة بشكل عام. أرى أن مشروعي Middle of Nowhere يدور حول الاشتباكات التي تحدث بين الأصوات وأنواع الموسيقى المختلفة. فقد أقمنا حفلة تجمع بين موسيقى منطقة السوانا والموسيقى اللاتينية، وأتطلع لتنسيق واكتشاف المزيد من هذه التشابكات الموسيقية. وأطمح أن تلتقي الأوساط الموسيقية الأخرى بنا لتلتحم هذه العوالم الموسيقية الغنية سويًا.

بدأت ثقافة منطقة السوانا تأخذ نصيبها من الأضواء أكثر من أي وقت مضى. في رأيكِ، ما الذي يحدث حاليًا في المشهد الموسيقي والثقافي العالمي ليسهل مهمتكِ؟
لاحظت أنه ثمة شكل من أشكال الثروة الثقافية التي باتت تحتفي بالاختلاف وتقدره، وذلك ينطبق على جميع الثقافات وليس ثقافة منطقتنا وحسب. وأؤمن أننا نخطو أولى خطواتنا وما زال لدينا الكثير والكثير لنقدمه، سواء على المستوى الموسيقي أو الفني أو أي جانب ثقافي آخر. انتشرت موسيقى الأمابيانو ونغمات الأفروبيت من أحياء إفريقيا إلى العالم، ولا تقل موسيقانا عن مستوى أي منها وهي قادرة على الانتشار والتأثير في كل من يسمعها. لذلك نستحق المساحة ذاتها التي تمتلكها هذه الأنواع. طبيعة عملي كدي جي تجعلني أخزن جميع أنواع الموسيقى على جهازي، ولكن الكثير من زملائي في المجال لديهم في أجهزتهم جميع أنواع الموسيقى فيما عدى موسيقى منطقة السوانا. وهذا ليس لأنها لا تعجبهم، ولكن لأننا نحتاج لبذل المزيد من الجهد ليتمكنوا من التفاعل معها. وهذا هو ما أود تقديمه لفناني الدي جي والمستمعين، وهو تضييق الفجوة بين الأنواع الموسيقية.

اقرؤوا أيضاً: عارضة الأزياء أميرة الزهير تروي قصة طموحها لمجلة بازار السعودية في خريف 2023

No more pages to load