وجه النهضة: الفنانة دانا عورتاني نجمة غلاف هاربرز بازار السعودية لشتاء 2021
تحتفي الفنانة دانا عورتاني بإرثها العربي عبر النهوض بالحرف القديمة، وتمهد الطريق أمام جيل جديد من الفنانات الرائدات اللواتي يساهمن في رسم ملامح المستقبل في المملكة العربية السعودية.
ولدت الفنانة دانا عورتاني ونشأت في مدينة جدة، وتنقلت بين العديد من البلدان. لذلك تأثرت شخصيتها ورؤيتها الفنية بالثقافات الإسلامية والهندية والفلسطينية والأردنية وحتى الأندلسية. ويظهر التراث العربي حاضراً بقوة في أعمالها الهندسية من خلال الأرضيات الخشبية والمخطوطات المزخرفة والسيراميك والتطريز. وتقول عورتاني: «يتأثر معظم الفنانين المحليين بالطابع الأوروبي والأمريكي عند الدراسة في الخارج، لكنني أسعى إلى العثور على لغتي الفنية الخاصة بإلهام من ثقافتي».
اكتشفت دانا شغفها بالهندسة خلال دراسة الفن المعاصر في مدرسة سنترال سانت مارتينز بلندن، وتستعيد تلك الذكريات بقولها: «عندما أتأمل أعمالي في ذلك الوقت، أجد بعض الملامح المستوحاة من الهندسة. لكن شغفي الحقيقي بها بدأ مع دراسة الماجستير، وتحديداً عندما سافرت في رحلة بحث إلى قصر الحمراء في إسبانيا. وأعتقد أن اهتمامي بالتفاصيل الهندسية في فنون العمارة يعود إلى نشأتي في منطقة الشرق الأوسط التي ساهمت في تعزيز هذه الرؤية في ذهني دون أن أشعر».
ولم يكن من السهل بالنسبة لعورتاني أن تشق طريقها في عالم الفن، فقبل النهضة الفنية التي شهدتها المملكة، اقتصر المشهد على بعض المعارض ومجتمع صغير جداً من عشاق الفن. وكان المجلس الفني السعودي بإدارة صاحبة السُّمو الملكي الأميرة جواهر بنت ماجد بن عبدالعزيز من الهيئات القليلة غير الربحية التي تعاونت مع الفنانين السعوديين وساهمت في تفعيل حوار ثقافي مع جامعي الأعمال الفنية في الخارج، بالإضافة إلى دعوة القيمين الفنيين للمشاركة في معارض سعودية.

أقراط Snowflake من الذهب الأصفر والألماس، السعر عند الطلب، سوار Snowflake والألماس، السعر عند الطلب، الإثنان من مجوهرات Van Cleef & Arpels.
الفستان، السعر عند الطلب، من باسل سودا
أخذت دانا على عاتقها مهمة صيانة التراث الثقافي المحلي من خلال الحفاظ على إرث عائلة أمها: «تفتقر المملكة إلى توثيق تاريخ الفن أو أدلة شاهدة على أعمال فن النهضة أو الفن الحديث قبل ستينيات القرن الماضي. لذلك يتمحور عملي حول تطوير لغة للفن المعاصر في الشرق الأوسط».
وتطرح أعمال دانا أسئلة حول النماذج والثقافات والهويات الفنية التقليدية التي يمكن تنشيطها وتقديمها بطريقة معاصرة. وتتبنى رسالة تهدف إلى إنعاش الحرف اليدوية والحفاظ عليها وسط المجتمع الحديث الذي تطغى على ملامحه السرعة ورأس المال والتكنولوجيا على حساب الموهبة الإنسانية. لذلك تحتفي أعمالها بمجتمعات الحرف التقليدية التي تقدم إبداعات مشغولة بمحبة وشغف، وتكمن المتعة بالنسبة لها في مشوار صنع العمل أكثر من النتيجة النهائية بحسب تعبيرها.
تستعد دانا اليوم للمشاركة في بينالي الدرعية المقبل في ديسمبر بعمل فني يستكشف جذورها الثقافية المتنوعة وشخصيات نسائية من أسلافها تكريماً لجدتها السورية وأمها السورية السعودية: «أنحدرُ من جذور متعددة الثقافات تجتمع فيها فلسطين وسوريا والأردن. واستكشف من خلال هذا العمل جامع حلب الكبير المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي والذي تعرض لأضرار كبيرة خلال الحرب». وتعيد الفنانة تصوير ساحة هذا الموقع التاريخي باستخدام مواد من مصادر محلية مثل الطوب الطيني على نمط الهندسة المعمارية لمنازل الرياض القديمة، ليجسد العمل حواراً ثقافياً بين هذا المعلم التاريخي العريق ومدينة الدرعية المدرجة كذلك على قائمة اليونيسكو.
تعتبر دانا نفسها فنانة وحرفية في الوقت ذاته: «كنت أتدرب على الحرف اليدوية خلال دراسة الماجستير في الفنون التقليدية، والتي تركزت حول التعلم المدروس للتقنيات وليس الرؤية الفنية المعاصرة، ومن هنا بدأ شغفي بهذا الاختصاص لأنه عالم قائم بحد ذاته وليس مجرد معلومات نكتسبها في وقت قصير أو من خلال دورة محدودة، إنما يستغرق سنوات من التدريب. كما أثار اهتمامي النهج التعليمي الذي كان عبارةً عن تدريب مكثف تحت إشراف خبراء مرموقين للحفاظ على التقاليد، تماماً كما تفعل العائلات التي تحافظ على إرثها لأجيال متعاقبة».

صادفت دانا خلال رحلتها إلى المغرب مجموعة من المتصوفيّن، وشهدت انهماكهم اليومي بصنع مئات الأوعية الفخارية في ورشهم الخاصة، تبين لها آنذاك أن الحرف اليدوية هي طريقه للتأمل بالنسبة للكثير من العرب لأنها تتطلب درجة عالية من التركيز والالتزام: «تتطلب الحرف اليدوية توجيه العقل والجسم بالكامل لأداء حركات متكررة باستخدام اليدين. وهنا تحضرني كلمات جلال الدين الرومي عندما قال، «اجعل الجمال ما تفعله. مئات الطرق للركوع والسجود».
وهذا ما دفع دانا للنهوض بالمجتمعات الحرفية التقليدية التي تدهورت بشكل كبير للأسف في مختلف أنحاء العالم: «كان الحرفيون في السابق يكسبون عيشهم من الدعم والرعاية التي يقدمها الملوك والحكام. لكن للأسف بدأت هذه المعارف القيّمة تندثر في العديد من المجتمعات الحرفية التي زرتها في المغرب والهند لأنها لم تعد مجدية من الناحية المادية، وبدأ الحرفيون بالتوجه نحو مجالات مختلفة توفر أجوراً أفضل. فلم يعد الناس يصرفون نقودهم على القطع الحرفية المصنوعة يدوياً، وأوشكت هذه الخبرات على الضياع، لذا من واجبنا الحفاظ عليها لأنها جزء أساسي من هويتنا الثقافية».
“أنظر إلى الفن كأداة لتمكين الكثير من السيدات هنا، وأعتقد بأننا مسؤولون تجاههنّ”
حرصت دانا على التعريف بهذا التاريخ في محيطها كجزء لا يتجزأ من هدفها كفنانة، حيث تمثّلت مهمتها، منذ بداية مشوارها الإبداعي في السعودية قبل عقد من الزمن، في تثقيف المجتمعات المحلية حول قيمة الدراسة وإدراك المعنى الحقيقي للهوية السعودية. وتطرح الفنانة تساؤلاً لطالما شغل تفكيرها حول سبب افتقارنا لمناهج الفنون والعمارة الإسلامية «لماذا كان علي الذهاب إلى لندن كي أحصل على شهادة الماجستير في الفنون الإسلامية التقليدية؟ أليس من المفروض والأولى إطلاق هذه التخصصات هنا؟ وما السبب الذي دفع الكثير من البلدان العربية إلى إهمال التعليم الفني الخاص بالهندسة والتصميم الإسلامي؟»
ولكن نظرتها تحمل التفاؤل حول مستقبل الفنون في السعودية في ظل عمليات التطوير والتحديث التي تشهدها البلاد. «تغيّر الوضع بشكل ملفت مع تأسيس وزارة الثقافة وإطلاق العديد من المبادرات الداعمة للفنانين. وأعتقد أن الرياض تشهد اهتماماً أكبر بتعزيز المجتمع الفني من خلال استثمار المستودعات هناك وتأجيرها للفنانين بهدف تحويلها إلى استوديوهات عمل خاصة بهم. كما تغيّرت نظرة المجتمع إلى الفنانين كثيراً وباتت أكثر تقديراً واحتراماً من أي وقت مضى. ففي السابق عندما تخبر أحدهم بأنك فنان يستغرب الأمر، ويستفسر عن طبيعة عملك، ويشكّك في الفن كمهنة لكسب الرزق. أي أن المقاربة للفن لم تحظَ بالتقدير والاحترام اللازم. ولكن الوضع تغير الآن حسبما أعتقد. وشكّلت حركة الإصلاح والتطوير في البلاد صدمةً ثقافيةً بالنسبة لي ولكن بطريقة إيجابية. فالمملكة لديها إمكانيات هائلة على جميع الأصعدة، وإذا نظرنا إلى القطاع السياحي مثلاً، لوجدنا بأن مناطق رائعة مثل مدينة العُلا لم تحصل على الترويج اللائق، حتى أني لم أسمع بها طوال نشأتي. كما توجد الكثير من المواقع الطبيعية الخلابة التي تنتظر مزيداً من الاهتمام. ويسعدني أننا بدأنا الآن في استثمارها والتعريف بها للعالم أجمع».

ساعة Ludo Secret من الذهب الأصفر الألماس، اللازورد وعرق اللؤلؤ، والياقوت الأزرق والوردي، السعر عند الطلب، من مجوهرات Van Cleef & Arpels.
البليزر، السعر عند الطلب، من Nemer Saadé
تشهد السعودية في الوقت الراهن مزيداً من التوجه نحو تمكين المرأة وتعزيز حقوقها، وهذا ما يؤكّده رفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارات، وتعزيز حضورها في القوى العاملة. وتؤكّد دانا بأن هذا الدعم الملفت لحقوق المرأة يمنحها إحساساً رائعاً ويشكّل بالنسبة لها مصدر ارتياح: «تتمتع المرأة السعودية بشخصية مجتهدة وعقلية ذكية، وتستحقّ أن تنال فرصتها. وأعتقد بأن هذه التغييرات ستثمر نتائج إيجابية، لذلك أتمنى أن تواصل السعودية منهجية التطوير والانفتاح على بقية العالم وتعزيز حضورها الدولي كنقطة جذب هامة. كما أريد لها أن تتمسّك بهويتها وثقافتها وقيمها الوطنية بالتوازي مع الانفتاح لأن تواجدنا في مجتمع منفتح على العالم سيؤدي إلى توليد مزيد من الفرص وتحقيق مستويات أكبر من النمو».
يؤكّد المجسّم التركيبي «اسمع كلماتي» – الذي صممته دانا عام 2020 بأسلوب يجمع بين الرهافة الشعرية والرمزية الهندسية – على وجود المرأة القوية في التاريخ، رغم كل ما عانته من تهميش لعدة قرون. بينما يستذكر العمل قصائد الشاعرات، منذ القدم وحتى القرن الثاني عشر، ليعيد سردها بأصوات السيدات السعوديات في العصر الحديث.

الفستان، السعر عند الطلب، من بيج ليبل
«لطالما وضعت حدود لا يسمح للمرأة بتجاوزها في مختلف نواحي الحياة، ولم يكن هذا الأمر مريحاً بالنسبة لي لأني أنتمي إلى عائلة لا تعتمد هذا النهج، خاصةً أن السيدات تشكّلن النسبة الأكبر من عددها بوجود 13 أنثى على وجه التحديد. ونحن نتمتّع جميعاً بشخصيات قوية ومستقلة ولدينا تحصيل تعليمي مميز، حيث يؤمن والديّ وأعمامي وعمّاتي بأهمية تعليم المرأة. بينما تركّز الكثير من أعمالي الفنية على موضوع الشعر العربي، وقد اكتشفت بأن الذكور يمثّلون النسبة الأكبر من الأسماء التي صادفتها على الساحة الأدبية، من بينهم جلال الرومي وحافظ ابراهيم. في حين لم يكن هنالك أي أثر يذُكر للمرأة في عالم القصيدة». إلّا أن اكتشافها لكتاب مختارات من شعر المرأة العربية المعاصرة، والذي عثرت عليه بالصدفة، فتح عينيها على تقاليد أدبية غير معروفة لدى الغرب. «لقد أذهلني ما قرأت، ولم أصدّق أن سيدات من هذه المنطقة من العالم تمكّنّ من التعبير عن أنفسهن بتلك الصراحة. وهذا ما دفعني لأكشف للمجتمع حياة المرأة قديماً».
من الواضح بأن قدرة المرأة على التعبير عن نفسها بواسطة الفن شكّلت الحلم الذي تحوّل إلى حقيقة بالنسبة لدانا. «الفنان يملك القوة لأن الناس يستمعون إليه، لذلك أنظر إلى الفن كأداة لتمكين الكثير من السيدات هنا. وأعتقد بأننا مسؤولون تجاههنّ. فالممارسة الفنية الأنثوية في هذه المنطقة تتميز بالتنوع، انطلاقاً من العمارة وصولاً إلى القضايا الاجتماعية. وأنا أركّز هنا على الجانب الثقافي. وأعتقد بأن الفن يقدّم أفضل وسيلة لتمكين المجتمع الغربي العالمي من فهم الثقافة السعودية ورؤيتها بعدسة الفنان».
يعّد الفنان أحد العناصر الأكثر تعبيراً لاستيعاب وتقدير الهوية الثقافية لأي بلد. لذلك من الطبيعي أن نشهد ازدهار السعودية على هذا الصعيد، وكما تقول دانا «إنها مجرد البداية».

رئيس التحرير: أوليفيا فيليبس. تصوير فلاديمير مارتي. تنسيق الأزياء : نور بو عز. كتبته: عائشة س. شهمير. المحررة العربية: خلود أحمد. المدير الفني: أوسكار يانيز. مدير الأزياء: آنا كاستان. الشعر: سلمى محمد. المكياج: تيا خالد. المنتج: جيسي فورا. مساعد المنسقة: نسيبة المهوس. مساعد المصور: عبد الرحمن جو. مع شكر خاص لـ HH Art Studio
