.
Posted inهاربرز بازار أخبار

صبا مبارك نجمة غلاف عدد هاربرز بازار العربية لشهر سبتمبر 2025

من هي صبا مبارك الحقيقية؟ من هي بعيدًا عن أضواء النجومية؟ سؤال عميق ما زالت هي نفسها تبحث له عن إجابة، وها نحن ذا نشاركها رحلة اكتشافها لذاتها.

تؤمن صبا مبارك أن 99% من تكوين ذواتنا هو نتاج عوامل خارجية لا إرادية؛ من العائلة التي وُلدنا فيها، إلى شكل طفولتنا، وحتى القصص التي نشأنا نسمعها، ليبقى في النهاية فُتات لنا نحن نصنع به ما نريد. توصلت صبا، الممثلة والمنتجة الأردنية، إلى هذه النظرية بعد أكثر من عقدين قضتهما تحت أضواء الشهرة، وبعد أن قدّمت شخصيات لا حصر لها وعاشت حيوات عديدة في حياة واحدة.

.

تستهل صبا حديثها قائلة: “الواحد في المئة هنا هو بُعد آخر قد تقطع لأجله ملايين الكيلومترات، تسافر وتعود وتغادر وتصل، لتقرر فجأة أن عليك التغيير، وأنك لن تكون هذا الشخص بعد الآن. يمكنك حقًا إحداث تغيير”. وتستكمل: “لا أريد أن أكون ضحية لنشأتي أو لعائلتي، ولا أن أكون المستسلمة لآلام صدمة نفسية أو لزعزعة داخلية”.

إنها حقيقة أدركتها صبا بعد وقت طويل أمضته في التأمل ومواجهة ذاتها، وبينما نجري هذه المقابلة عبر تطبيق زووم من مقر إقامتها الحالي في القاهرة. بملامح طبيعية خلف نظارات سميكة الإطار، وشَعر بني طويل ينسدل كالهالة حول وجهها، تجلس مرتاحة فوق غطاء وثير، حافية القدمين، مرتدية طقمًا واسعًا بلون أخضر زاهٍ. ورغم أنّ معرفتها بي لا تتجاوز بضع دقائق، إلا أنها تبدو على دراية عميقة بمكنونات نفسها، غير مترددة في الحديث بصراحة عن السنوات الأربع الماضية التي أمضتها في خوض غمار مشاعرها، وصولًا إلى فهم أعمق لذاتها.

.

تشرح صبا باستفاضة:”كنتُ طوال فترة طويلة أستمد طاقتي من غضبي ومشاعري العميقة. وكنتُ أظن أن ذلك ما يجعلني ممثلة جيدة، ويمنحني قوة حقيقية”. لكنها بعد مواجهة هذه المشاعر مباشرةً، قررت أن هذا الغضب العاصف لم يعد يخدمها؛ لا على الصعيد المهني ولا الشخصي. “يمكنك أن تستمد طاقتك من الغضب لمسافة معينة، لكن في النهاية سينفجر المحرك مهما فعلت.”

التحول إلى مصدر طاقة قائم على التأمل الذاتي والحكمة منحها مقاربة أكثر اتزانًا في استثمار ذلك الجزء البسيط — الذي لا يتجاوز واحد في المئة — من شخصيتها والذي تعتقد صبا أنّه تحت سيطرتها. كما أتاح لها أن تحافظ على مسافة صحية من الشخصيات المتعددة والمعقدة التي تتقمصها في عملها. “بدأتُ أؤمن بجدية أنك لست مضطرًا لأن تعيش الألم فعلًا لتجسد الألم. لست بحاجة إلى استدعاء بؤسك أو معاناتك…”

.

“لست مضطرًا إلى استنزاف روحك وذاتك كليًا لتتقمص شخصية معيّنة؛ ليس من الضروري أن تفقد نفسك بالكامل“. صبا مبارك

بدأت محادثتنا ساعة الظهيرة بتوقيت العاصمة المصرية. بعد أن أمضت صبا الليلة الماضية في تصوير مسلسلها الجديد ورد على فل وياسمين، وهو دراما من 15 حلقة من إنتاج الشركة العربية أروما، من تأليف عمرو سمير عاطف وإخراج محمود عبد التواب، والمقرر عرضه مستقبلًا على منصة شاهد في أي بي.  تتوخى بطلة العمل الحذر في عدم كشف الكثير عن تفاصيل العمل، لكنها أفصحت عن كونه قصة حب، وبسعادة بالغة أشارت إلى أنّه كوميديا سوداء، وهو نوع تقول إنه غير شائع في الساحة المحلية، على الأقل من واقع خبرتها في الأدوار المصرية التي قدمتها منذ انطلاقتها عام 2010 في فيلم بنتين من مصر.

كانت صبا قد درست التمثيل والإخراج المسرحي في جامعة اليرموك في الأردن وتخرّجت عام 2001، قبل أن تبدأ مسيرتها في السينما العربية عام 2003 مع الفيلم التونسي الأوديسة، وبعد عقود من ذلك، أصبحت نجمة حقيقية لها رصيد ضخم ومتنوّع من الأعمال التي تتجاوز قدرتها على الحصر، متنقّلة بين مختلف المناطق والأنماط، على الشاشات الكبيرة والصغيرة. وتعلّق آمالًا كبيرة على مسلسل ورد على فل وياسمين تحديدًا، إذ تصفه بأنّه “عمل مؤثر ويواكب المعايير العالمية”.

.

وبالحديث عن صعوبة الموازنة بين تقديم عمل ثقيل يحمل في طيّاته لحظات من الخفة والضحك، فتجيب صبا مبتسمة: “أليس هذا هو جوهر الحياة؟”. لحظة صمت قصيرة تسود الحوار قبل أن ينتقل الحديث بسلاسة إلى مسلسل 220 يوم، الذي عُرض في الصيف الماضي وتؤدي فيه دور مريم، مصوّرة يكتشف زوجها إصابته بمرض عضال في الوقت نفسه الذي يكتشفان فيه خبر حملها المنتظر بطفلهما الأول.

ورغم أنّ شخصية مريم تبدو قريبة من واقع صبا، خصوصًا أنها ابنة الفنانة الفلسطينية الراحلة حنان الأغا، فإن الجانب الذي لامسها بعمق كان علاقة مريم المعقدة بوالدها، لتتذكر طفولتها وعلاقتها الشائكة بوالدها: من غيابه إلى عودته إلى حياتها، وصولًا إلى محاولاتهما الصعبة لفهم بعضهما بعضًا. ورغم أنهما لم يصلا إلى السلام قبل وفاته، إلا أن العمل شكل علاجًا نفسيًا لها وساعدها على إعادة تشكيل ملامح هويتها بعيدًا عن جذورها العائلية: “بعد الانتهاء من التصوير سألت نفسي هل فعلًا كان يستحق رد فعلي هذا بأكمله؟”.

.

وعن مدى صعوبة توديع الشخصية بعد انتهاء التصوير، خصوصًا مع تشابك أحداثها مع واقعها الشخصي، تستعيد صبا مقولة سمعتها في بداياتها المسرحية: “الممثل يشبه وعاءً خشبيًا. تملؤه ثم تفرغه، لكن يبقى دائمًا أثر خفيف يرافقك من شخصية إلى أخرى”. وتروي كيف استنزفها مسلسل أفراح القبة إنتاج  عام 2016 المقتبس عن رواية نجيب محفوظ، حيث جسّدت شخصية درية، حتى أنها ابتعدت عن التمثيل لعامين كاملين بسبب عجزها عن التخلّص من الظلمة التي حملتها معها.

لكن الآن، بفضل رحلة الوعي الذاتي والعلاج النفسي، صارت أكثر قدرة على الفصل بين ذاتها والشخصيات التي تتقمّصها. تكشف: “أحيانًا تحتاج إلى إعادة تشغيل، إلى اختفاء مؤقت لتجد صوتك من جديد. كل هذه الأشياء التي تراكمها الشخصيات ليست ملكك”. ولعلّ أبرز ما يطرحه مسلسل 220 يوم هو قيمة الوقت: كم نملك منه؟ كيف نختار أن نعيشه؟ ومع من؟”. وكلما تقدمت صبا في العمر، ازدادت وعيًا بمرور الشهور والأيام وحتى الساعات، مصمّمةً على أن تعيش حياتها بصدق كامل، وإن كانت لا تزال تكتشف مَن تكون حقًا.

.

وتكشف صبا أنّ أحد أكبر إدراكاتها في رحلة اكتشاف الذات هو إدراكها لإدمانها السابق على النجاح، إذ كانت مدفوعة بالنتائج أكثر من الاستمتاع بالرحلة نفسها. لكن اليوم، تغيّرت أولوياتها وصارت تبحث عن هوية غير مرتبطة بالتقدير الخارجي. تؤكد: “سيكون هناك دائمًا من هو أنجح أو أجمل أو أصغر أو أطول أو أكثر موهبة، لكن المقارنة الوحيدة التي أسمح بها هي مع نفسي. يكفيني أن أقول إنني أتحسن وأصبح أفضل”.

كما باتت أكثر تصالحًا مع إخفاقاتها، معترفة بأنها فخورة بمعظم أعمالها، وإن كانت هناك أعمال قليلة تفضل نسيانها احترامًا لزملائها. وتختم: “حتى هذه التجارب القاسية تحمل دروسًا قيّمة؛ فهي تعلّمك ما لا تريده فعلًا”.

.

الغرباء، بل كيف يراها أحبّتها: ابنها، شقيقتها، أصدقاؤها. هذا – كما تقول – هو ما يدفعها للنهوض من سريرها كل صباح. تلك ستكون إرثها، إلى جانب إرثها الفني الذي يتّسع كل يوم بمسيرة حافلة من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات “ستجدون فيها التنوع، والصدق، والشفافية، والحب”، إلى جانب أعمال “مضحكة، وحزينة، وغاضبة”.

ومن خلال شركتها الإنتاجية “بان إيست ميديا” التي تتخذ من دبي مقرًا لها، تسعى النجمة المخضرمة إلى دعم المواهب الشابة في المنطقة عبر منحهم فرصًا حقيقية للمشاركة في المشاريع الفنية. وتؤكّد أن شعورها بالإنجاز المهني سيكون مرتبطًا في النهاية بـ “مدى قدرتي على مساعدة مسيرات الآخرين، إذا استطعت أن أساعد المواهب الشابة على تحقيق شيء أو أن أمدّ لهم اليد التي كنت أحتاج إليها بشدّة في فترة من حياتي.”

.

ولا يمكن الحديث عن تأثير صبا في الآخرين من دون التطرّق إلى جهودها في تمكين النساء العربيات في السينما. لطالما كانت صريحة في الحديث عن التحديات التي واجهتها بسبب جنسها، وعن التفاوت في الفرص داخل الصناعة عمومًا. وعندما تصدّرت غلاف “هاربرز بازار العربية” عام 2019، قالت حينها إنه “لفترة طويلة في الأردن لم يكن هناك وجود للمخرجات النساء، بل كان هناك فقط ما يُسمّى بـ (فتاة السيناريو)”.

ولأنها ليست ممن يكتفين بالمشاهدة، أسست شركتها “بان إيست ميديا” عام 2011 ردًّا على هذا التمييز: “كنت أريد ابتكار شخصيات لامرأة في الستين، وامرأة ليست جميلة وفق المعايير السائدة، وامرأة بدينة وفق مقاييس المجتمع… شخصيات تشبه أمهاتنا وأخواتنا، نساء حقيقيات يقمن بأشياء مذهل”. ومنذ ذلك الحين، أنتجت أعمالًا تتمحور حول أمهات مستقلات وشخصيات نسائية طموحة تواجه التحدي الأزلي في الموازنة بين العائلة والعمل، إضافة إلى عمل تاريخي عن امرأة بدوية صارت قائدة قبيلة. ولم تتردد كذلك في تناول قضايا شائكة كالعنف الأسري ومعاناة طالبي اللجوء من خلال عدسة النساء.

.

وبعد ست سنوات على ذلك اللقاء، تشعر صبا بمزيد من الإيجابية، إذ ترى اليوم عددًا متزايدًا من النساء يشغلن مساحات أكبر أمام الكاميرا وخلفها في منطقتنا. وهنا تقف لتوضح موقفها من المصطلحات قائلة: “لا أحب تعبير ‘الشرق الأوسط’. لنقل ‘في منطقتنا’.” وعندما سُئلت عن السبب، شرحت بنبرة واثقة أن هذا المصطلح “استعماري المصدر، وُضع وفق رؤية أوروبية تتمحور حول الغرب. اعتدنا على استخدامه لأننا شربناه حتى الثمالة، لكن أحيانًا علينا أن نتقصّد التفكير في الكلمات التي نستخدمها.”

مرة أخرى، تظهر شجاعتها في استخدام صوتها، سواء عبر صفحات المجلات، أو على المنصات عند تسلّم الجوائز – التي حصدت منها الكثير، منها جائزة أفضل ممثلة من مهرجان “الشرق الأوسط الآن” في إيطاليا ومن مهرجان “طريق الحرير السينمائي الدولي” – أو من خلال أعمالها الفنية.

.

ومن بين أكثر إنجازاتها التي تفخر بها، إنتاج شركتها “بان إيست ميديا” لمسلسل “عبور” الذي عُرض في رمضان عام 2019، وتناول قصة اللاجئين السوريين والعاملين الإنسانيين. تم تصوير العمل في مخيم “مريجيب الفهود” في شرق الأردن، وضم فريق العمل أكثر من 500 لاجئ، ليقدّم نموذجًا يُحتذى به في كيفية سرد قصص المجتمعات الهشّة بطريقة تمنحها القوة بدلًا من استغلال ضعفها.

تؤكد صبا: “لقد منحهم ذلك فرصة للإبداع والعمل معنا في قسم الفنون، والبناء، والتمثيل، والعمل في الإنتاج وحتى في خدمات الضيافة. كان أمرًا مذهلًا. أشعر بسعادة غامرة لكوني جزءًا من خلق هذا الجو.”

فيلمها “الضيف: حلب – إسطنبول” عام 2017 ألقى الضوء أيضًا على معاناة اللاجئين السوريين وحاز اعترافًا دوليًا، حيث عُرض في مهرجانات من بوسطن إلى فيينا ومالمو، وتلقى إشادة واسعة لما قدّمه من معالجة حسّاسة للأزمة. ورغم أن صبا لا تعتقد أن كل فيلم أو عمل فني يجب أن يحمل رسالة، إلا أنها ترى أن السينما من أفضل الوسائل للتعبير عن المواقف، خاصة بعدما وجدت أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت منصة غير فعّالة لاتخاذ خطوات حقيقية.

.

وتقول بحزم: “لا أظن أننا في مرحلة تجعل ما يُقال على وسائل التواصل مهمًّا. كل ما يفعله هو خلق جدل لا يترجم إلى طاقة حقيقية للتغيير”. وتضيف أنها تتعرض يوميًا للتنمر الإلكتروني والنقد المستمر عبر هذه المنصات: “طوال الوقت، يسألون: هل أنت مجنونة؟ هل أنت غبية؟ هل أنت بدينة؟ هل أنت قبيحة؟ هل أنت كبيرة في السن أم صغيرة؟ يقولون كنتِ تبدين أفضل قبل ذلك، أو أنك بحاجة لخسارة الوزن، ثم تخسرينه ليقولوا إنك أصبحتِ نحيلة أكثر من اللازم وتبدين مريضة. إنهم يهاجمونك باستمرار.”

وترى أن هذه السطحية في النقاشات، التي تختزل الأشخاص في تعليق واحد أو منشور عابر حول قضايا أعقد بكثير مما يمكن تلخيصه في سطر أو اثنين، لا تحقق أي نتيجة حقيقية، بل تشتت الهدف الأساسي لهذه المحادثات. نعم، ما زالت تعبّر عن آرائها حيال الظلم الاجتماعي الذي لا يمكن التغاضي عنه، لكنها تعتبر أن الأثر الحقيقي يمكن تحقيقه من خلال فنّها، وربما الأهم من ذلك، من خلال مهمة تربية أسرة.

.

وتختتم بقولها: “ما يشغلني الآن هو أن أربي إنسانًا صالحًا واحدًا، وهو بدوره سينشئ اثنين أو ثلاثة أشخاص صالحين آخرين، وهكذا نصنع التغيير.”

ذلك، بلا شك، إرث يستحق أن يُعاش من أجله.

No more pages to load