الممثلة دينا شهابي تتصدر غلاف هاربرز بازار السعودية وتحدثنا عن طموحها بالفوز بجائزة أوسكار
تثبت الممثلة دينا شهابي قدرة المواهب العربية على المنافسة على المستوى العالمي. بينما تحدثنا عن نشأتها في الشرق الأوسط، وحلمها بإثبات موهبتها أمام العالم أجمع…
تحجب دينا شهابي وجهها بكلتا يديها لإخفاء الدموع التي لم تستطع منعها من الانهمار، ويتخلل بكاؤها المتقطع محاولات اعتذار عن فقدان السيطرة على مشاعرها. ولا أسعى عادةً لإثارة مشاعر المشاهير بهذه الطريقة، إلا أنني أستطيع أن أؤكد أن دموع شهابي نابعة عن شعورٍ بالفرح والأمل وليس العكس.
أجرينا هذه المقابلة مع دينا شهابي في الصباح التالي لحفل توزيع جوائز الأوسكار، حيث تعيش شهابي في لوس أنجلوس منذ ست سنوات في مكانٍ قريب من موقع الفعالية. ويتولى نفس الشخص إدارة أعمالها وأعمال أريانا ديبوز، الفنانة الأمريكية التي أصبحت ليلة أمس ثاني ممثلة من أصول لاتينية تفوز بجائزة الأكاديمية لأفضل ممثلة مساعدة عن دورها بشخصية أنيتا في فيلم ستيفن سبيلبرغ المقتبس West Side Story. تجمع ديبوز و شهابي العديد من القواسم المشتركة، أهمها أن كلاهما سيدات ببشرة ملونة اختارتا العمل في مجالي التمثيل والرقص.

علقت دينا شهابي على إنجاز ديبوز بقولها: «تأثرت حد البكاء بفوز أريانا ديبوز بجائزة الأوسكار باعتبار أنها راقصة بالأصل. وتذكرت الشعور الذي رافقني دوماً بأنني راقصة في المقام الأول، مما سيمنعني، إلى جانب تأخري في دخول مجال التمثيل، من تحقيق النجاح فيه، إلا أن فوز ديبوز بالأوسكار أعاد لي ثقتي بقدرتي على النجاح لتشابه مسيرتينا. وأستطيع القول أن تكريمها على منصة عالمية شكّل مصدر إلهامٍ لي، حيث استيقظتُ اليوم بشعورٍ مختلف تماماً بوجود رابطٍ وثيق بيننا باعتبارنا سيدتين ببشرة ملونة اختارتا العمل في مجال الرقص».
“لم يعد بإمكان هذا القطاع التغاضي عنا وعن إمكاناتنا التي تخولنا لأداء العديد من الأدوار على اختلافها”
شهدت مسيرة دينا شهابي، التي تطمح هي أيضاً على حد قولها للفوز بجائزة أوسكار، في مجال التمثيل نجاحاً كبيراً تمكنت من خلاله من إثبات اسمها على الساحة الفنية المحلية من خلال تأدية أدوار رئيسية في أعمال متعددة مثل الفيلم الكوميدي والرومانسي Amira & Sam ومسلسلاتها الأكثر شهرة Jack Ryan وAltered Carbon و Ramy بالإضافة إلى مسلسل الرعب Archive 81 الذي يحتل المرتبة الأولى في المشاهدات على منصة نتفكيلس والذي تؤدي فيه دور ميلودي بندراس.
بدأت دينا شهابي مسيرتها الفنية في العاصمة السعودية الرياض، حيث ولدت في شهر سبتمبر من عام 1989 لأم من أصولٍ فلسطينية – ألمانية – هايتية تدعى ناديا، نشأت وترعرعت في فرنسا، وأبٍ يدعى علي شهابي من أصولٍ سعودية – نرويجية. وانتقلت دينا مع والديها وأخويها إلى دبي بعمر السبع سنوات، حيث اكتشفت شغفها بالرقص بعد تلقيها بعض الدروس على يد مدربة الرقص ومصممة الرقصات الشهيرة شاميلا كامت، قبل أن تنتقل مع عائلتها إلى بيروت بعمر 15 عاماً لتكتشف بعد فترة وجيزة شغفها بالتمثيل.
«لطالما كنت مهتمة بالتمثيل بطريقةٍ ما، وكنت أقضي ساعاتٍ طويلة أتابع التلفاز وأشاهد أعمالاً مثل Six Feet Under وThe Sopranos و Before Sunrise لجولي دلبي. وكنت دائماً أتدرب أمام المرآة على كلمة الشكر التي سأقولها بعد استلام جائزة الأوسكار». تقول دينا شهابي ضاحكة وتضيف: «بينما كنت مشغولة في مجال الرقص لم يخطر ببالي أن أكون قادرة على التمثيل لاعتقادي أن خامة صوتي غير مناسبة لهذا المجال، ولكن في اللحظة التي قال لي مدرّب التمثيل أنني أمتلك الموهبة اللازمة لعالم التمثيل، بدأت أفكر جدياً بدخول هذا المجال».

انتقلت دينا شهابي بعمر 18 عاماً إلى نيويورك للدراسة في الأكاديمية الأمريكية للفنون المسرحية في مانهاتن، حيث أصبحت أول امرأة مولودة في منطقة الشرق الأوسط وأول امرأة سعودية يتم قبولها للدراسة في مدرسة جوليارد لفنون الأداء ومدرسة تيش العليا للفنون في نيويورك. وتلقت دينا بعد ذلك بعض أدوار التمثيل والرقص الثانوية في أعمالٍ وعروضٍ متنوعة، بما فيها برنامج ساترداي نايت لايف، قبل أن تستقر في مدينة لوس أنجلوس، حيث كانت كثيرة التنقل بين منزل والديها في البرتغال ومراكز التسوق في لندن.
أوضحت دينا شهابي التي تبلغ من العمر 32 عاماً الآن: «أعتقد أن دبي هي موطني الحقيقي بالرغم من شعوري بالانتماء إلى بيروت أيضاً التي قضيت فيها فترة قصيرة نسبياً إلا أنها كانت محطةً مهمة في حياتي، حيث شعرت بارتباطٍ غريب بهذه المدينة وأجوائها التي ساهمت في تحقيق حلمي. وأعتقد أن لبيروت سحرٌ فريد لا تمتلكه سواها من المدن. ولا شك أنني أشتاق للسعودية، إذ كان من المقرر أن أزورها في عام 2020 حين بدأت الأزمة الصحية العالمية. وأخطط لزيارتها هذا العام لأكون إلى جانب صديقة طفولتي وهي تنجب طفلها. كما أود أن أذهب إلى هناك لأرى التغيرات التي تشهدها المملكة، خاصةً أنه لم يتسنى لي قضاء الكثير من الوقت فيها منذ أن انتقل والداي إلى البرتغال».

ولا تزال دينا شهابي تحتفظ بالكثير من الذكريات الغالية على قلبها عن الرياض: «أذكر بوضوح الأجواء الاجتماعية المميزة في الرياض، حيث كنا نقضي الكثير من الوقت في بيوت الجيران. ولعل أغلى الذكريات على قلبي كانت أيام الجمعة عندما كنا نجتمع في منزل عم والدي ونلتقي جدته التي تقطن هناك وتحظى بمكانةٍ خاصة في قلبي. تخطر لي ذكراها كثيراً في هذه الأيام، وأعتقد أن فراقها كان من أصعب الأشياء التي مررت بها عند مغادرة السعودية، إذ أحسست أنني أقطع صلتي بها نهائياً بالرغم من الحب الكبير الذي كانت تكنه لي. لقد كانت فترةً مميزة من حياتي».
افتقدت دينا شهابي منزلها وأصدقاءها في السعودية بعد انتقالها إلى دبي، حيث استمر شعورها بالوحدة لمدة عامين تقريباً قبل أن تقرر التسجيل في دروس الرقص: «لقد مررتُ بفترةٍ صعبة، حيث كنت أقضي الكثير من الوقت لوحدي وأنا طفلة بعمر 11 عاماً دون التواصل مع أحد، لكنني عندما دخلت مدرسة الرقص تلاشت جميع هذه المشاعر، وأصبح الرقص عالمي الفريد. دربتني شارميلا على رقص الجاز والهيب هوب والباليه والرقص التعبيري أو كل شيء بالأحرى. وعلمتني أيضاً الانضباط والعمل بجد، حيث كانت دائماً تؤكد، مع والديّ، على أهمية الالتزام بالأخلاق والنزاهة. وكانت تدرك تماماً صعوبة احتراف الرقص كمهنة في دولةٍ إسلامية، مما يتطلب مني بذل جهودٍ إضافية والانتباه إلى تصرفاتي حتى لا أعكس صورة سلبية أبداً، خاصةً وأن البعض قد يعتبر الرقص بحد ذاته فعل خاطئ يدعو للخجل. لذلك، حرصت دائماً على التصرف بلطف والظهور بأفضل صورة على أمل ألا يُساء فهمي باعتباري اخترت مسيرة مهنية غير معتادة لفتاةٍ سعودية».

ولا يعني ذلك أن مسيرة دينا شهابي كانت سهلة وخالية تماماً من العوائق، إذ توجب عليها تجاوز الكثير من التحديات والصعوبات التي فرضها عليها المجتمع بشكلٍ عام، وأفراد عائلتها بشكلٍ خاص: «عارض أخي الكبير فكرة دخولي إلى عالم الرقص خلال نشأتي، ولم يحضر عرضاً واحداً لي لشعوره بالخجل، إلا أنه أصبح أكبر الداعمين لي الآن. كما لمستُ شعوراً بالخوف عند أبي بسبب اختياري مهنة الرقص والتمثيل، بالإضافة إلى الكثير من المواقف التي عبّر فيها عن عدم رضاه عن قراراتي، ولكنّه تجاوز ذلك كله مع الوقت، وتعلّم أن يحب فني كما تعلمت بدوري ألا أتجاوز حدودي أبداً». وتقصد شهابي غالباً التغريدة التي نشرها والدها في إحدى المرات عن المشهد العنصري الذي نال استهجانه في أحد مسلسلاتها بعنوان جاك ريان، والتي حذفها بعد ذلك ولكن ليس قبل أن توثقها الصحافة العالمية، حيث علقت على ذلك قائلة: «لقد نضجت الآن وتعلمت أن آخذ وقتي وأتذكر دائماً أنني فتاة سعودية، وأرى هذا الانتماء جزءاً جميلاً من شخصيتي لا أود التنكر له أبداً. يثق والدي بي وبموهبتي، ويدرك قدراتي الشخصية وإمكاناتي الخاصة كامرأة».
كان لدينا نصيبها من مواجهة الصور النمطية للسيدات صاحبات البشرة الملونة، والمسلمات على وجه الخصوص: «كانت بعض أدواري الأولى تأدية شخصية زوجة إرهابي وانتابني بعض الخجل من ذلك، لكنني لم أرغب برفض هذه الفرصة. وأتيحت لي بعد ذلك فرصة للظهور في دور مميز وأكثر تعقيداً ضمن مسلسل Jack Ryan نلت عنه ترشيحاً لجائزة اختيار النقاد، حيث مهد ذلك الطريق أمامي للتعامل مع وكالات أعمال أكثر شهرة».

وتعتقد دينا شهابي أن المستقبل يحمل لها المزيد من الفرص المهمة، حيث نجحت في تلقي أدوار أكثر أهمية، بالإضافة إلى قائمة الأعمال المميزة التي شاركت بها والمقرر طرحها قريباً، مثل Painkillers ،مسلسل الدراما المؤلف من ستة أجزاء من إنتاج نتفلكس والذي يدور حول أزمة الأفيون في أمريكا، حيث تؤدي شخصية أحد مندوبي المبيعات الرئيسيين إلى جانب ماثيو برودريك وأوزو أدوبا. وتقول: «الكثير من الأشياء تغيرت ولكن لا أعتقد أننا وصلنا إلى الغاية المنشودة بعد، فهناك مجموعة كبيرة من الممثلين العرب القديرين الآن، ولم يعد بإمكان هذا القطاع التغاضي عنا وعن إمكاناتنا التي تخولنا لأداء العديد من الأدوار على اختلافها. ولطالما شكّل الجانب المادي أحد العوائق المهمة في هذا المجال من حيث عدم القدرة على تمويل فيلم أو مسلسل إلا في حال كان الممثل الرئيسي من أصحاب البشرة البيضاء. ولكننا نرى الآن بعض الأعمال الشهيرة من بطولة ممثلين غير معروفين، مثل Squid Game، المسلسل الأشهر خلال الأعوام العشرة الماضية. بالإضافة إلى العديد من الأعمال المشابهة بقصصٍ ممتعة يشارك فيها ممثلين موهوبين والتي يرغب الجمهور بمشاهدتها بغض النظر عن خلفياتهم الثقافية».
تبذل دينا، التي تبدأ في يونيو تصوير فيلم من تأليفها، جهوداً كبيرة في دعم مفاهيم التنوع والشمولية من خلال التأليف الذي أضافته مؤخراً إلى قائمة مواهبها، حيث قالت ضاحكة:«بدأت بالتأليف لشعوري بالإحباط من أني لم أجد حتى الآن الدور الذي أود تمثيله على الشاشة. ولا يمكننا إنكار الحافز الكبير الذي تولده مشاعر الغضب والإحباط. أحاول نقل تجارب السيدات في منطقة الشرق الأوسط في نصوصي، حتى لو لم تكن القصة متمحورة حولهن بشكلٍ أساسي. وبإمكان شخصية المرأة السعودية أداء أي دور، ما المانع مثلاً من أن تكون شخصية الصديقة من أصولٍ عربية؟».

وتدرك دينا شهابي تماماً أهمية تصوير مثل هذه الشخصيات بالنسبة للممثلات السعوديات الناشئات، حيث تقول بشغفٍ واضح: «أستمتع بالحديث مع السيدات العربيات الشابات ومساعدتهن في مسيرتهن الخاصة، وأروي لهن قصتي الشخصية ونجاحي في تجاوز جميع العقبات في الوقت المناسب. وأدرك وجود عدة طرق لتحقيق النجاح، كما أعتقد أن كل منا يمتلك إمكانات ومواهب أكثر بكثير مما يتوقع. فإذا كنتم تعيشون في السعودية ولديكم أصدقاء يحبون هذا المجال، أنصحكم بمشاركتهم في التأليف والإبداع أو كتابة النصوص المسرحية أو التصوير. كما يمكنكم البدء بإخراج مسرحية مدرسية ومن ثم مواصلة هذا الطريق». وتبدي دينا شهابي معرفةً تامةً بالضغط الذي تمارسه العائلة والمجتمع: «أود أن أساهم في إزالة بعض الضغوط عن هؤلاء الفتيات الشابات اللواتي ينتمين إلى عائلات اعتادت على رفض جميع رغباتهن، والحديث مع أهاليهن لأؤكد لهم أن الأمر ليس مخيفاً إلى هذا الحد وأن العالم ليس بهذا السوء وأن لا أحد يتربص لبناتهن أو ينوي إلحاق الأذى بهن. وليس من المخزي احتراف عمل في المجال الفني، فالسرد والقصة موجودين في جميع الحضارات والثقافات على وجه الأرض. إنها مهنة محترمة وجميلة وأبعد ما تكون عن صفات الخزي والعار».
ولا يسعنا إلا أن نؤكد أن دينا شهابي نجحت في تقديم مثال حي على ذلك.
اقرؤوا أيضاً: 5 أفلام ومسلسلات مثيرة ستخطف أنفاسكم على منصة نتفلكس
