رفيق أناضول يرسم البيانات بملامح فنية… لمستقبل لا مكان فيه للواقع غير الرقمي
يلعب الفنان رفيق أناضول على وتر الإدراك للإيحاء بمشهد محتمل لمستقبل لا مكان فيه للواقع غير الرقمي
يُعتبر فنان الوسائط الجديدة رفيق أناضول من الشخصيات الرائدة في مجال ذكاء الآلة والبيئة الغامرة، ويستعين في معارضه وأعماله الفنية ببحوث رائدة ودراسات عميقة بهدف استكشاف العناصر الكامنة في الطبيعة والهندسة المعمارية. وحاز الاستوديو الذي يحمل اسمه على عدة جوائز ونظّم العديد من المشاريع في أكثر من 50 مدينة شهدت حضور الملايين من ذواقة الفن. وتطرح أعماله مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي ترتقي بالخيال إلى أبعاد جديدة، مثل تغير ملامح الحياة منذ ظهور الذكاء الاصطناعي، وتطور علاقة الإنسان بالمكان، ودور التكنولوجيا في تعزيز الذكاء. وفي أكتوبر 2021، أطلق الفنان التركي الأمريكي معرض الذكريات الكمّية في منطقة الشرق الأوسط في مهرجان سيمي بيرماننت في أبوظبي، وهو عبارة عن عمل فني يحتفي بالعلاقة بين الواقع المادي والافتراضي.

تستكشف أعمالك المجردة العلاقة بين الهندسة المعمارية وفن الوسائط. فكيف يرتبط ذلك بتجربتك في العالم الحديث؟
أخبرتني والدتي أنني كنت منذ سن الثامنة أتامل النوافذ والأبواب والأرضية وسقف غرفة المعيشة وأنتقد مدى تشابهها في كل مكان، لذلك يمكنني القول بأن فكرة تضمين فن الوسائط في التصميم المعماري باستخدام البيانات لإضفاء معنى للحياة قد رافقتني منذ الطفولة. وأعتقد أنني قطعت أشواطاً كبيرة في مشواري مع البيانات والهندسة المعمارية في السنوات العشر الماضية، ونجحت بترجمة مخيلتي إلى أعمال ملموسة على أرض الواقع. فجميع المدن برأيي هي لوحات بيضاء بانتظار ريشة الفنانين. وأنا شخصياً أصمم بيئات غامرة بهدف إنشاء تجارب فريدة قائمة على الذكاء الاصطناعي والبيانات.
هلا حدثتنا عن مشاركتك في معرض سيمي بيرماننت الشرق الأوسط 2021 الذي أُقيم في أكتوبر؟
شاركت في المعرض من خلال عمل بعنوان الذكريات الكمّية بإلهام من أزمة كوفيد- 19. لكن بالعودة بالذاكرة إلى أصل هذه الفكرة، تم تكليفي عام 2019 من قبل معرض فيكتوريا الوطني للمشاركة في ترينالي 2020. وفي العام ذاته، شاركتُ في مكالمة مع فريق مختبر الذكاء الاصطناعي الكمّي في شركة جوجل والذي أطلق أحد أبرز الأبحاث الكمّية في التاريخ بعنوان دراسة التفوق الكمّي. وفي إطار الدراسة، نجح الفريق بصنع كمبيوتر كمي لإجراء اختبارات حسابية شبه مستحيلة في دقيقتين، بينما يستغرق الكمبيوتر التقليدي ساعات أو أيام لإنجازها. مما شكل إنجازاً رائداً وملهماً بالنسبة لي في مجال التكنولوجيا. كما تأثرت بدراسة لأستاذ وعالم الفيزياء الكمية إيفريت الثالث في أوائل ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. بالنتيجة، وجدت أن كل ما يحدث في العالم من حولنا يكشف لنا عن أبعاد بديلة.
حدثنا أكثر عن تخصصك في ذكاء الآلة؟
أعتقد أن ذكاء الآلة في الوقت الحالي ليس جزءاً من العقل البشري إنما امتداد له، مما يعني أن الآلات تخزّن المعلومات، لكنها تفتقر إلى الوعي في الوقت ذاته وبالتالي عاجزة عن اتخاذ القرار بنفسها. واكتشفت خلال ممارساتي أن هذه التكنولوجيا تتيح لي استخدام فرشاة قادرة على الرسم ولديها ذاكرة وأفكار ملهمة، وربما أحلام في نهاية المطاف. بعبارة أخرى، يمكننا النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة فعالة لتعزيز الذاكرة والتعلم والحلم والخيال والعديد من جوانب المعرفة البشرية، وبالنتيجة تشكل فرصة مثالية لإعداد أبحاث هادفة وأكثر تأثيراً قد تثمر عن إنجاز رائد أو نقلة نوعية كما حدث في الفن والعلوم وغيرها من التخصصات.


ما الذي يثير اهتمامك في استكشاف المساحات والبيانات؟
بدأت باستخدام البيانات في عملي منذ عام 2009. وكنت أجري تجاربي على البيانات الحسية آنذاك. وتوصلت منذ عشر سنوات إلى صنع أول منحوتة للبيانات باستخدام البيانات الصوتية. وواصلت استكشاف العديد من المعلومات على مر السنين مع الحفاظ على المعايير الأخلاقية وعدم استخدام البيانات الشخصية مطلقاً. وأركز بالطبع على الذكريات أو البيانات الجماعية من المصادر المفتوحة والأرشيفات الثقافية والمجالات المعمارية أو حتى الطبيعة والوقت. وما أزال استكشف الطبيعة منذ العامين الماضيين ووجدت أنها جديرة بالمزيد من الاهتمام والحرص بشكل عام.
تصور معارضك بيئات حالمة تدعو المشاهدين إلى التفكير بعوالم جديدة لا تنحصر بالمفاهيم التقليدية للعمارة والتصميم الداخلي. من أين جاءت هذه الرؤية؟
بدأت القصة من مخيلتي في الطفولة، فلطالما وجدت أن الحياة عبارة عن تجربة مذهلة ورحلة حالمة، وأتاح لي استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي ترجمة هذه الأفكار إلى حقيقة. فلا يمكننا تجاهل جمال الحياة وارتباطها بالبيئات الحقيقية، لذا أحاول إنشاء بيئات غامرة بسيناريوهات مختلفة. واكتشفت أن الناس يحبون الانفصال عن الواقع لبعض الوقت، ويمكن تحسين هذه التجربة من خلال تعزيز الأصوات والبيانات المرئية وحتى الروائح بواسطة الذكاء الاصطناعي. وتمكنت مؤخراً من استخدام تعزيز إدراك الروائح وتغيرها بشكل فوري في أحد المشاريع التي تم عرضها في مدينة ميلان. وأواصل دراسة هذه الفكرة واستكشافها باستمرار لتقديم منظور ورؤى جديدة والارتقاء فوق العناصر المادية للواقع.
كيف تغير مفهومنا للمساحة بعد ظهور الهواتف الذكية وغيرها من ابتكارات التكنولوجيا برأيك؟
نبدأ نهارنا في الصباح ونختتمه قبل النوم بتفقد الهاتف الذكي. وما بين بداية اليوم ونهايته، تتحدد خياراتنا من الأكل والتسوق أو المحتوى المرئي والمسموع والمكتوب بواسطة الخوارزميات. نعيش في عالمنا اليوم إحساساً بالضياع والانفصال عن الواقع والحياة بمفهومها الملموس. حيث نسكن مساحة افتراضية تشكل عالماً وبعداً جديداً للعقل. وأعتقد أن حمضنا النووي وتعريفنا للعبقرية يتغيران باستمرار للتكيف مع الواقع الجديد. وهنا تماماً يتركز اهتمامي، أي في مقدار التغيير الذي يجري وكيفية فهمنا له والأسئلة التي يطرحها بشأن قدرتنا على التعلم من هذا التغيير ومدى وعيينا به وقدرتنا على التطور أو التراجع في ظروف معينة. وأنا واثق من حدوث تغير في الوعي من خلال التحول الكبير للأجهزة والبرامج التي تتفاعل مع الإنسانية.


ما التحديات التي تواجهنا كبشر في عصر الذكاء الاصطناعي برأيك؟
يوجد أمامنا مشكلتان رئيسيتان هما الإرادة الحرة والأولوية. فالآلات لديها القدرة على توقع الاحتمالات، مما يدفعنا للتساؤل حول صحة القرارات التي نتخذها وإمكانية تحسينها. كثيراً ما أطرح هذه الأسئلة على نفسي. وأبحث عن جدوى هذه الآلات التي تتعلم الخوارزميات، هل هي تصور السيناريوهات المحتملة فقط أم يمكن توظيفها بشكل إبداعي وطرح الأسئلة التي نريدها، وما إمكانية استخدام نفس الأدوات لتحسين وظائفنا المعرفية. أعتقد أن هذا النوع من الأسئلة الجوهرية سيسهم في نهاية المطاف بتطور البشرية.
ما الذي ألهم عمل الوسائط المتعددة رياح دبي؟
كان مشروع رياح دبي مشروعاً مميزاً تم عرضه في بهو فندق إنديغو في وسط مدينة دبي، وبدأته عند إعداد لوحة البيانات في عام 2009، حيث أعتقد أن لكل مدينة طابع استثنائي من الأنماط ودرجات الحرارة وضغط وجودة الهواء. وتشكل الرياح إحدى أكثر العناصر إلهاماً بالنسبة لي لأنها أداة الطبيعة للنحت. وكانت الفكرة في الأساس محاولة لرصد هذه المفردات الشعرية المتحركة بهدف صياغة تجربة هادئة ومريحة تؤدي إلى ارتباط عاطفي.
هلا حدثتنا عن عملية ترجمة التكنولوجيا إلى تصميم فراغي؟
لا تقتصر ممارساتي على إنشاء مجموعة من وحدات البكسل، إنما أبذل قصارى جهدي لإبراز الأبعاد العميقة من خلال فهم الدور الهادف والمؤثر للتكنولوجيا بالنسبة لخيالي وليس لأنه التوجه الجديد أو الرائج. أسعى مع فريقي المؤلف من ثلاثة مهندسين معماريين إلى تصميم المساحات والتكنولوجيا. ونتعاون معاً لتصوّر تجربة متناغمة حسية وتجريبية في نفس الوقت. فبدلاً من الضغط على صورة المبنى، نقدم تجربة مختلفة وجديدة من خلال العمل مع البيانات والخوارزميات والهندسة في آن معاً.


ما هي الخطوة التالية بالنسبة لك؟
كنت في غاية الحماس لزيارة أبوظبي للمرة الأولى ومشاركة عملي مع الجمهور، ولا يسعني الانتظار لإطلاق مشاريع الأصول الرقمية المقبلة قريباً.
نشر مسبقًا في عدد هاربرز بازار السعودية، شتاء 2021
