الذكاء العاطفي وأساليب التربية الحديثة لتنشئة رجال المستقبل
كيف نسهم في تعليم الأولاد مبادئ الذكاء العاطفي للحصول على حياة سعيدة ومتوازنة صحياً من الناحية الجسدية والعقلية؟
تشاركنا مريم فرج، رائدة الأعمال والناشطة في المجال الإنساني، نصائح مهمة في أساليب التربية الحديثة لبناء جيل من الرجال يتمتعون بالذكاء العاطفي.
يحاول الآباء والأمهات اليوم مواكبة أساليب التربية الحديثة خصوصاً في تربية الصبيان. ويعيدون التفكير في نظرة المجتمع إلى الرجولة وفي المعنى الحقيقي لها. ويبحثون عن الحلول المثالية في البيت والمدرسة لتربية جيلٍ يتمتع بصحة عاطفية. وبصفتي أم لطفلين، أتذكر دائماً أنني مسؤولة عن تربية رجال المستقبل، وأحاول أن أجعل منهما رجلين صالحين. ولكن هذا لا يعني فقط توفير أفضل الألعاب أو الكتب أو تسجيلهم بالكثير من الدروس والنشاطات، بل يتضمن أيضاً العناية بصحتهم العقلية والعاطفية التي نغفل عنها كثيراً، بالإضافة إلى الأسلوب الذي نستخدمه كل يوم لمخاطبتهم والتعبير عن مشاعرنا تجاههم. فالأولاد من الصبيان تحديداً يتعرضون لضغوطات كبيرة بسبب بعض توقعات المجتمع، مثل التحلي بالرجولة وعدم إظهار مشاعر الضعف.
وعلى الرغم من أن الأولاد والبنات يشعرون بنفس المشاعر، إلا أن المجتمع يجبر الأولاد على كبتها بطريقة مختلفة تماماً عن البنات. فالمجتمع يتقبل البكاء من الفتيات ويتيح لهن التعبير عن مشاعرهن، بينما يُطلب من الأولاد دائماً حبس دموعهم والتحلّي بالرجولة وكبت مشاعرهم وعدم البكاء أو إظهار ضعفهم. ولكننا نوجّه لهم رسالة خاطئة عندما نشجعهم على البقاء أقوياء ونطلب منهم عدم التعبير عما يشعرون به فعلاً. فيعتادون على إخفاء مشاعرهم لتتراكم بداخلهم الضغوطات مما يؤدي إلى إصابتهم بالإحباط في مراحل عمرية لاحقة وإلى فشلهم في العلاقات المستقبلية.
يشعر الأولاد في مجتمعاتنا أنه عليهم دائما الظهور بمظهر القوي دون إظهار أي نوع من المشاعر سوى الغضب. مما يؤدي مع مرور الوقت إلى إحداث خلل في صحتهم العاطفية. حيث أوضح تقرير في عام 2020 للمؤسسة الأمريكية للحد من حالات الانتحار، أن حالات الوفاة بسبب الانتحار بين الرجال أكثر من النساء بمعدل 3.88 مرة.
ويبقى السؤال، كيف نسهم في تغيير هذه العقلية ونعلّم الأولاد مبادئ الذكاء العاطفي التي نحتاجها جميعاً للحصول على حياة سعيدة ومتوازنة صحياً من الناحية الجسدية والعقلية؟ من المؤكد أن التغيير يبدأ من الأب والأم. وعلينا التركيز على تغيير الأسلوب الذي نخاطب به أطفالنا حتى لا يعتادوا على كبت مشاعرهم وتحويلها إلى ضغوطات وسلوكيات عنيفة وغير صحية. وهناك خطوتين يمكن اتباعهما فوراً لتربية أطفال أصحاء عاطفياً.
تبدأ الخطوة الأولى بالتوقف عن إجبارهم على كبت مشاعرهم والسماح لهم بالبكاء. فالبكاء هو طريقة للتخفيف من تراكم المشاعر في داخلهم. لذا علينا السماح لهم بإظهار مشاعر الحزن والغضب والتعبير عن أنفسهم طالما لا يؤدي ذلك إلى التسبب بالأذى لأنفسهم أو للآخرين. فعدما أجد أحد أطفالي منزعجاً، أخبره بأنه من الطبيعي أن يشعر بالانزعاج أحياناً، وبأن الاعتراف بالضعف والتحدث عنه يتطلب شخصاً قوياً. وواجبنا هو الاعتراف بمشاعرهم وأحاسيسهم وأفكارهم وتقبلها حتى لو كانت مشاعر غضب تجاهنا، بدلاً من إشعارهم بالخجل منها.
أما الخطوة الثانية، فهي الإصغاء إلى أولادنا بكل صدق. يجب التحدث بشأن ما يحزنهم ويغضبهم، ومساعدتهم على فهم هذه المشاعر. كما يفضل التحدث إليهم بعد أن يعود ذهنهم صافياً وليس خلال نوبة الغضب عندما يفقدون قدرتهم على الإصغاء والتحدث بمنطقية. وينصحنا الدكتور مايكل سي رايشرت، في كتابه “كيف تربي صبياً” أن نتحلى بمهارة الإصغاء إلى الأولاد، وعدم الاستسلام عند رفض الأطفال ذلك، لأنهم سيحتاجون إلى ذلك عاجلاً أم آجلاً.

ومن المفيد أيضاً الإصغاء للأولاد حتى وهم غير منزعجين وتخصيص الوقت لذلك يومياً، خلال تناول العشاء أو قبل موعد النوم أو خلال اصطحاب الحيوانات الأليفة للتنزه. يجب الاصغاء بعمق إلى أفكارهم ومخاوفهم، فبذلك نبني علاقة قوية قائمة على الثقة، مما سيساعدنا على تنشئة طفل متوازن قادر على تأدية دور الأب والصديق والأخ والزميل بإيجابية في المستقبل.
عندما نُوّفر للأولاد بيئة تنتشر فيها العلاقات القوية والحب والثقة، فنحن نساعدهم على فهم مشاعرهم والتعبير عنها بشكل أفضل، مما يساعدهم على تطوير مهاراتهم الاجتماعية والانسجام مع الآخرين. ولكن إن لم نمنح الأولاد القدرة على التعبير والتحدث عن مشاعرهم ولم نصغ إليهم ونشجعهم على وصف ما يشعرون به باستخدام كلماتهم، ستزداد صعوبة تطوير هذه المهارات بعدما يكبرون.
وأخيراً، على الرغم من أن التغيير يبدأ من تصرفاتنا داخل المنزل، إلا أنه يمكننا أيضاً نشر هذه الأفكار والتجارب بالتحدث عنها ومشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي وفي مجموعات الأصدقاء وضمن مجتمعاتنا. ومن الضروري أن ننشر الوعي في المجتمع حول هذه المشكلة لأن التغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها، ولأن سعادة أولادنا وصحتهم العقلية تعتمد على ذلك.
فلنبدأ التغيير الآن لننشئ جيلاً أفضل من الرجال الذين سيعملون بدورهم على تربية أبنائهم ليصبحوا رجالاً أفضل.
الصور للمصورة تشوان بيس من موقع شاتر ستوك.
من عدد هاربرز بازار العربية لشهري يوليو وأغسطس 2022.
