ايمان محمد عبد المجيد‎
ايمان محمد عبد المجيد‎
Posted inأخبار النجوم والمشاهير

في حوار خاص تحدثنا عارضة الأزياء الأيقونية ايمان ‎ رحلتها من لائجة إلى مؤثرة في عالم الجمال والأزياء

هي صاحبة إحدى أشهر الوجوه في العالم، ولها صوت ذو تأثير جلل. لذلك؛ تحدثنا إلى عارضة الأزياء لتستعرض أمامنا قصة حياتها الملهمة بدءًا من كونها لاجئة وصولًا إلى إحداث تغيير جذري في عالم صناعة الأزياء وإعادة تعريف معايير الجمال، وبالطبع لم نمر على قصة حبها مع أسطورة الروك ديفيد بوي مرور الكرام.

إذا استغرقت في التفكير لبضع ثوانٍ لتصف إيمان لن يخطر في بالك أبدًا أنها امرأة عادية، إلا أنها تصرّ على ذلك بشدة”هناك الكثير من الجميلات في بلادي. فأنا امرأة عادية!” تصرح بصوت تغمره البهجة وتستكمل:”صدقيني في الصومال، أنا لا أعتبر امرأة جميلة”.

لا يجدر بنا أن نندهش هنا، لأنها ومن بعد حياة عملية حافلة بالنجاحات لا تعتبر نفسها عارضة أزياء رائدة أيضًا وتستنكر:”دعونا نطلق على الأشياء اسمها الصحيح فعارضات الأزياء الرائدات هم ناعومي، ليندا، كريستي، وسيندي. أما كل من خلفهن فهم فقط عارضات أزياء”.

بالطبع، إيمان ليست مجرد عارضة أزياء؛ هي المرأة التي شقت الطريق أمام ذوات البشرة الداكنة في عالم الأزياء، المتحيز بدوره للمعايير الغربية الخاصة بذوات البشرة البيضاء. وشكلت مصدر إلهام للعديد مثل إيف سان لوران إلى تييري موغلر مرورًا بجياني فيرساتشي. في حين أن إيمان قد تكون متواضعة إلى حد يفوق الخطوط المحمودة، ألا أنها في ذات الوقت تٌقدر ذاتها وبشدة وتوضح:”كانت نصيحة والدتي لي دائمًا هي (ادركِ قيمتكِ وابتعدي عن كل ما لا يخدمكِ). فأنا امرأة قد أتقبل لو نعتني شخص بأنني غير جميلة، لكن لن أسمح لأيًا كان أن يخبرني بأنني لا أستحق”.

لكل شخص نصيبًا من اسمه؛ لذلك يعتبر الإيمان بالذات هو جوهر قصة حياة إيمان. اكتشفها المصوّر بيتر بيرد أثناء سيره في أحد شوارع نيروبي عام 1975، والتي وافقت على الوقوف أمام عدسته مقابل 29 ألف ريال سعودي، ثمن الرسوم الجامعية. حين بدأت العمل في الولايات المتحدة، اكتشفت أن العارضات ذوات البشرة الداكنة يحصلن على أجورٍ أقل من غيرهن، لتطالب بمعالجة هذا التفاوت.”أخبرت وكيل أعمالي، إن لم تطلب منهم أن يدفعوا لي المبلغ عينه، لن أعمل، فأنا لستُ بحاجةٍ لهذه المهنة“. استغرق الأمر ثلاثة أشهر ليستنتج العملاء أن إيمان تستحق أكثر من ذلك ويدفعون لها ما تستحقه، لتصبح واحدة من أشهر النساء في العالم.

تبلغ الآن 68 عامًا، وهي محطّ أنظار الجماهير منذ ما يقارب الخمسة عقود. تضاهي نجوميتها شهرة زوجها ديفيد بوي، الذي توفي بسرطان الكبد في العام 2016. تعرّفا على بعضهما في العام 1990 من خلال موعد غرامي نظمه مصفف شعر ديفيد بوي في لوس أنجلوس، وتصرح:”قال ديفيد أنه كان حبًا من النظرة الأولى أما بالنسبة إلي، فلم أكن أرغب بالدخول في علاقة، خصوصًا مع موسيقي. بالتأكيد كان الأمر مرفوضًا تمامًا، خاصة أن كان لديّ زُليخة التي كانت صغيرة آنذاك (من زواجها الأوّل لاعب كرة السلة سبنسر هايوود)، ولم يكن لدي أي نيّة للدخول بعلاقةٍ. إلا أنه جذبني كرجلٍ نبيل”. تزوجا عام 1992 وأنجبت ابنتهما ألكسندريا زهرة جونز أي ليكسي عام 2000.

عند الاستماع إلى إيمان وهي تتحدث عن زوجها، لا شكّ أن قصتهما كانت وما تزال قصّة حب عظيمة. غالبًا ما تشير إليه بصيغة الحاضر، وتعتقد أن القدر جمعهما لأنهم خلقوا لبعضهم البعض.”لم يكن هناك سبب لتواجدي في لوس أنجلوس، فكرهتها! وحدثي كان دائمًا يهمهم في رأسي بأن أغادر لاستكشاف ما يخبئه لي القدر”.

في كل عام، تشعر إيمان بالارتياح عند انتهاء شهر يناير:”شهر ثقيل فيه تاريخ ميلاد ديفيد ويلحقه بيومين فقط تاريخ وفاته، فبالنسبة لي يبدو الشهر لو أنه عامًا كاملًا”. هذا العام، أمضت إيمان الذكرى السنوية بمفردها في منتجع صحّي بعد أن اتصلت بأولادها وأحفادها الثلاثة، الذين تعشقهم: “لم أفهمه يومًا حين يقال عن الأطفال (لا تفسدوهم ألا بالدلال أيام الصغرن لأن الحياة لن تدللهم أبدًا في الكبر)”. وتستكمل:”بدأت تقليدًا جديدًا خلال الذكرى السنوية، من خلال الرسم بالفحم وبحلول نهاية حياتي، سأحصل على مجموعة من الرسومات التي تعود للعاشر من يناير، سيُصدم ديفيد من موهبتي الفنية المكتشفة حديثًا وسيكن فخورًا. كان رسامًا وابنتي رسّامةً أيضًا. وأنا وقتها لم أستطع أن أرسم أبسط الأمور! أعتقد ستكون بمثابة مفاجأة سارّة”.

تتحدث إيمان من نيويورك، ولكن ليس من شقّة سوهو التي عاشت فيها مع ديفيد؛ فقد انتقلت مؤخّرًا إلى الجانب العلوي من القسم الغربي وتوضح:”مكان جميل! أتنزّه في الحديقة مع كلبي”. اتّخذ الزوجان –قبل رحيل ديفيد- من المدينة موطنًا لهما عندما أدركا أن بإمكانهما العيش فيها ”على مرأى الجميع“. تقول: ”إذا كنت تعرف مكان وجود المصورين وتجنّبت تلك الأماكن، فقد تعيش حياةً هادئة. وسيقتصر الأمر وقتها على بضع أشخاص يخبروك أنهم من متابعيك وكل ما تفعله هو الابتسام لهم وشكرهم على ذلك”. بعد وفاة ديفيد، عندما توافد المعجبون إلى مكان إقامتها لتقديم التعازي، انتقلت إيمان إلى سانتا مونيكا مع ليكسي وتشرح كيف تخطت ابنتها وفاة والدها:”تداركت الأمر، حينها كان يذكرها المعجبين والمصورين بالوفاة يوميًا، فبالنسبة لهم توفى الأسطورة ديفيد بوي، لكن بالنسبة لها كانت على يقين أنه سيحيى دائمًا في قلبها لأنه والدها”.

استغرق الأمر بعض الوقت حتى تتمكن إيمان من استيعاب وتخطّي حزنها. تجنّبت منزل كاتسكيلز الذي بنته هي وديفيد معًا في شمال الولاية، حيث لم تتمكن من تحمّل أكثر من يومين محاطةً بالذكريات المؤلمة. لكن في أوائل عام 2020، اضطرت إلى مواجهة مشاعرها العالقة في المنزل مع إغلاق البلاد بسبب جائحة كوفيد: “جاء الحزن يطرق بابي، ليجلس معي لفترةٍ من الوقت”.

لقد وَجدت الوقت المناسب لنفسها للشفاء وترى نفسها حاليًا ضمن فترةٍ انتقالية. مرّ 35 عامًا منذ تقاعدها من مهنة عرض الأزياء ولم تحضر عرضًا منذ ذلك الحين. وأوردت:”كل عام يحدثني المصممون ويتساءلون ما إن كنت أفكر بالعمل مجددًا، أو حتى حضور العروض. لكن جوابي بالنفي ثابت دائمًا. فأنا لا أنوي أن أخطو منصّة العرض مرّةً أخرى، فبالنسبة لي لقد استمتعت وقدمت كل ما بجُعبتي في رحلة عملي، والآن هو وقت الجيل الجديد”.

قد لا تكون شخصًا عاطفيًا، إلا أنها لا تزال تحترم عالم الموضة بشدّة، وتتذكر أيام ازدهارها بحبٍ: ”كان عليكِ خلق شخصية معيّنة عندما تعرضين المجموعات المختلفة. بالنسبة لجان بول غوتييه، كان ذلك بمثابة دافعٍ للأنوثة، أما كلود مونتانا، فكان يركّز على منطقة الكتفين، لدرجة منافسة لاعبي كرة القدم! أما في حال تييري موغلر، فكان أشبه بعصر هوليوود القديم، والمسرح بالتحديد“. على الرغم من هذه التجربة، تعترف بأنها واجهت صعوبة في اعتماد نمط أزياء خاص بها على عكس زوجها الذي برع في هذا الأمر:”تكمن عبقريته بالتزامه؛ ففي عالم الموضة، لا يملي الأمر في اعتماد زيًا، بل بالالتزام به، ليصبح جزءًا منكِ. لم أستطع القيام بذلك، فالأمر يتطلب جرأةً لا أملكها”.

من الواضح أن إيمان لا تزال تحب عالم الموضة. تتحدّث بحماسٍ عن الأشكال الجريئة الخاصة بمجموعة ساباتو دي سارنو الأولى لغوتشي والتي اعتمدتها في جلسة التصوير الخاصة بنا:”من المثير للاهتمام تصميم شيئًا تصبح فيه أشبه بمنحوتةٍ”. كذلك، هي مفتونةً بهاريس ريد، الذي ألبسها فستانًا مذهلًا من الريش الذهبي في حفل Met Gala لعام 2021:”كان نوعًا من الكيمياء، لأنه أضاف إلى الإطلالة بعض اللمسات الأفريقية، إلا أنه كان يتمتّع بروحٍ سابقة للعصر في الوقت عينه. لذلك أعتبره رائد مصمّمي الخياطة الراقية الجديد”.

أما تركيزها الحالي، فهو على عطرها الأوّل Love Memoir، الذي تم إطلاقه في العام 2022، تكريمًا لزوجها الراحل. تشمل مكوناته نجيل الهند، الرائحة التي كان يعتمدها ديفيد والتي ارتدتها إيمان كل يوم منذ وفاته -إلى جانب قلادة ”ديفيد“ التي صنعها صديق الثنائي هيدي سليمان-. تعتبر العطر “أقرب شيء يمكن أن تفكّر فيه لكتابة مذكّرات”. على الرغم من خصوصيتها الشديدة بحيث لا يمكن كتابة سيرة ذاتية لها، إلا أنه لا يزال هناك أمران تريد أن يعرفهما الناس عنها:”أنني مسلمة ولاجئة”. في الواقع، قصّة حياتها الاستثنائية ستكون أكثر من مجرّد كتاب.

انتقلت عائلتها الصومالية إلى المملكة العربية السعودية عندما تم تعيين والدها سفيرًا للبلاد، ولكن مع غياب المدارس الخاصّة بالفتيات، فقد أُرسلت إلى مدرسة داخلية في مصر. لا تزال تشعر بارتباطٍ قوي بهذا المكان، لدرجة أنها أطلقت على ابنتها اسم مدينة الإسكندرية التي تحبّها. بعد الاضطرابات السياسية في بلدها الأمّ، عادت الأسرة إلى كينيا في العام 1972. بين ليلةٍ وضحاها، تحوّلت إيمان من ابنة دبلوماسي إلى لاجئة. بينما سافر والداها إلى تنزانيا، بقيت في نيروبي:”كنت محظوظة. كان لدي أشخاص (موظفون في منظمات غير حكومية) أعتقد أنهم ملائكة يسيرون بيننا. وكنت في الـ16 من عمري، بمفردي.. كان مساري سيكون مختلفًا تمامًا لو لم يكن هؤلاء الأشخاص موجودين. لهذا السبب، عندما أرى شخصًا لاجئًا وخاصةً فتاةٍ صغيرة، أفكّر دائمًا بفضل الله”.

الروحانية مهمّة بالنسبة لإيمان، فهي ليست مسلمة متديّنة ولكنها “مسلمة عن ظهر قلب”. ولدت باسم زهرة محمد عبد المجيد، لكن جدّها أطلق عليها اسم إيمان:”ولدت من عائلة لها الكثير من الأبناء وإيمان تعني الإيمان بالله بأن الإبنة ستأتي، وها أنا تلك الإبنة”.

على الرغم من كونها واحدة من مجموعة نادرة من الأشخاص المعروفين عالميًا بألقاب عدة، إلا أن لقب إيمان هو الذي يعني لها الأكثر. عندما وصلت إلى أميركا، أدركت أن بفضل اسمها كان يُنظر إليها دائمًا بعين الريبة، لكنها كانت مصمّمة على عدم  التغيير. “لم أرغب في تغيير لهجتي ولا حتى اسم عائلتي، ولا حتى عندما تزوجت؛ لن أصبح أبدًا إيمان بوي أو إيمان جونز -اللقب الحقيقي لبوي-. أنا إيمان عبد المجيد وهو أمر أفتخر به”.

أدّى انتقالها إلى أميركا، إلى اكتشاف جوانب جديدة في شخصيتها. تقول: ”في الصومال، لم أعتبر نفسي أبدًا امرأة ذات بشرة سوداء، إذ لم يكن هناك سبب لذلك؛ جئت من بلدٍ كامل من السود”. في نيويورك، وجدت نفسها تُعرَّف باستمرار على أنها إيمان عارضة الأزياء ذات البشرة الداكنة. كان وجودها تحت الأضواء بمثابة ثورة للجماهير؛ شكّل وجهها الرائع الذي كان يغطّي أغلفة أكبر المجلّات في العالم، بمثابة زلزالًا بالنسبة لتمثيل المرأة ذات البشرة السوداء، لكن إيمان كانت ولا تزال أكثر من مجرّد صورة. منذ المفاوضات التي أجرتها بشأن الأجر، اعتبرت أيضًا صوتًا قويًا. في العام 1994، أسّست شركة إيمان الخاصّة بالمستحضرات الجمالية، المستوحاة من تجربتها التي أجبرتها إلى تطبيق كريم الأساس الخاص بها، أثناء جلسات التصوير. في العام 2013، شكّلت تحالف التنوّع مع صديقتيها بيثان هارديسون وناعومي كامبل، لتسليط الضوء على ندرة العارضات ذوات البشرة الداكنة على منصّات العرض. هذا التأثير أدّى إلى تخصيص حلقة كاملة لها من وثائقي Supreme Models على YouTube في العام 2022، الذي يتتبّع تاريخ العارضات السود.

تعتقد أن هذه الصناعة تتغير اليوم، إلا أن التغيير لا يأتي بشكل سلس، فواجه العالم مقتل جورج فلويد وحراك “حياة السود مهمّة” حتى يكون على يقين بأن:”كنا نحتمي في منازلنا. لم يكن هناك سبيلًا لعدم النظر ولم يكن هناك مكانًا للاختباء. لم يكن من الممكن التجاهل”. بالنسبة لها، التقدم يأتي عن طريق الفرص: “لا أحد يطالب بحصّص، بل بمنح فرصٍ لعرض ما يمكن القيام به. لم يُمنح الكثير من المصمّمين السود فرصًا في المجلّات ولم يحضر المحرّرون عروضهم، أما اليوم، لدينا مجموعة مثالية من المصمّمين، مثل كريستوفر جون روجرز ولاكوان سميث، اللذين تم منحهما الأضواء لعرض تصاميمهما”. تفهم إيمان أكثر من أي شخص آخر، معنى أن تتاح لها الفرصة، وتنسب الفضل إلى “كيمياء الكون” في الاتجاه الذي اتخذته حياتها، بالرغم من عدم تأثيره على ما قامت به عبر أعمالها الرائدة.

على الرغم من سخريتها من تسميتها “بـ الأسطورية” أو من كونها “رائدة”، تأمل أن يترك إرثها بصمة صغيرة على الجمال الأسود وأنها كانت جزءًا منه ولعبت دورًا أساسيًا في عنفوانه.  فإيمان  قد تعتبر نفسها عاديةً، إلا أن التاريخ لن يؤمن بذلك.

من عدد هاربرز بازار السعودية لصيف 2024

No more pages to load