علياء السنوسي: أميرة بفن

إعداد هاربر بازار العربية / Oct 18 2015 / 23:14 PM

حكمت أسرتها ليبيا قبل القذافي، ولكنّ علياء السنوسي لا تصبو لاستعادة ألقاب الماضي. ففي الثانية والثلاثين من العمر، صنعت لنفسها مسيرة مهنية تجمع الفنانين وهواة الجمع، والمعارض الفنية ورعاة الفن. نقدم لك فتاة الفن المعاصر الشهيرة والمميزة

علياء السنوسي: أميرة بفن
علياء السنوسي: أميرة بفن
صورة لعلياء السنوسي في معهد الفن المعاصر في لندن في شهر يونيو 2015 التقطتها عدسة ريك بوشينسكي
علياء السنوسي: أميرة بفن
علياء السنوسي: أميرة بفن
علياء السنوسي: أميرة بفن
علياء السنوسي: أميرة بفن
علياء السنوسي: أميرة بفن
علياء السنوسي: أميرة بفن

تستغرق المسافة التي تفصل معهد الفن المعاصر عن حانة سوفيتل في شارع بول مول في لندن خمس دقائق سيراً على الأقدام. وفي الوقت الذي أنهيت فيه رحلتي مع علياء السنوسي، كنا قد تحدثنا عن آراء تشيرشل حول الديمقراطية، واحتمالات مشاهدة مباراة لفريق أرسينال، واجتياح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لمنطقة الشرق الأوسط، وحفلات بيونسي الغنائية والربيع العربي. وبالتالي،لم يخل الحديث مع فتاة الفن المعاصر المميزة والشهيرة من المواضيع الواسعة والعميقة والمتسارعة.

لو اختلف الوضع، لكانت علياء تجول الآن المراكز التجارية العالمية الفاخرة، وتسكن فيأجنحة عليا فخمة وتستقلّ طائرات نفاثة خاصة، وتعيش حياة فرد شاب من عائلة مالكة شرق أوسطية.

وإنما العقيد معمّر القذافي قدمها هدية لعالم الفن. فقد أطاح هذا الديكتاتور بعائلتها وأبعدها عن العرش الليبي عام 1969 بعدما حكمته طوال 18 سنة. ووالدها الذي كان نسيب زوجة الملك الجالس على العرش كان في الثانية عشرة من العمر عندما تم نفيه.

فانتهى الأمر بعلياء في لندن حيث حوّلتها شبكة معارفها ومهاراتها في جمع التبرعات وطاقتها المطلقة وإلمامها بشؤون الشرق الأوسط كلها إلى إحدى أبرز الشخصيات الشابة المهمة في مجال الفن المعاصر.

في شهر أكتوبر، تنهمك فيFrieze Londonحيث تنظم حفلة لـرعاة الفن في تيت (Tate patrons)، وأخرى لمعهد الفن المعاصر وتحضر افتتاح متحف آيشتي (Aishti) لطوني سلامة المنتظر بفارغ الصبر في بيروت. يشكل افتتاح متحف آيشتي لحظة حاسمة في عالم الفن في منطقة الشرق الأوسط نظراً إلى أنّ طوني وإلهام سلامة هاويا جمع وراعيا فن يتمتعانبرؤية مستقبلية، وهما لا يشجعان ويرعيان الفنانين في مسقط رأسهما في بيروت فحسب، بل يعرفان تماماً شبكة عالم الفن الكاملة ويقرّان بأنّ الفن مجتمع بحد ذاته، وقد عملا من دون تعب ولا كلل لجمع الحضارات المختلفة وضم الاهتمامات من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة إلى بيروت وبالعكس. 

تعمل الشابة البالغة من العمر ٣٢ عاماً مع مجموعة متنوعة من المعاهد، بدءاً بصالات سربنتين الفنية وصولاً إلى آرت دبي، وتشارك في جمعيات مع الأميرة أوجيني وريبيكا غينيس. فالشهر الماضي مثلاً قدمت حواراً مع فنانين شرق أوسطيين في آرت بازل. وأثبتت مكانتها في شهر مايو الماضي عندما كانت تساعد في إقامة معرض لمعهد الفن المعاصر في هونغ كونغ، فتمت دعوتها للمشاركة في فعاليات "النساء الملهمات في شبكات الفن" حيث ساعدت مع نجوم مثل مديرة مركز ساوث بنك في لندن جود كيلي، والممثلة البريطانية سالي هوكينز، على تبسيط الفنون لطالبات لا خبرة لديهنّ في الفن.

"فعلى مر التاريخ، انتصر الفن في الحروب، وكان طريقة تتلاعب من خلالها الأطراف المتحاربة ببعضها البعض وتذل بعضها البعض"

رغم هذا كله، علياء حزينة. فبلدها المحبوب ليبيا تمزقه حرب أهلية، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يصوّر شرائط فيديو تظهر فيها عمليات قطع رؤوس جماعية على خطها الساحلي الجميل. وفي سوريا، تدمر قواته معالم تُدمر الأثرية القديمة. وهنا تعبر علياء عن رأيها بالقول: "ما يحصل في سوريا هو مأساة بكل ما في الكلمة من معنى. فعلى مر التاريخ، انتصر الفن في الحروب، وكان طريقة تتلاعب من خلالها الأطراف المتحاربة ببعضها البعض وتذل بعضها البعض."

شعرت علياء بفرح كبير عندما تمتالإطاحة بالقذافي عام 2011، وتمكنت من زيارة طرابلس للمرة الأولى مع والدها وأخيها غير الشقيق. ولكن ما رأيها في الثورة الآن؟

تتلاعب بكوب الشاي أمامها من دون أن يظهر العبث والهزل الذي سمعته في السابق في نبرة صوتها. ثم تظهر على وجهها نظرة غضب نادرة، وتقول: "عندما يقول الناس إنّ الوضع كان أفضل من قبل، أعتبر هذا القول حماقة. فالليبيون لا يريدون القذافي بدلاً من هذا الوضع... وأنا لا أشك أبداً في أنّ ليبيا ستزدهر في النهاية وتتحول إلى مكان مذهل يمكن زيارته. فقد علمنا التاريخ أن لا شيء يبقى على حاله".

وهي تؤمن بأنّ مبدعي الشرق الأوسط سيصنعون أعمالاً فنية عن هذا الوضع لأجيال المستقبل. وتقول: "الفن المعاصر يتجاوب مع الظروف الراهنة. ويكثر عدد الفنانين الذين يقيمون ويعملون في منطقة الشرق الأوسط أو هم من الشتات، ويعتبرون الفن طريقة لترجمة الرعب الذي يحيط بهم ومرآة تعكس جمال الناس الذين يحاولون عيش المآسي اليومية وتخطيها."

فقد برعت المنطقة حديثاً في طبع زمن عالم الفن، وبدأت أعمال فنية سعودية وإيرانية ولبنانية تُباع في دور مزادات كبرى وتنتقل إلى المتاحف الغربية.

وكان الدور الذي لعبته علياء في هذا المجال مهماً جداً.فبفضلها، بات بالإمكان رؤية أعمال الفنانة التجريدية اللبنانية سلوى روضة شقير والفنان الفرنسي من أصل جزائري قادر عطية وغيرهما من الفنانين في ممرات صالة تيت مودرن الباردة والهادئة. وتثني مايا رسامني - الرئيسة الثانية للجنة الحيازات والشراء لصالةتيت مودرنفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي علياء عضو فيها- على جهود علياء في المساعدة على تغيير المواقف والميول التي ساهمت في تحقيق ذلك. فقدرتها على توصيل فنان شاب إلى معرض مهم في قارة أخرى من خلال مقابلات ولقاءات اجتماعية سهلة، أو ربط معاهد حكومية تعاني من أزمات مالية ونقدية بمحبي الخير الأثرياء تلبي الحاجات العصرية كافة.

"علياء طفلة زمننا ومستقبلنا"، بهذه العبارة يصفها غريغور موير، المدير التنفيذي لمعهد الفن المعاصر. وفيما تتخذ علياء الوضعية المناسبة لالتقاط صورها مرتدية ثوباً أحمر مذهلاً من تصميم فيكتوريا بيكهام في أرجاء المعرض الكلاسيكية، يستلم عنها الدفة غريغور، الذي بالكاد يلمس كوب قهوته وهو يستفيض بالحديث عن أصغر فرد في مجلس معهد الفن المعاصر.  وهو يصفها بـالمخلوقة النادرةويقول إنّها تعرف الجميع. ويبدي ذهوله وإعجابه وافتتانه بها. ويتوق إلى القيام برحلة إلى أمريكا برفقة علياء ومعاونها المعتاد هاوي جمع الأعمال الفنية السعودي عبدالله التركي. ويقول: سنمضي وقتاً ممتعاً، وستعرف الفنانين والمعارض كلها وتعرف أي فرع من نيمان ماركوس يجدر بنا زيارته".

ولاحقاً، في أجواء الحانة الفخمة والراقية، سألت علياء عن كيفية تحوّلها إلى إنسانة متعددة اللغات تملك شبكة معارف كبيرة وقوية هكذا. فاعتذرت واستهلت برواية قصة ترعرعها الطويلة. فقد ترعرعت في قصر في القاهرة يعجّ بالأعمام والعمات والأجداد الليبيين المنفيين الذين يتوقعون العودة إلى طرابلس في أي لحظة. وتشرح ذلك بقولها: "ما انفكوا يرددون قائلين "عندما نعود إلى ليبيا" و"ستنتهي المسألة عما قريب" و"لن يدوم الوضع إلى الأبد"".  وتقول "هذا صحيح، لم يدم، ولكنّه أخذ وقته- 42 عاماً".

والداها مطلقان ولكنّهما صديقان مقربان. وعلياء مقربة جداً من والدتها الأمريكية سيندي هيليس. عندما التقينا، كانت تقيم في شقة علياء في نايتسبريدج، وسرعان ما انصرفتا بعد انتهاء المقابلة إلى حفلة موسيقية لهوزير في راوندهاوس في شمال لندن. وتقول علياء إنّ الفضل يعود إلى هيليس في إيقاظ حواسها وجانبها الفني، إذ كانتا تزوران المعالم الثقافية المحلية والمتاحف والأحياء الفنية أثناء أسفارهما معاً.

ولكنّ أصدقاءها في الجامعة هم من عرّفوها إلى الفن المعاصر. فدعتها صديقة إلى "بازل" في صيف العام 2001 لزيارة "تلك الفعالية الفنيةالتي تقام هناك". اليوم، تحول آرت بازل الذي تنمي فيه علاقاتها مع شخصيات كبيرة من الشرق الأوسط إلى مكان يقدّم لها واحدة من 3 وظائف تمكّنها من تقديم الكثير من الأعمال المجانية التي لا تنتظر أي مقابل. كما تقوم بعمل استشاري واستثماري فني لشركةGeneration Three Family Partnersورولز رويس التي ستحيي من أجلها علياء حفلاً في آرت أبوظبي في شهر نوفمبر برعاية سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في مجلسه في العاصمة. "نادراً ما أشعر بالرعب الذي شعرت به عندما زرت منشآت رولز رويس في غودوود في المملكة المتحدة. أظن أنّه يمكن وصفها بالمصنع، ولكنّها أكثر من مجرد مصنع- هي بيئة جميلة وعريقة يصدف أنّها تنتج سيارات. فالمكان ينضح بالجودة العالية وعندئذ أدركت أنّه سيكون مهماً جداً للفن إذا أطلقت رولز رويس مبادرات لدعم الفنانين والمنظمات التي لا تبتغي الربح حول العالم مثل إنشاء الشراكة مع سوذبيز في شهر نوفمبر لافتتاح آرت أبوظبي.  في شهر مارس من هذا العام، افتتح السركال أفنيوأبوابه من أجل معرض آرت دبي، لاستضافة مجموعة مذهلة خاصة بالفنانة السعودية منال الدويان، وقد تناسب هذا الحدث تماماً مع رعاية رولز رويس للنسخة الثانية من معرض "21،39" الخاص بمجلس الفن السعودي والذي استضاف أعمال منال أيضاً".

وتقول منال إنّ أثر علياء في الجيل الجديد من الفنانين يظهر تماماً من خلال عملها مع رولز رويس. وتضيف قولها: "لطالما كانت علياء سفيرة شغوفة للفن والفنانين الذين تؤمن بهم، فتفكيرها يتمحور حول العمل دوماً وهي تفكر في إنشاء علاقات جديدة بين الناس ضمن دائرة معارفها الكبيرة. لا أذكر أنّني تحدثت يوماً مع علياء من دون أن تقدّمني إلى فرد ما أو منظمة "يجدر بي أن أتواصل معها"، وحتى إنّها رافقت ذات مرة هانز-أولريك أوبريست شخصياً إلى مشغلي لتضمن عدم مغادرته المنطقة من دون لقائي". وهذه السنة، وبوصفها مستشارة لبرنامج الفنون الخاص بـرولز رويس الذي أقيم في مارس، ساعدتني علياء على إنجاز عمل فني يركز على فكرة مساحات معينة مخصصة للنساء، وما كنت لأقدمه لولا دعم أحد الرعاة، ما سمح لي بتطوير أول منشأة متعددة الشاشات للصوت والصورة، I Had No Wings".

اشترت علياء تحفتها الفنية الأولى من معرض آرت بازل منذ ثماني سنوات، وهي قطعة للفنان اللبناني المتخصص بالفنون البصرية وليد رعد، الذي اكتسب قوة وبراعة وسيقدم معرضاً فردياً في متحف الفن المعاصر (MoMA) في نيويورك، خلال شهر أكتوبر. إلا أنّ لحظة الإلهام والإدراك باغتتها منذ عقد تقريباً، عندما كانت لا تزال خريجة حديثة تتكلم اللغة العربية، وعثرت على عمل مع الفنانين الروسيين إميليا وإيليا كباكوف، وساعدتهما في مشروع في مصر بعنوان سفينة التسامح، بالقرب من الحدود الليبية. شمل هذا المشروع ابتكار الأطفال المحليين لأعمال فنية تدور حول التسامح بهدف تزيين سفينة خشبية، ووفى بمختلف متطلبات علياء في الحياة: التفهم والتعلم والفن الثقافي، فعلقت. ولا تزال علاقتها بآل كباكوف قائمة حتى اليوم.

التقيت بإميليا في منزلها في لونغ آيلند، في نيويورك، وبدت متحمسة جداً لتلميذتها "الجميلة" وقالت: "علينا أن نتعلم كيفية التعايش معاً وفهم الثقافات المختلفة واحترامها. وآمل أن يدرك السياسيون اليوم أنّ العمل الذي يقوم به أمثال علياء أهم بكثير من عملهم".

وهي تعتبر علياء بمثابة ابنتها، تماماً كما تعتبر علياء آل كباكوف - أي إميليا البالغة الستين من العمر وإيليا البالغ من العمر 81 عاماً- بمثابة عائلتها. وسرعان ما تراءت لي فكرة محورها أنّ ما فعلته علياء هو إعادة إنشاء تلك الفيلا العائلية المصرية على مستوى عالمي. فكل من تذكره هو بمثابة "صديق مقرب" أو "كفرد من العائلة" أو "جدة لها تقريباً"، شأن عبدالله الذي تعتبره بمثابة الأخ.

لكن ما لبثت أن اضطربت عندماسألتها عما إذا كانت حيويتها هذه وطاقتها تنضب يوماً، فبادرتني بالسؤال "ولمَ ستنضب؟" بينما أنا كنت قد تعبت بمجرد سماع ما تفعله. ولكن مايا تجيب ضاحكة: "هي لا تكلّ أبداً. ذات مرة أوكلت أحدهم بإقامة أمسية الاختبار والمسابقات الخاصة بمعرض تيت لأنّها كانت شديدة الانشغال ورغم ذلك عادت ونظمتها بنفسها."

عندما دخلت عالم الفن في لندن للمرة الأولى، تفاجأت علياء بأنّ الآخرين لم يملكوا شبكة اتصالات ومعارف بقدرها. وتساءلت قائلة: "كيف يعقل أنّكما لا تعرفان بعضكما البعض؟ كيف يعقل هذا حتى؟ لا أفهم."

ثم تتوقف علياء لبرهة لتعود وتكمل مبتسمة وقائلة: "حسناً، والدتي من مينيسوتا ووالدي من ليبيا، فبالتأكيد العنصر الأساسي هنا هو الود الذي يجمع بين الغرب الأوسط  ودفء الشرق الأوسط. فأنا أنشر الحب".