قانون التوازن: أسست برادا إمبراطورية قائمة على مفهوم التناقضات المتآلفة
تكمن براعة برادا في حرفيتها الخفية، فالمهارة هنا لا تحتاج إلى صوتٍ عالٍ، بل تتجلى ببساطة في خطوط هندسية، وفي محاكاة جمال مدينة تُسكانة من خلال نسيج متغازل، وفي أسرار قد لا نعرفها لكن نستشعرها…
يطلقون عليه “مصنع الحدائق” وهو في الأساس المشغل الذي أسسته برادا لتصميم مجموعتها. عند زيارتك ستتفاجئ أنه مكان يحتضن التناقض حتى يحقق معادلة التوازن، حيث أُسِسَ المكان على مفهوم التجاور الصادم، فكل الأشياء والعناصر التي قد لا يحدث بينها ألفة في الحياة الواقعية، لسببٍ ما، يكون بإمكانها التمازج داخل هذا المكان. يتملكك وقتها شعور غريب لكن رائع، فمن هنا صُممت الصنادل ذات الثريا من مجموعة ربيع وصيف 2010، التي تقطر منها الكريستالات وذات كعب سميك يعتليه ختم شعار الدار.
ومن هنا أيضًا، صنعت الدار طبعة القرد الكرتونية لمجموعة ربيع وصيف 2011 التي صاحبتها الخطوط الجريئة، وقد استطاعت هذه المجموعة بالفعل أن تكون لها تأثير كبير على عالم الموضة من خلال آلاف من عمليات البحث عن ما بها من قطع، وربما لا يزال البعض منا يبحث عن أقراط الموز.

تخزن دار برادا قطع المجموعات داخل هذا المكان، وتختار بعناية ما تريد الاحتفاظ به. حيث تنتقي القطع المميزة التي يخفق لها القلب وتدخلها أرشيف برادا الذي يتم التحكم بدرجة حرارته. كل هذا دليل على حب الدار الكبير لصناعة الأزياء، وأيضًا حبهم لمدينة توسكانا التي أسس فيها المهندس المعماري الإيطالي الشهير غيدو كانالي المصنع، والذي أبدع في تصميم مبنى واسع ذو رسوم متناقضة وتفاصيل غاية في الدقة. وذلك حتى يشعر كل زائر أنه دخل للتو دار الأزياء الأفلطوني خصوصًا ان المصنع لم يبقى على حاله دائمًا منذ التأسيس، فمع تطور المجتمع يغير المصنع عاداته ليكون أكثر وعيًا في جميع مساعيه.
هذا ما نراه نحن من الخارج، لكن بالنسبة لبرادا نفسها كيف ترى مصنعها المذهل من الداخل؟ الإجابة ببساطة أنه بالنسبة للدار مساحة مصممة للتخفيف من تأثير المباني على المناظر الطبيعية، وتشجيع الحوار بين الإنسان والطبيعة، وخلق بيئة تضع الصحة العقلية للعمال في المقدمة. من خلال حدائق على الأسطح المعلقة، وأماكن للاستراحة، وعريشة مظللة بأشجار العنب، ومساحات من المياه، وأسقف زجاجية ضخمة تغمر المساحة بأكملها بأشعة الشمس الإيطالية. بل وذهبت دار برادا إلى أبعد من ذلك، حيث استحوذت على الأراضي المحيطة واستصلحتها لضمان الحفاظ على جمالها الطبيعي. فالالتزام بالاستدامة هنا بالأفعال وليس ترديد كلمات طنانة.

أليس كل هذا يستحق التقدير والاحترام؟ بالفعل، استطاع مصنع برادا الإيطالي أن ينال عدة جوائز، كما وصفته هيئة المجلس الوطني للمهندسين المعماريين بأنه ‘تعبير عن الاحترام الكبير للطبيعة، وأنه رمز للعمل بكرامة وقيمة’.
هذا هو الفكر الإيطالي المتأصل الذي يجدر بنا جميعًا اتباعه “مكان عمل مرموق يجمع بكل براعة بين الترفيه والإنتاج في توازن طبيعي” وفقًا لجويدو. وتستمر العلامة التجارية في إبهارنا من خلال:”فكر الإلهام الأساسي والاقتناع بأن أماكن العمل لا ينبغي أن تستجيب فقط لمتطلبات الأداء الوظيفي والإنتاجية، ولكن يجب أيضًا أن تكون أماكن كريمة، ومصممة لراحة البشر”. مع وجود هذه الفلسفة في جوهرها، لا عجب أن يزدهر الجمال بين الزجاج والكروم على الجدران.

لنأخذ على سبيل المثال حقيبة جاليريا الخاصة بالعلامة التجارية -على اليسار-، وهي التصميم الذي أبصر النور داخل Valvigna. في مكان ما بين أرشيفات السلع الجلدية التاريخية ومستودعات المواد الخام، تم تصنيع هذه القطعة الأكثر كلاسيكية من بين جميلات علامة برادا. يعتبر هذا الأكسسوار الذي يبلغ من العمر 17 عامًا رمزًا للموضة الخالدة في حد ذاته، وقد خضع مؤخرًا للعديد من التغييرات الدرامية؛ بدءًا من ترصيعه بالكريستال وحتى زخارف فن البوب، والآن تأتي الحقيبة مزينة بزخارف نباتية غريبة ثلاثية الأبعاد.
سُمي المتجر الكلاسيكي الجديد على اسم المتجر الرئيسي -والأول على الإطلاق- للعلامة التجارية في رواق التسوق المليء بالفسيفساء في ميلانو والذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر- غاليريا فيتوريو إيمانويل الثاني والذي يعتبر وجهة التسوق المفضلة لكيت ميدلتون، ريهانا، جيجي حديد وكاتي هولمز. فهو بمثابة كنيسة واسعة – ولكنها كنيسة تتحدث عن جاذبيتها العالمية.
إن رؤية جميع القطع الأيقونية للدار البالغ عددها 83 قطعة مُجمعة بجهد مضني في موقع استثنائي، يجسد روح برادا بكل جوانبها من حرفة. إرث. بيئة. التفاصيل. والتفاني في الجمال لدرجة أنه حتى النظر خلف الكواليس يلهمك بشعور استثنائي.
من عدد هاربرز بازار السعودية لصيف 2024
