وادي الفن في العلا مركز لفنون القرن الحادي والعشرين في قلب الصحراء السعودية
في دورها الجديد كرئيسة اللجنة العامة لخبراء الفن في الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، تأخذ إيفونا بلازويك على عاتقها مهمة إنشاء مركزاً لفنون القرن الحادي والعشرين في قلب الصحراء السعودية
تضع رؤية 2030 شعب المملكة في قلب ثورة ثقافية، إذ يمُنح الفن أهمية كبيرة باعتباره راويًا للقصص في منطقة يحمل تاريخها الميثولوجي جلالاً يمتد على مر العصور. وتقود هذه الجهود إيفونا بلازويك، التي عُيّنت أخيراً في منصب رئيسة اللجنة العامة لخبراء الفن في الهيئة الملكية لمحافظة العُلا.
تنظر المديرة السابقة لمعرض وايت تشابل في لندن إلى دورها الجديد كوسيلة “لتعزيز حرية التعبير” في المملكة. ولا وجود للدوافع السياسية في هذا السياق، إذ تعمل إيفونا من منطلق إنساني، لتوضح قدرة الفن على تقديم أفكار جديدة لدولة تسعى لتقديم نفسها للعالم.
أجرت مجلة هاربرز بازار السعودية حواراً معها بعد زيارة موقع وادي الفن، وهو مساحة رملية تغطي مساحة 65 كيلومترًا مربعًا في منطقة العلا، وتحظى بتقدير خاص بسبب تكوينها الصخري الرائع الذي يستحضر إلى الأذهان مشاهد أفلام الخيال العلمي ذات الميزانيات الضخمة.
فمن وجهة نظر إيفونا، تُعَدُّ المناظر الطبيعية النائية والقاحلة والخلّابة بشكل استثنائي في هذه المنطقة – التي عُرِفَت في وقت سابق كممرّ لطريق الحرير وطريق البخور – مثالية كوجهة للفنون المعاصرة. ولذلك فهي تقود مجموعة من الأفراد الموهوبين، بما في ذلك فنانين سعوديين ممّن تم استقطابهم من مناطق أبعد، في انتقاء مجموعة مختارة من المنحوتات المبهرة التي تحمل في طياتها إلهامًا سيبقى حاضرًا عبر الزمن وسيعكس العصور التي نعيشها.
تابعوا حوار هاربرز بازار العربية مع إيفونا بلازويك، رئيسة اللجنة العامة لخبراء الفن في الهيئة الملكية لمحافظة العُلا:

ما يستحوذ على جُل اهتمامنا ويبرز بشكل رئيسي هنا هو حجم المشروع الذي توليته. شاركينا وجهة نظركِ عن الاتجاه الذي يسلكه هذا المشروع والرسالة الشاملة التي يحملها.
إنها فرصة مثالية تقريبا لأننا نعمل مع مجتمع ريفي في مشهد بكر حيث لا يوجد فن أو مؤسسة معاصرة حتى الآن. بالطبع، كان للنفط تأثير على العلا، وكذلك الحداثة، ووجود البلاستيك، وما إلى ذلك، لكنها مع ذلك فرصة استثنائية، سواء من حيث المناظر الطبيعية أو المجتمع. نحن لا نبدأ من الصفر لأن هناك آثارًا قديمة وتقاليد بدوية وعربية وإسلامية عريقة في كل مكان. ومع ذلك، بقي الفن المعاصر بعيدًا عن دائرة الاهتمام لعقود. والآن بعد أن أصبحت المملكة أكثر انقتاحاً، حان الوقت لنرى كيف يمكن للفن أن يؤثر على المجتمع وما هو الدور الذي يمكن أن نؤديه كقيمين فنيين في هذه العملية. يمكن أن نستفيد ونتعلم ليس فقط من الناس، بل من الصحراء نفسها. عندما توليت هذه المهمة، كنت مثل أي شخص آخر في العالم، مدركة للقيود المفروضة على المجتمع السعودي. والآن بعد أن أصبحت جزءًا منه، جزءًا من ذلك المجتمع، أصبح من المثير أن نلاحظ تطور الأمور بسرعة. المساواة بين الجنسين خير مثال على ذلك – وهي ما كان شرطًا لعملي هناك – ليس فقط بالنسبة لزملائي، ولكن بالنسبة للفنانين الذين ندعمهم ونكلفهم بالأعمال.
هل يمكن أن توضحي المجالات المختلفة التي تركزين عليها كرئيسة اللجنة العامة لخبراء الفن في الهيئة الملكية لمحافظة العُلا؟
نحن نعمل في ثلاثة مجالات مختلفة. المجال الأول يتجسد في مشروع وادي الفن، حيث نتجاوز الحدود ونخوض مغامرة فنية على مساحة تمتد لـ 65 كيلومترًا مربعًا من أجمل ما رأت عيني من مناظر الصحراء – إنها بُسْتَان بريّ متألق. لقد استلهمنا من حدائق النحت الخارجية الأخرى، وسلكنا نهجاً يتميز بالجرأة والإبداع، إذ نجمع بين الفن والطبيعة بطريقة مبتكرة وفريدة. ستشهد هذه التجربة تحولًا جوهريًا، حيث تتفاعل الأعمال الفنية مع إرث يمتد في عمق التاريخ الجيولوجي.
بالنسبة للفنانين الذين يخوضون هذه التجربة، تعد هذه فرصة استثنائية تمكنهم من تقديم أعمال فنية لهذا المكان الفريد، مما يضفي إثارة وحيوية خاصة لهذا المشروع، حيث يُحاكون تراث فن الأرض من القرن العشرين ويضعونه في سياق القرن الحادي والعشرين. وهكذا، نتواصل مع تأثير السياق الثقافي المعاصر على تطور فن الأرض في وقتنا الحاضر.
المشروع الثاني يتعلق ببناء متحف جديد وفقًا لقواعد جديدة، حيث يتم التركيز على البيئة والاستدامة، من خلال دراسة تقنيات البناء القديمة، مثل المستوطنات الرائعة المصنوعة من طين العلا نفسها، ومحاولة معرفة ما إذا كانت تقنياتهم الفريدة واستخدام المواد المحلية يمكن أن تكون مفتاحًا للاستدامة المستقبلية. لقد بهرت جدًا من معرض البندقية للعمارة لهذا العام، الذي حمل عنوان “مختبر المستقبل”، وأنا أسرق هذا المصطلح بلا خجل لأقول، هل يمكن أن يكون متحفنا “مختبرًا لمتحف المستقبل؟” مهندستنا المعمارية ستكون لينا جوتميه التي كشفت للتو عن جناحها في معرض سيربنتين في لندن.
مجالنا الثالث يكمن في الشرف الكبير بتكليفنا بإنشاء مجموعة فنية. حيث نجمع أعمالاً فنية من فنانين ينحدرون من المناطق المطله على البحر الأحمر، وبحر العرب، والبحر الأبيض المتوسط، بهدف تكوين مجموعة تعبّر عن روح القرن الواحد والعشرين. وهكذا، أتيحت لي الفرصة للبحث والتعمق في دراسة هذه المنطقة بشكل شامل. ويجب أن أنسب الفضل لسلطان سعود القاسمي الذي عرفني على الفنون الخليجية. في عام 2015، عندما قدّمنا مجموعته “بارجيل” في معرض وايت تشابل من خلال أربعة عروض التي نسقها عمر خليف تحت عنوان “تسلسل زمني غير مكتمل”. هذه الخطوة كانت لي بمثابة تجربة تعليمية ووضعت الأسس لما نفعله الآن في هذا المشروع الاستثنائي.

عندما تفتحين النقاش حول مفهوم الزمن، يبدو كما لو أنك تزرعين بذورًا للأجيال القادمة. لقد تحملتِ عبء إنشاء ما سيشاهده ويعايشه الجمهور لفترة طويلة في المستقبل.
نعم، هذه المشاريع الثلاثة ستدوم إلى الأبد! وعلى الرغم من ذلك، فقد يقرر الفنانون في أن يقدموا ضمن مشروعات وادي الفن أعمالاً تتلاشى مع مرور الوقت، وتستسلم لقوى الطبيعة، بينما يفكر آخرون أن يصنعوا شيئًا سيبقى هنا بعد 100 عام أو حتى 1000 عام، ويساءلون: ماذا يعني ذلك؟ كيف يجب أن أتعامل مع هذا المفهوم؟ إنه لأمر مثير للاهتمام أن يعمل ثلاثة رواد عظماء – أغنس دينيس، مايكل هايزر، وجيمس توريل؛ مع الزمن الجيولوجي العميق ومع الأرض كمادة. ومع ذلك، يضيف الفنانان السعوديان منال الضويان وأحمد ماطر، عنصرًا اجتماعيًا إلى أعمالهما. منال تعيد إنشاء هيكل شبيه بالمتاهة للبلدة القديمة في العلا في الصحراء وتسجل على الجدران ذكريات الأشخاص الذين عاشوا هناك من قبل، لتضيف أصواتهم إلى التراث البدائي من الهيروغليفات والرسوم الصخرية.
الأمر يتعلق بجوانب ومفاهيم الزمن فعلاً. نسعى في متحفنا إلى الاستفادة القصوى من المعرفة التي ولدت من مبادرات أخرى مشابهة، مثل Atelier Luma في آرل ومركز فرانسيس كير للهندسة المعمارية الأرضية في مالي. هؤلاء المبادرين أجروا تجارب قيمة في مجال مواد البناء، مثل استخدام مواد “البلاط النباتي” والتربة المضغوطة. وهناك العديد من المبادرات المشابهة حول العالم، نسعى إلى تحويل هذا المبنى إلى نموذج يمكن أن يُعتبر مرجعية لهذه الأفكار المتميزة. ونتطلع في المقابل إلى مشاركة هذه المعرفة مع بناة المتاحف في المستقبل، حيث تعاني متاحف القرن العشرين من مشكلات في استهلاك الطاقة، سواء في عمليات البناء أو التشغيل، وحتى في تنظيم المعارض المؤقتة. من خلال زيارتي لمعرض “ عصر الهدر” (Waste Age) في متحف التصميم، أدركت أن أكبر أثر كربوني يأتي من عنصر بسيط جدًا، وهو المسامير. فالطاقة الكبيرة المطلوبة لإنتاج المسامير الفولاذية لا تتناسب مع مرات استخدامنا لها، حيث تستخدم مرة واحدة ثم نتخلص منها لاحقًا. هذا يدفعنا لطرح تساؤلات حول ممارساتنا العملية، مثل سبب تغليف كل شيء بالبلاستيك وتراكم النفايات. هل يمكننا تصميم المتحف وبنيته بطريقة تتعامل مع هذه التحديات؟ هذا هو التحدّي الأكبر بالنسبة لي، قد لا ننجح في تحقيقه، ولكننا سنبذل قصارى جهدنا في المحاولة.
يبدو واضحاً أنكِ في طليعة تيار جديد ومبتكر، حيث تعيدين صياغة المفاهيم القديمة، و إعادة ابتكار المفاهيم التقليدية، من خلال اختياراتكِ الدقيقة للأعمال الفنية والبيئة الفريدة التي تُعرض فيها. هذا الجهد يستكشف فكرة ماهية الفن بما في ذلك معناه – سواء من خلال التجارب الشخصية أو من خلال الأعمال نفسها…
بالتأكيد، نحن نتناول مفهوم الظاهرة، حيث نهدف إلى تقديم تجربة مشوقة باستخدام الفن. ومن ضمن التحديات المهمة التي نواجهها إيجاد وسيلة للتواصل مع جمهور غير ملم بعالم الفن. كيف يصل إلى الجمهور؟ وكيف نبدأ الحوار معهم؟ لقد بدأنا في التعامل مع هذا التحدي من خلال تشجيع المشاركة الإبداعية – من خلال ممارسة الأنشطة اليدوية، حيث يتعلم الأفراد ويتفاعلون بشكل شخصي مع عالم الفن. وبالنسبة للأفراد الذين لم يكونوا عادةً مهتمين بالفن بصورة بصرية، ستفتح المشاركة الفعّالة أمامهم بابًا لاستكشاف الفن المعاصر. وفي السياق ذاته، نواجه تحديًا يتعلق بضمان أن الجميع يشعرون بالمشاركة والتفاعل، ليعتبرون الفن موجهاً لهم تحديداً ومرتبط بحياتهم. هذا التوجه الشمولي يمثل جزءًا أساسيًا من مسعانا.
ما الأمر الذي يجب أن يتطلب قدرًا كبيرًا من الحوار والمناقشة؟
نحن نعمل بجد لإيجاد طرق للتفاعل مع جميع الأفراد، من مختلف الفئات العمرية. التغيير يمكن أن يكون مربكًا في البداية، لذا نحن نضع أهمية كبيرة على احترام مساحة كل الأفراد وآرائهم، وما يرونه صوابًا وملائمًا لمستقبلهم. ونطمح إلى أن يخلق كل تفاعل فرصًا فريدة في حد ذاتها. نحن نشجع مشاركة المجتمع المحلي في عمل الفنانين في مشاريع الفن المعاصر، وتوجيه الشباب أو إقامة الفصول التدريبية. هدفنا هو أن ننشئ شعورًا بالانتماء، وأن نوضح أن هذه المشاركة ليست تكليف إجباري، بل هي فرصة حقيقية.
يبدو أن هناك جهودًا كبيرة تبذل لإعادة تقييم الفن “القائم على الأشياء” المعروف في أوروبا والغرب. ما تقومين به هنا يتضمن مصطلحات جديدة ونهجًا جديدًا لتجربة الرؤية من خلال الحواس.
أنت تسلط الضوء على نقطة بالغة الأهمية، وهي التغيير في المشهد النفي الجيوسياسي. حتى نهاية القرن الماضي، كان هناك افتراض متبنى أن الغرب هو المكان الوحيد الذي يأوي الفن الحديث والمعاصر. ندرك مع ذلك وجود مجموعة متنوعة من الحداثيات والمشاهد الفنية في جميع أنحاء العالم التي لم تتلقَ التقدير المناسب في الكتب المرجعية أو في هذا المجال. تغير هذا الاعتقاد بشكل جذري، وربما كان ذلك نتيجة لبعض المعارض الكبيرة مثل ساو باولو والشارقة ودكا وقوانغجو وكوتشي، التي ساهمت بشكل كبير في تسليط الضوء على هذه المشاهد الفنية الإبداعية والمتنوعة. وقد أصبح الصعب للغاية أن نقول إنه لا يوجد سوى مركز واحد للفنون. الواقع الحالي يكشف وجود عدة مراكز. ونطمح إلى المساهمة في بناء منظومة للفنون في المملكة العربية السعودية وشبه الجزيرة العربية – حيث نحتاج إلى مدارس فنية، ومساحات حاضنة ومختبرية، ومتاحف. نحن بحاجة إلى منظومة شاملة. إحدى المبادرات المهمة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا هي ظهور إقامات الفنانين، فهم يؤدون أعمالًا مثيرة للاهتمام حقًا – في العلا يوجد إقامة فنية تُنفَذ في مزرعة، حيث يعمل الفنانون في واحة – لقد شاهدت أعمالًا رائعة تم إبداعها تنتج عن هذه البرامج. وبينما نواجه التحديات المناخ المتنامية، نأمل أن نجد طُرقًا مبتكرة للتكيف، لكي نحمل شعلة الأمل في مواجهة سيناريو مظلم للغاية. وبهذا التوجه، أرى أن الأمور تحمل في طياتها تفاؤلًا كبيرًا. يتعلق ذلك بمشاركة الفنانين من مناطق مختلفة أيضاً، فقد يصطدم بعضها مع البعض الآخر.
هناك شيء واحد مؤكد، وهو أن المنصب الجديد الذي توليته قد وضعكِ في بيئة جديدة تمامًا، مع منحنى تعلم كبير…
في مقارنة بكل ما فعلته في لندن، يمثل هذا المنصب تجربة مختلفة تمامًا. أقصد بذلك فكرة أنك لن تعمل في بيئة عادية، بل في مكان يفتقر للحدود والقيود. في صحراء السعودية، ستجد نفسك محاطًا بالإبل والثعابين، وقد يمرّ بجوارك مجموعة من البدو. هدفنا من خلق هذه المشاريع هو جذب الجماهير المحلية والإقليمية، فضلًا عن تشجيع السياحة الثقافية على الصعيدين المحلي والعالمي. وفي الوقت نفسه، نسعى جاهدين لتجنب أي عروض ترفيهية براقة – فهدفنا هو تحقيق ارتباط عميق مع بعض من أفضل الأعمال الفنية في القرن الواحد والعشرين.
شاهدوا الفيديو عن وادي الفن في العلا:
من هاربرز بازار السعودية لخريف 2023
