زين
زين
Posted inهاربرز بازار أخبار

على المسارالصحيح: المغنية وكاتبة الأغاني الفلسطينية زين تتحدث عن كيف أمنت بصوتها بعد فقدان الحب

بعد مرض والدتها المفاجئ، والمأساة المستمرة في غزة، وإصابتها هي بالشلل لمدة ستة أشهر، وجدت نفسها تعيد ترتيب أولوياتها وتتساءل عما إذا كانت للموسيقى أية قيمة أو معنى؛ ومع ذلك استطاعت المغنية وكاتبة الأغاني الفلسطينية – زين أن تستعيد مكانها على الساحة العالمية، مع ألبومها الأول عودة

تجري زين هذا الحوار معي من لندن، وتحديدًا داخل مطعم منخفض الإضاءة، خلال فترة استراحة من خضم الجولة الصحفية المصغرة التي تقوم بها. ولأكون أكثر دقّة، تجيب عن أسئلتي بينما تتناول وجبة برغر بالجبن. وقد لفتت انتباهي أقراطها الفضية اللامعة المتناغمة مع جفنيها المزينين بالبريق، مما منح عينيها ثقة طغت على الحديث.
ولِمَ لا؟ فهي اليوم واحدة من أكثر الأصوات الشابة متابعة في الوطن العربي. وتعلق: “كل شيء يحدث لسبب”. ووفقًا لهذه الفلسفة، فإن الكون برمته تآمر على تأجيل إطلاق ألبومها الأول “عودة” بقدر الإمكان.

سترة بصوف الكشمير والحرير، تنورة، حذاء كعب عالي، حقيبة برادا الصغيرة نوار باكت. جميعهم السعر عند الطلب من دار برادا

تحدثني بينما تتناول الطعام تارة، وتسترجع من ذاكرتها تارة أخرى سلسلة الانتكاسات التي أبقت الألبوم معلقًا حتى صدوره أخيرًا. فمنذ أن حلمت به في سبتمبر 2023، تلقت ضربة تلو الأخرى: انفصال أربك حياتها؛ تشخيص يهدد حياة والدتها بينما كانت الأوضاع تتدهور في غزة؛ ثم احتجاز لمدة ست عشرة ساعة داخل زنزانة من قِبل سلطات الهجرة الأمريكية حين حاولت إحياء حفل خيري لصالح الضحايا.

سترة من الصوف وحرير الأورجانزا، تنورة، جوارب من الحرير، حذاء الكعب المخمل، حقيبة سافيانو الجلدية، جميعهم السعر عند الطلب من دار برادا

ولم يكتفِ القدر بكل هذا؛ إذ سقطت من على الدَّرج وانكسرت عظمة العصعص في الوقت ذاته الذي كان فيه الألبوم جاهزًا للإصدار هذا الصيف. تخبرنا مازحة: “كانت القشة التي قصمت ظهر البعير”، وتضيف: “لا يمكن تخيُل حجم الألم أبدًا!”. تبع ذلك ستة أسابيع قضتها في السرير، شاهدت خلالها المواسم الثلاثة الأولى من مسلسل ذا سمر آي تيرند بريتي. وتعترف بأن فترة الراحة تلك كانت مفيدة لها:”كنت أركض بلا توقف منذ سبتمبر الماضي. أجبرتني هذه الفترة على الجلوس فعلًا ومعالجة مشاعري التي كنت أؤجل مواجهتها منذ وقت طويل… أخيرًا واجهت نفسي”.

القميص، التنورة، جوارب من الحرير، حقيبة برادا غاليريا الجلدية، جميعهم السعر عند الطلب من دار برادا


على بُعد محطات معدودة فقط من المكان الذي تتصل منه بي، يلمع لوح إعلاني فوق سينما فيو في ليستر سكوير بين الحين والآخر بصورتها، كجزء من برنامج فاوندري التابع ليوتيوب. لم يمضِ وقت طويل على الأيام التي كانت تقيم فيها في لندن، تتنقل ذهابًا وإيابًا إلى هذا المكان نفسه من منزلها القريب في شارع ليفربول. آنذاك، كانت متدربة تُرهِق نفسها بالعمل في شركة علاقات عامة في مورغيت، “أحاول أن أثبت لهؤلاء البيض بكل جهد أن لي مكانًا هنا”. لم يخطر ببالها إطلاقًا أنها على وشك انطلاقة نحو النجومية. تخبرني:”الأمر يفوق الخيال بالنسبة لي؛ بعد ست سنوات أعود إلى المدينة نفسها، لكنني أجد نفسي ألاحق الحلم الذي لطالما رغبت في تحقيقه منذ الطفولة. تخيلي، كنت أذهب إلى تلك السينما لأشاهد الأفلام!”.

القميص، السعر عند الطلب من دار برادا


كانت الشركة قد عرضت عليها وظيفة، لكن جائحة كورونا كان لها رأي آخر. وأثناء بقائها عالقة في عمان، فتحت حساب إنستغرام للغناء بينما طمست هويتها خجلًا. وكانت تصور نفسها من الرقبة إلى الأسفل. لأربعة عشر يومًا من الحجر الصحي الإلزامي، كانت تؤدي أغنية جديدة يوميًا، محاولةً تدريب نفسها على الغناء أمام الناس دون أن تُرى بالكامل. ومع أنها بدأت تكسب عددًا كبيرًا من المتابعين، قررت إغلاق الصفحة. تروي:”لكن أكثر من مئة شخص راسلوني يسألونني: ماذا تفعلين؟ طبعًا لا يمكنك التوقف، يجب أن تستمري”.
الحكومة دعمت هذا الاتجاه بطريقتها الخاصة، إذ مددت فترة الإغلاق. “فقلت لنفسي: لمَ لا أستفيد من الأمر؟” بدأت تُظهر وجهها، تتعاون مع موسيقيين في عمان، وفي النهاية التقت بمُنتجها الحالي ورئيس شركتها ناصر البشير، الذي كثيرًا ما ذُكر في حديثنا كعنصر ثابت يمنحها التوازن. وكان ناصر صاحب السؤال الذي غير مسارها: لماذا لا تكتب زين أغانيها بنفسها؟


حين بدأت العمل على ألبوم عودة، كانت شروط صناعة الموسيقى قد تغيرت تمامًا. ففي سبتمبر 2023، أصيبت والدتها بمرض خطير كاد يودي بحياتها. تعترف:”كان صدمة هائلة لي ولعائلتي وبالتأكيد على أمي”. بعد أسبوعين فقط، بدأ القصف الإسرائيلي على غزة. تحمل زين ذكرى قاتمة عن جلوسها في غرفة انتظار المستشفى بين عمليات والدتها، وهي تشاهد “ما يحدث في غزة” على الشاشة. “كان الأمر يفوق الاحتمال”.
لمدة ستة أشهر، لم تكن في حالةٍ ذهنية تسمح لها بالإبداع. الفتاة التي طالما افتخرت بحيوية قلبها باتت غارقة في فيضٍ عارمٍ وعنيف من المشاعر، إلى أن وجدت نفسها فجأة لا تشعر بأي شيء على الإطلاق. تقول: “كنت أحب فكرة أنني حساسة، وعندما فقدت ذلك، شعرت أن شيئًا ما خطأ”. تكشف أن جهازها العصبي انهار ودخل في حالة خدر تام. “لم أكن أقدر على البكاء حتى لو طلبتِ مني مشاهدة فيديو لشخص يموت”.
كان الأمر لا يحتمل إلى درجة أنها فكرت جديًا في ترك الموسيقى. “لم أشعر أن ما أفعله منطقي في هذا العالم الذي نعيش فيه. شعرت أنني أضيع وقتي. لم أشعر أن الموسيقى التي نصنعها تُحدث أي تغيير اجتماعي”.

معطف من القماش المعقد، جوارب من الحرير، بوط جلدي، حقيبة برادا غاليريا الجلدية، جميعهم السعر عند الطلب من دار برادا


احتاجت إلى الأشخاص الذين يعرفونها خارج اسمها الفني كي ينتشلوها من تلك الحالة. أولئك الذين يعرفون زين سجدي، اسمها كاملًا الذي ظهر أمامي على الشاشة -ومع أنني أعرف زين، إلا أن رؤيته بدا وكأنه معلومة سرية ظهرت فجأة كون اسمها شهرتها خالٍ من الكنية- صديقها المقرب وفنان الآر أند بي – بايو كان أول من سحبها من دوامة الإحباط:”قال لي:(خذي كل الوقت الذي تحتاجينه لتتعافي مما تمرين به، لكن لا تفكري في التوقف)”.
أبقى ناصر الاستوديو مفتوحًا بصبر لا يتزعزع. وحين عادت أخيرًا إلى هناك، كان لا بد من جلسة استرجاع طويلة، ومن تلك الجلسة وُلدت أغنية بالي كانت أول أغنية تكتبها بعد ستة أشهر من الجمود. “إنها أغنية شديدة التأمل، تتحدث عن ثقل العالم في ذلك الوقت. وكل الأشياء التي جعلتني أشعر أنني لم أعد أعرف نفسي عندما أنظر في المرآة”.


باتت الكتابة بالنسبة لزين عملية علاجية لا بد منها. تقول:”سواء كان الأمر قلبًا مكسورًا، أو شوقًا، أو حبًا، أو حزنًا، أو حتى أمورًا غير منطقية؛ لا بد أن أكون أمر بشيء ما كي أستطيع التعبير عنه. وإلا أشعر أنني أضيف المزيد من الضوضاء دون أن أقدم شيئًا مميزًا”. بالنسبة لزين، اللغة العربية هي الوعاء الوحيد القادر على حمل هذه المشاعر. تُعبر:”أشعر أن هناك حدودًا لا يمكنك التعبير عنها بالإنجليزية؛ العربية غنية جدًا، وأشعر أنه سيكون خطأ ألا أستخدمها”. وفي تلك الفترة أيضًا، تعمقت زينة في خطاب “تحرير العقل من الاستعمار”، وهو ممارسة تفكيك صور القصور المتخيلة التي تبثها المعايير الغربية في ذهن العربي. تسأل:”لماذا نشك في أنفسنا دائمًا؟ لماذا نظن أننا لسنا أذكياء بما يكفي، ولا رائعين بما يكفي، ولا جمال بما يكفي؟”.

معطف من القماش المعقد، جوارب من الحرير، بوط جلدي، حقيبة برادا غاليريا الجلدية، جميعهم السعر عند الطلب من دار برادا


وتضيف:”إنه شيء داخلي وُلدنا به كعرب: اعتقاد أننا لسنا بقدر من في الغرب، وأنه يجب أن نقلّدهم كي نبدو متحضرين، وأن نلبس مثلهم لنكون مواكبين للموضة.” تبلورت تلك الأسئلة مع صعود زين السريع في القوائم الموسيقية، وفي أواخر عام 2024 أطلقت أغنيتها حرري عقلك / أصلي أنا، وهو مشروع بصري غنائي يثير الدموع والقشعريرة بكل أشكالها؛ عمل عصي علي وصفه. استدعى الفخر الفلسطيني بتناغم يتجاوز حدود اللغة. تقول:”لغتنا تكفينا، وجمالنا يكفينا، وثقافتنا غنية للغاية. لماذا لا نظهر ذلك؟”
كان العمل إعلانًا واتهامًا في آن واحد، ولم يكن موجّهًا للفلسطينيين وحدهم. تؤكد:”صنعته ليشاهد الجميع ثقافتنا وشعبنا وأرضنا وطعامنا وتقاليدنا ومجوهراتنا وتطريزنا.” أغنيتها حلوة، ما هي ألا ترنيمة رقيقة لحب النفس، تبني على ذلك الإخلاص المتوارث للنساء اللواتي ربّينها. تشرح زين: “إنها عن الرابط المتوارث بين الأجيال الذي يأتي من وجود أم وجدة محبّتين”.


يكرّم الفيديو كلتيهما، ويومئ بصريًا إلى أصلي أنا في أحد المشاهد، تقف زين ووالدتها وجدتها معًا، بشَعرٍ مضفور يمتد عشرين مترًا يربط بينهنّ كأنه لوحة فنية حيّة. توضح:”أردناه أن يبدو كلوحة فنية حية”. واليوم، عندما تغني حلوة، تقول: “أشعر بتمكين كبير. كل ما أريده هو أن أحتضن أمي وجدتي ولا أتركهما أبدًا.” صورتها أمامي في المكالمة مظلمة بعض الشيء، لكن هذا لم يمنع وصول احساس الهدوء واللطف المستقرين في ملامحها. الفنانة شديدة الوعي بكيفية التحكم في مشاعرها، وتتحدث عن ذلك بصراحة كما لو كانت تتحدث عن ألبوماتها. تقول:”تمكنت مؤخرًا فقط من معالجة الأشياء، والشعور بها، والبكاء بشأن أحداث وقعت قبل عامين، كنتُ قد منعت نفسي من الشعور بها العام الماضي لأنني أردت أن أكون قوية لأجل من حولي”.

القميص، التنورة، حقيبة برادا غاليريا الجلدية، جميعهم السعر عند الطلب من دار برادا


وتضيف: “أشعر أنني أعود إلى نفسي، إلى حقيقتي. إنه إحساس لم أشعر به منذ وقت طويل منذ سنوات. إنه شعور رائع بالفعل”.
تحافظ زين على طقوس تقويها وتؤصلها: حمية منتظمة، تمارين بيلاتس، جلسات علاج نفسي، شرب كمية كافية من الماء، وروتين عناية بالبشرة دقيق. في الليل، تستمع في الحمام إلى أوليفيا دين وذا ماريس، ثم تختتم يومها بقراءة القرآن لتغفو. تقول: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب… تمنحي الصلاة والدعاء ثباتًا وحماية؛ لأن من السهل جدًا أن تضيع في هذا العالم.”
تحمل زين عقدًا صغيرًا من أشقائها، تمسكه حين تشعر بالإرهاق. تقول: “مجرد وجوده حول رقبتي يجعلني أشعر بالحماية والثبات”. كما يمتد وعيها الجسدي المكتسب حديثًا إلى الآخرين، ملاحظة عندما يقضم الأصدقاء أظافرهم أو يحبسون أنفاسهم لفترة طويلة. تشرح:”إجابتك دائمًا موجودة في معدتك، وجسدك يحاول دائمًا أن يخبرك بشيء”.

قميص بولو القطني، تنورة مطرزة، كعب المخمل، جميعهم السعر عند الطلب من دار برادا


كلمة “نور” في العربية تعني الضوء، لكنها تحمل أيضًا بعدًا روحانيًا، تجلّيًا للطاقة التي تظهر في الوجه. عندما يمتلك الشخص “نورًا” في وجهه، فهذا يعكس إشراقًا داخليًا متأتٍ من فهم نقي. وعند مشاهدة زين تتحدث عن العامين الماضيين، يتجلى هذا النور في وجهها، نعم اكتسبته بصعوبة، لكنه بات جاليًا للجميع. حاولت الختام بالسؤال عما تعمل عليه حاليًا، وإجابتها كانت صادمة! “يا فتاتي! أطلقت ألبومًا مكونًا من ثلاثة عشر أغنية للتو وتسأليني عن جديدي؟”. واستكملت:”امزح فالعمل لا يتوقف أبدًا!”. وتختتم بإنها بالفعل تكتب حاليًا، تخطط للتعاونات المقبلة، وتستعد للنسخة القادمة من نفسها التي تشعر بأنها جاهزة لملاقاتها.

No more pages to load