عمر سيف غباش سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى روسيا الإتحادية، ومؤلف كتاب رسائل إلى شاب مسلم "Letters to a Young Muslim"

رسالة إلى المرأة العربية, يوم المرأة العالمي, المرأة الخليجية, المرأة العربية
عمر سيف غباش في جبال الألب الفرنسية.
يتحدث بشفافية إلى نساء العالم العربي ويحثهن أن يتمتعن بالقوة اللازمة لتغيير صورة المرأة النمطية التي يفرضها المجتمع الذكوري

ما أن بدأت الآن بالكتابة عن حال المرأة في عالمنا العربي كرجل عربي مسلم، حتى تذكرت مقالاً قرأته مؤخراً يتناول استحداث منصب "وزير شؤون المرأة" تم إسناده إلى "رجل"، وأخذت أفكر أيضا بأولئك "الرجال" الذين قاموا بسن التشريعات وصياغة القوانين الخاصة بحقوق "المرأة" في البرلمانات الغربية.

قد أفترض أنّه من الطبيعي لي، بصفتي رجل، أن أقدم الوعظ للنساء، وأن أضع الحدود لإمكانياتهنّ. وفي الواقع، أعرف الكثير من الرجال الذين يفعلون ذلك طوال الوقت.

فنحن من نقرّر ما يتوجب على النساء ارتداؤه، وما إن كنّ يستطعن الدراسة أو العمل، كما أنّنا نقوم بمراقبة تحرّكاتهنّ عن طريق القانون، أو عن طريق التحكم بحصولهنّ على المصادر المالية.  

إننا، معشر الرجال، نحرص دوماً على  أن يعرف النساء  أنّهنّ كنوز ثمينة في ثقافتنا، ونذكرهنّ بذلك في كلّ مرة يطلبن فيها الإذن للخروج من المنزل، أو السفر، أو الدراسة، أو العمل. ونتساءل في أنفسنا، لِمَ يزعجن أنفسهنّ في مواجهة العالم القاسي خارج جدران المنزل؟ لٍم لا نقوم بذلك بدلاً عنهنّ؟ ما من داعٍ للقلق، فنحن أقوياء وقادرون على القيام بذلك انطلاقاً من احترامنا لنسائنا. إذ، ما الذي قد تنجح في تحقيقه هذه المخلوقة العاطفية الطائشة في عالم الرجل القاسي والصعب؟ تذكروا، النساء هنّ كنز يجدر بنا إخفاؤه عن أعين الرجال الآخرين ونظراتهم الفاسقة.

أمضيت أشهر صيف العام 2016 في تسلّق جبال الألب الفرنسية. إذ كنت قد أنهيت المسودة الأخيرة لكتابي  Letters to a Young Muslim، وشعرت بدفق عارم من الطاقة علمت أنّني لن أتمكّن من التنفيس عنه إلا من خلال تسلّق الجبال. فاتّصلت في فرنسا بشركة من شأنّها أن تؤمّن مرشداً سياحياً يقودنا بين الجبال. وتبيّن أنّ المرشد الذي تمّ تعيينه لي هو امرأة سويدية في بداية عقدها الثالث من العمر، يبلغ طولها حوالي 160 سنتمتراً، وبالكاد يصل وزنها إلى نصف وزني. أي ليس تماماً كما توقّعت. حتّى أنني سألتها ممازحاً إن كانت ستقوى على الإمساك بي إن وقعت خلال التسلّق وأنا أثقل وزناً منها بكثير، فتجاهلت ملاحظاتي بابتسامة ونظرة واثقة في عينيها.

وفي طريقنا إلى سفح الجبل الذي سنتسلقه، تجاذبنا أطراف الحديث. فقالت إنّها كانت لاعبة جمباز محترفة، ثم بدأت بتسلق الجبال فيما كانت تحاول الحصول على درجة الماجستير في الهندسة الحيوية من جامعة ستانفورد. إذاً فقد كانت شابة ذكية وقوية. ربطت لي حبل التسلّق بسرعة، وتحقّقت من احتياطات السلامة، ثمّ رمت بنفسها بمواجهة الصخور وراحت تتسلّقها بخطوات رشيقة. وما إن عثرت هي على مكان آمن ومناسب للاستراحة، حتّى بدأتُ أنا بالتسلّق، مستعيناً بالحبل الذي يربطني بالمرشدة. كنت أنازعُ وأتقدّمُ بصعوبة، حتّى أننّي جرحت أصابعي، وكشطتُ وجهي وذقني، وأصبت بكدمات في ركبتي. إلى أن وصلت أخيراً إلى منطقة الأمان. وفيما كنت أرتجف من شدة التوتّر الذي يفرضه التدلي فوق الصخور بشكل عمودي، قامت هي بمساعدتي على بلوغ نقطة الأمان بهدوء تام وطلبت منّي الاسترخاء. واستمرّت هذه العملية على مدى أيام وأسابيع. لقد أعجبت فعلاً بسلوكها الهادئ وتركيزها المستمر، وهاتان صفتان لا أتمتع بهما.. لقد كانت أشبه بنسخة مؤنثة من جيمس بوند، إذ كانت متحكّمة تماماً ومسيطرة على الوضع، وتتمتّع بتركيز قاطع وإرادة منيعة في وجه الظروف المناخية المتغيرة. واتّضح لاحقاً، أنّها في الواقع صاحبة ومؤسسة الشركة السياحية.

ثمّ سقطت للمرة الأولى، فبينما كنت أحاول جاهداً أن أسحب نفسي إلى حافة إحدى الصخور في أعلى الجبال بغرض الراحة، وساقيّ ترتجفان من التوتر والخوف، وذراعيّ تحترقان من شدّة الجهد والإرهاق أخذت أناملي تنزلق عن مواضعها، ولم يكن تحتي أي شيء، فسقطت، في مثل هذه اللحظة قد تعتقد أنّك ما كنت لتفلت يديك لكن القوة تخونك.، فوقعت وأنا أتساءل عمّا سيحدث لي، وما إن سقطت مسافة ثلاثة أمتار حتى سُحِب الحبل بشدة قبل أن يرتطم وجهي بالصخور. فلقد كانت تمسك بي بإحكام وبينما كنت معلّقاً هناك استجمعت أفكاري، ورحت أبتسم فور إدراكي أنّ هذه المرأة صغيرة الحجم كانت تمسك حياتي بين يديها، وأنني كنت أشعر بالأمان. ويمكن القول إنّ أسلوبها الهادئ في التعامل، وخبرتها التقنية، وقراراتها الصائبة هي التي قادتني بين الجبال وأنقذتني أكثر من مرّة.

وأنا اليوم أعيد سرد هذه التجربة لأنّها تسلّط تفكيري كيف أننا في منطقتنا نرتبط ببعضنا البعض وفقاً للمعتقدات الثقافية الموروثة والنماذج العقلية التي عفا عنها الزمن، والرغبة في السيطرة على الآخرين. وهذا ما يوصلني في التفكير إلى واقع أنّنا نختار ربط بعضنا البعض بهذه الطرق، ثم نخبّر بعضنا أنّ الرجال والنساء يمتلكون صفات محددة لا تتغيّر. إلا أنّ تسلقي الجبال مع هذه المرشدة السويدية هو خير دليل على أنّ الذكور والإناث قادرون دوماً على تبادل الأدوار التي أُسندت إليهم ثقافياً، بين القوة والضعف، والثبات والعاطفة، والشدّة والخوف.

لدى منطقتنا خبرات مختلفة عن الكيفية التي يسمح للمرأة التصرف من خلالها.. غير أنّ دولة الإمارات العربية المتحدة قد تطوّرت إلى حدّ  باتت النساء بموجبه تتولى مناصب قيادية في الحكومة كما في القطاع الخاص. وتُعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم، مثالاً يُحتذى به في العالمين العربي والإسلامي، بعد أن أثبتت إمكانية المسار الذي يمكن أن يعمل فيه الرجال والنساء جنباً إلى جنب، حيث يتناوبون الأدوار من وإلى المكتب، وذلك بغية المساعدة على تحديد العالم من حولهم. مع الإشارة إلى أنّ كلّ ذلك حصل من دون من دون انتهاك للقانون، أو خرق للنظام، أو إفساد للمجتمع، أو الإساءة إلى القيم الأخلاقية. ليتبيّن أنّ ما كان يخشاه البعض، لا يتعدّى كونه تخيلات واهية. فنحن قادرون على منح بعضنا المزيد من الثقة والأمان، إن عملنا معا على بناء عالم عربي وإسلامي أكثر شمولية.

"رسائل إلى شاب مسلم" Letters To A Young Muslim  بقلم عمر سيف غباش

BY

رسالة إلى المرأة العربية, يوم المرأة العالمي, المرأة الخليجية, المرأة العربية
عمر سيف غباش في جبال الألب الفرنسية.