مريم إيسلر تلتقي محمد قاسم أشفق

مريم إيسلر, هاربر بازار ART, تيت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا, محمد قاسم أشفق
هي رئيس ثان للجنة متحف تيت للاستحواذات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لندن، وقد تعرفت على عمل محمد قاسم أشفق حينما كانت تقدم المساعدة لهانا باري، صاحبة صالة فنية في بيكهام. عندما تواجدت مريم إيسلر للمرة الأولى وجهاً لوجه مع أعمال الفنان محمد قاسم أشفق، ذُهلت فوراً بالبساطة الخطية والدقة والحدة التي تميزه منحوتاتهمن ناحية الضوء والمساحة التي تشغلها كل منحوتة

مريم إيسلر: كيف تصنف درجات الروحية في عملك؟ ولا أقصد بكلامي الروحية الدينية.

محمد قاسم أشفق: من الصعب فصل الدين عن الروحية.

مريم إيسلر: ما أقصده هو بعض المحتوى التأملي لا سيما في عملك الغرافيتي على الورق.

محمد قاسم أشفق: تتطلب الرسومات وقتاً طويلاً. تنطلق من نقطة رائعة هي في الخط الأول الذي منه يبدأ به رسمك. أقف أمام هذه الورقة الكبيرة وأفكر، "حسناً، يبدو ذلك رائعاً". إنّها ورقة كبيرة وهي ممتازة ومستقيمة جداً. ثم أرسم دائرة على هذه الورقة، ثم خطوطاً هندسية، وأبتعد قليلاً وأنظر إليها، وأحدث نفسي قائلاً: "جيد، سيكون هذا رسمي".أرسم بعد ذلك الخط الأول وأفكر بأول زوجين من الخطوطوكأنّنيأرسم للمرة الأولى. ثم أتوقف عن التفكير في الأمر إلى أن يصبح كل شيء جاهزاً. لا أقصد القول إنّ الأمر أشبه بردة فعل تلقائية إزاء ما هو أمامي، كل ما في الأمر أنّني أعرف ما الهدف حينماأباشر بالرسم. الهندسة بادية علاماتها وتعرف إلى أين تتجه الخطوط. لا أدرك ذلك إلا حينما أبلغ الدقائق الأخيرة من العمل. أرسم الخطوط الأخيرة، وفجأة، ينتهي العمل!

مريم إيسلر: هل تقصد أنّك تنسى نفسك أثناء العمل؟

محمد قاسم أشفق: لا أقصد ذلك فعلاً. بل أقصد أنّني أدرك أنّنا في العام 2015، ولا زلت أجهل كيف وصلت إلى هذه المرحلة. لا تتعلق الأعمال بالإشباع الآني. حتى تنفيذ المجسمات الورقية يتطلب وقتاً طويلاً، كذلك الأمر بالنسبة للمنحوتات... إنّها عملية طويلة، تتطلب وقتاً. في الوقت ذاته، الأمر أشبه بقطعة ورقية فولاذية يجب تحويلها إلى هذا الشكل الأفضل.

مريم إيسلر: ماذا عن التكرار في رسمك؟ هل تحاول الكشف عن ذاكرة خاصة أو جماعية؟

محمد قاسم أشفق: لست أكيداً من ذلك. أنت تتحدثين عن مسيرات طويلة تتطلب من 8 إلى 10 ساعات يومياً، وأعني بها مسيرات الرسم التي أمرّ بها. حينماأعمل يومياً لساعات طويلة فيما أستمع مراراً وتكراراً إلى موسيقى الأوبرا (واغنر بشكل عام)، يكون التغيير بسيطاً. لست أكيداً ما هي هذه الذكرى. لست أكيداً ما الأمور التي أود أن أتذكرها أو أن أنساها.

مريم إيسلر: خيط دقيق يفصل بين التذكر والنسيان.

محمد قاسم أشفق: نعم! هذا لأنّني بالتأكيد أتذكر أشياء، إلا أنّني في الوقت ذاته لا أعرف إلى أي مدى أتذكر الوقت الذي أمضيته لأنجزها، أتفهمين قصدي؟

مريم إيسلر: حدثني عن الدقة الرياضية النقية في عملك، عن هذا النظام المذهل. هل تحاول وضع بعض النظام في هذا العالم المعقد الذي نعيش فيه أو هل تسعى إلى ما هو أفضل كأن تحاول إضفاء بعض النظام على حياتك التي يمكنك أن تتحكم بها شخصياً؟

محمد قاسم أشفق: تماماً. التحكم مسألة ضخمة. أتحكم بقلم الرصاص وأتحكم بطريقة تنفيذي للعمل. من الصعب أن أرى أشياء جميلة أحياناً، لا سيما حينماأكون منغلقاً في عالمي الصغير. يعيش الكثير من الفنانين في عالمهم الخاص الصغير حيث يكون كل شيء رائعاً، فيستحق كل شيء الاهتمام...خلال مرحلة معينة، علقت رسومات كبيرة في غرفة نومي. كنت أستيقظ ليلاً لأنظر إلى هذه اللوحات السوداء الضخمة. وكنت أقول: "رائع حقاً".أحب الاستيقاظ ورؤية هذه القامات. أرى في ذلك خروجاً من إطار الأعمال لأنّني فعلاً لا أحب الكثير من الأمور. أنا أنبثق من اللاشيء، إذا أردت. فعلاً هذا أنا.

مريم إيسلر: ماذا عن معنى الضوء في عملك؟ يتحدث النقاد دائماً عن الظلام عند الإشارة إلى فنك. اهتمامي أنا ينصب على الضوء الذي تدمجه في كل عمل.

محمد قاسم أشفق: الضوء، أوليس جميلاً؟ كلما زاد الضوء، سارت الأمور بشكل أفضل، لا ظلام من دون ضوء. مثلاً، إن انطلقت من يمين الرسم إلى يساره، ترين نفسك وسط ضوء مختلف تماماً. أمر رائع فعلاً. تفعيل رائع. نجلس هنا، العالم أسود، الجدار أبيض، الأرضية رمادية، لا وجود للون. ولكن ما إن تتحركي، ترين العالم الخارجي ينعكس على الرسم. ينتابك شعور رائع لأنّك حية، تختبرين ما ليس عادياً أو مضجراً أو مصبوغاً بلون واحد. حتى في الاستوديو أثناء العمل، أشعر بوميض ضوء قوي فعلاً، ضوء يترك أثره على كل ما يحيط بي. للسماء الزرقاء روعة لا تُضاهى حينما تنعكس على الرسومات.

مريم إيسلر: على مستوى فلسفي أكثر، هل تسعى إلى التنوير أو إلى تأكيد وجودي؟

محمد قاسم أشفق: على الأرجح التأكيد، أعتقد ذلك.

مريم إيسلر: عملك هو الضوء، إلا أنّه راسٍ جداً، صحيح؟

محمد قاسم أشفق: نعم ولكن حتى في لوحة Falling Stars (النجوم المتساقطة)، أرى نوعاً من الضوء المتجمد. كل ما في الأمر أنّه حبيس لحظة سقوط النجوم على الأرض. أشعر أنّ الرسومات أكثر صلابة، بينما تفر المنحوتات من عالم آخر إلى عالمنا.

مريم إيسلر: عند الوقوف عند التوتر المتبادل بين رسوماتك ومنحوتاتك، أرى نوعاً من الحوار بين الاثنين.

محمد قاسم أشفق: طبعاً. حينما كنت أركز فقط على تقديم أعمال ثلاثية الأبعاد، شعرت بنقص معين. ليس نقصاً في العمل، إنّما افتقدت ما قد يساعدني على إنهاء العمل. أنا غريب قليلاً أيضاً في طريقة استخدامي للدوائر. وتعلمين مدى صعوبة رسم دائرة مثالية، فما قولك بخطٍ مستقيم؟ إنّه أمر فكري صرف.

مريم إيسلر: ولكن ألا تظن أنّ الدوائر خالدة؟ ألا ترى فيها عودة إلى المصدر؟

محمد قاسم أشفق: أكاد أصاب بالاكتئاب من فرط تفكيري بالأمر. دائرة مثالية؟ يا لبشاعة الفكرة... لا أظن أنّه بإمكاني التأقلم مع الأمر.

مريم إيسلر: لا تفكر إذاً بالدائرة، انصرف بتفكيرك إلى الخط. فكر عوضاً عن ذلك في توجيه نفسك إلى أفق خطي.

محمد قاسم أشفق: فكرت مرة: "أي شيء أفضل من حفرة سوداء؟"... كيف عساني أصف بقلم رصاص شيئاً يشبه المنحوتة؟ لم أجد طريقة أفضل من جمعهما معاً عن طريق خلق نوع من الهندسة باتجاهات متعارضة.

يغوص المرء أحياناً في بعض الأعمال بينما يحاورها، كأن يرى على سبيل المثال التلاعب بين الضوء والظلام. بدأت الرسومات كنوع من الزينة، ثم أدركت أنّني بحاجة إلى إعادة تعديل المتثابتات. إذا تماماً كما قلت، حينما أتيت على ذكر الدوائر المثالية، أردت أن أقترب من نقطة كانت الرسومات عندها أقرب قدر المستطاع إلى الدائري، من دون أن تخبرني إن كانت متجهة صوبي أو متراجعة.

مريم إيسلر: إذاً، بالابتعاد عن هذه الدائرة المثالية، كيف تعرف خلفيتك عن عملك؟

محمد قاسم أشفق: أنا كائن حي، أقدم فناً. الأمر بهذه البساطة.

BY

مريم إيسلر, هاربر بازار ART, تيت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا, محمد قاسم أشفق