سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة يخط رسالة مفتوحة لكريمته سامية

يوم المرأة العالمي, رسالة, المرأة العربية, المرأة الخليجية
آمال طيبة يعبر عنها السفير لجيل من النساء العربيات والمسلمات وهن يشققن طريقهن كنماذج رائعة في عالم اليوم

ابنتي العزيزة سامية،

        أكتب لك هذه الرسالة وقد بلغت سنوات عمرك أربعاً وأنت تلجين لجة الحياة وتتلمسين طريقك لاختبار العالم من حولك. هذه الدنيا مثلك تماماً، مترعة بالأفراح والبهجة، وبالأمل وبشريات النجاح.

        كلما مضى بك قطار العمر ستواجهين مصاعب وتحديات في مسيرة الحياة، وحينها ستجدينني وأمك سنداً لك دوماً، وحين تبلغين سن الرشد وتستشرفين الحياة كامرأة عربية مسلمة، سيكون أمل أمك وأملي أن تَشُقِّي طريقك مدفوعة بهدف التغيير الإيجابي. وكلنا ثقة في أنك ستصبحين يوماً ما مصدر إلهام وتحفيز لكثير من النساء، تماماً كما فعلت كثيرات من أسلافك. قد تجابهين بحراً متلاطماً من التحديات، وما عليك إلا أن تحتفظي بجذوة الأمل والتفاؤل متقدة في دواخلك. وإن لاقتك عثرات في الطريق فإنها قد تبطئ سيرك لبُرهة، ولكنها لن توقف مسيرتك.

        في دولة الإمارات العربية المتحدة، نبذل قصارى جهدنا لكي نبني مستقبلاً أفضل وآمن لك ولأندادك في منطقتنا وفي بقية العالم. نبني مجتمعاً تسوده قيم الانفتاح والتسامح وروح التقدم لأنك ستقومين فيه بدور عظيم ذات يوم.

        بُنيتي سامية، ينتمي أسلافك لأرض نابضة بالحياة غنية بثقافتها وتاريخها. هذه الأرض هي مهد الحضارة في اعتقاد الكثيرين، وتُعرف بمنطقة الشرق الأوسط، وقد شهدت مولد الكثير من المجتمعات الراقية والأديان الغَرَّاء منذ قديم الزمان، كما أنها موطن كثير من النساء الموهوبات النابغات، منهن الملكة الأسطورية كليوباترا التي نالت تعليماً راقياً في العلوم واللغات وتقدمت صفوف حملة نهضوية وقادت بنفسها سفائن الحرب، وفاطمة الفهري التي أسست أول جامعة في العالم في عام 859م هي جامعة القرويين في مدينة فاس بالمغرب. وفي عصرنا الحاضر تطل علينا المهندسة المعمارية العراقية زها حديد التي خلدت بصمتها بأعمال مُبهرة في مختلف أرجاء العالم، بما فيها دولة الإمارات العربية المتحدة. ومثال آخر على نبوغ النساء في منطقتنا: الشيخة لبنى القاسمي أول امرأة إماراتية تتقلد منصباً وزارياً في الدولة، وهي تعكف الآن على تشجيع التعايش السلمي والاحترام المتبادل من خلال منصبها كوزيرة للتسامح.

        تزخر منطقتنا بنماذج لا حصر لها من النساء العربيات اللائي لا يدخرن جهداً في مساعدة الأُسر السورية لاستعادة الحياة الطبيعية، جنباً إلى جنب مع الأمهات والبنات والأخوات الشجاعات اللاتي يتحملن مسؤوليات إضافية عندما تدور رحى الحرب وتخيم المأساة على مشهد الحياة. لقد حالفَنا الحظ في دولة الإمارات العربية المتحدة حيث حبانا الله مصادر وفيرة وعلى رأسها قيادة حكيمة تتمتع ببصيرة نافذة. سيكون دورك، بنيتي، أن تحملي تلك الشعلة وتتقدمي بها، فلقد وضعت دولة الإمارات رؤية بديلة للمنطقة تكون الغلبة فيها لروح التعاون والعمل المشترك بين الناس بمختلف أديانهم وأعراقهم، بينما تتاح للأجيال الناشئة فرص التعليم والعمل ويتمتع الرجال والنساء بفرص متساوية في مجالات الحياة المختلفة.

        ثمة مثال ناصع للتسامح في بلدنا الإمارات هو مسجد الشيخ زايد الكبير، حيث تتملكك الدهشة وأنت تتجولين في محيطه وأرجائه الطاهرة وحولك عابدون وزائرون من كل حدب وصوب بمختلف أديانهم ومعتقداتهم خاشعين في رهبة تدل على عظمة المكان ورمزيته. وفضلاً عن المسجد وغيره من المؤسسات التي تحفظ تقاليد الإمارات وتراثها، يمكنك كذلك الاطلاع على نماذج لأروع الفنون والثقافات العالمية في متحف اللوفر أبو ظبي وفي معارض الفنون المنتشرة في إمارة دبي.

        ولك أن تتمتعي بأرقى أنواع التعليم دون أن تغادري بلدك، سواء أكان ذلك في جامعة الإمارات أو جامعة نيويورك فرع أبو ظبي. وفي قلب دبي يقبع متحف المستقبل وستجدين فيه بعض ما أنتجته عقول نيِّرة من بلدنا ومن أرجاء أخرى من العالم لننتفع به بعد عشرين أو خمسين وحتى مائة سنة، ومن تلك المقتنيات الإنسان الآلي الطائر والطباعة ثلاثية الأبعاد وغيرها من المنتجات المتطورة التي اعتمدت على التقدم التقني. هذه بعض ملامح العمل الشاق الذي أنجزناه.

        الإمارات العربية المتحدة دولة فتية لم تبلغ نصف قرن من الزمان بعد، ومن أجل تحقيق النماء والتطور فيها عَمِل رجالها ونساؤها جنباً إلى جنب لتفادي العيش في ظل مناخٍ قاسٍ وللتغلب على شظف العيش الذي كابده أسلافنا، وتلك هي الروح السائدة اليوم حيث يصطف الرجال والنساء للعمل يداً واحدة للمساهمة في تحسين كافة جوانب الحياة وتحقيق التنمية المنشودة في الدولة.

        نشأتُ وأمك في بيئة تكفل المساواة بين الرجال والنساء، بينما يعتقد البعض ببساطة أن النساء والفتيات غير مستعدات لمثل هذا النوع من التقدم، ولكنني أعلم أنك وأنت لا تزالين في عامك الرابع لا تتفقين مع تلك الرؤية المغلوطة. سامية، كثيرون في هذا العالم يحبون الحديث عن المرأة العربية والمسلمة، عن أفضل ما يناسبهن وما لا يناسبهن، وفي هذا الشأن لديَّ أنا وأمك شيء واحد نقوله، وهو أن نساء منطقتنا يتمتعن بالقوة والحماس، وهن عماد أسرنا وثقافتنا ومجتمعنا، وهن من يحددن مسار حياتهن بعون الله.

وحقيقة الأمر أن المرأة في الإمارات لا تضيع وقتها بالحديث عن أفضل ما يناسبها، بل إنها في شغل شاغل فيما يحقق لها ذلك الهدف. إن مجرد إثبات المرأة وجودها واستقلاليتها هو من مكامن القوة في حد ذاته، وأنت سعيدة الحظ لتجدي أمامك نماذج قيادية من نساء الإمارات اللائي مهدن الطريق لفرص لا تحدها حدود، منهن قائدات طائرات مقاتلة يحمين مسارك في دروب الحياة التي ننشدها، ووزيرة للشباب لا يتعدى عمرها الثلاثة وعشرين ربيعاً تعمل بجد واجتهاد لضمان أن تجد أصوات الشباب أذناً صاغية لدى أعلى مستويات القيادة في بلادنا. لقد تبوأت المرأة الإماراتية مكانتها المرموقة في حكومة بلدنا حيث يضم مجلس الوزراء ثمان سيدات، أي حوالى ثلث أعضاء المجلس، وهي نسبة تحظى بالتقدير بكل المقاييس.

ويعج عالم اليوم بنماذج نسائية لهن إسهامات عظيمة في مضمار العلوم، ولدينا في الإمارات نسبة 41% من بين العلماء والمهندسين الإماراتيين في مركز محمد بن راشد لعلوم الفضاء من النساء العاملات ضمن فريق يسعى لجعل الإمارات أول دولة عربية تطلق مسباراً إلى الفضاء لاستكشاف كوكب المريخ. وفي الواقع تتفوق النساء عدداً على الرجال بين الدارسين في الحقل العلمي من علوم وتقنية وهندسة ورياضيات في الجامعات الحكومية.

وإذا نظرنا إلى عالم الأزياء، نجد أن نساء منطقتنا يخطون خطوات جبارة في هذا المضمار. ولا غرو أن والدتك، وهي مهندسة ومصممة بارعة، تمتلك الآن خط إنتاج ناجح للأزياء العصرية، وفي معرض "فينيس بينال" للفنون تعرض فنانات الإمارات أعمالهن في الجناح الدولي. إذن لم تعد لطموحات المرأة في منطقتنا حدود، فهنالك لاعبات إماراتيات في مختلف ضروب الرياضة مثل هوكي الجليد ورفع الأثقال، ومنهن طبيبات ومديرات تنفيذيات، ومنهن من ارتقت إلى مناصب القضاة. هؤلاء النسوة يجعلنني فخوراً بانتمائي للإمارات، وستجدين حولك الكثير من النساء الرائدات في المستقبل، ويهمني كثيراً أن تعي كم أنت محظوظة وحولك هذا الكم الزاخر من بنات بلدك ومنطقتك ممن ارتقين مدارج النجاح، فهن يا ابنتي العزيزة من يساعدن في دفع عجلة التغيير في كافة أرجاء المعمورة.

نتطلع شوقاً، أنا وأمك لنراك تتبوئين موقعك وسط هؤلاء السيدات في يوم ما، فأنت من تقررين مسار حياتك ومستقبلك بإذن الله، ولا تصغي لمن يقول لك خلاف ذلك.

BY

يوم المرأة العالمي, رسالة, المرأة العربية, المرأة الخليجية